11 سبتمبر .. ليس من رأى كمن سمع / الجزء الأول

في ذلك الصباح الأول بالتوقيت الشرقي للولايات المتحدة الأمريكية، كنت مستيقظا في المستشفى الجامعي (ديتون – اوهايو)، الذي وصلته مساء أمس، بعد تعرض رب عملي السيد (أبو زكريا) لحادث فظيع على الطريق السريع الرابط بين (سنسناتي – اوهايو) و (دترويت – ميتشيغن)، (أبو زكريا) هذا رجل ثري، من أصل فلسطيني، طويل وقوي البنية، لحيته كثيفة جدا، وتعرفه جميع مساجد الساحل الشرقي للولايات المتحدة الأمريكية، تسكن أسرته المكونة من زوجة وثمانية أطفال في الحي العربي (شيكاغو – إلنوي)، زوجته التي طلبت مني الاعتناء به لغاية تمكنها من القدوم بعد ترتيب وضع معين للعناية بالأفراخ الصغار.

كنت في طريقي إلى المطعم لتناول فطور متأخر بعض الشيء، بعد ليلة متعبة من السفر والقلق والسهر، استوقفني الحشد تحت شاشات (اللابي)، الصمت رهيب، كأنما على رؤوسهم الطير، لا أنسى أبدا تلك الدهشة التي بدت على الجميع وهم يكممون أفواههم بأيديهم، ولحظة اقترابي قرأت على الشاشة عبارتين الأولى (بركينغ نيوز) والثانية (أمريكا تحت الهجوم)، اقتربت أكثر وكان أول ما سمعته أن الرئيس بوش الابن يغادر (أفلوريدا) إلى مكان آمن، وأن نائب الرئيس ديك تشيني توجه إلى مكان سري وآمن، وأن الناطق باسم البيت والنائب الثاني في ملاذ آمن، دهشت لبرهة، ثم تتابعت الأحداث من إخلاء المجال الجوي للولايات المتحدة الأمريكية من الطيران المدني، أي الهبوط الاضطراري لحوالي ستة آلاف رحلة كانت موجودة في الجو في لحظتها، ثم إنزال الطائرة الرابعة في ضواحي (ابنسلفينيا)، ثم انهيار البرجين، هذا بالطبع بالإضافة إلى الحديث المستمر عن الإغاثة والاستجابة، دون التعرض لأسباب الوقاية أو مصدر الهجوم.

عدت أدراجي إلى الرجل النائم بين الحياة والموت، جلست إليه وحدثته عن كل شيء، بلسان عربي مبين، إنه لا يسمعني، لكن بعض الزوار القادمين من المسجد ليطمئنوا عليه، قالوا إنهم سمعوا في طريقهم إلينا مسؤولية القاعدة عن العملية، ولا أنكر أبدا ذلك الشعور الذي اعتراني أسفا على أرواح الذين قضوا، خصوصا أولئك الذين شاهدتهم يرمون أنفسهم من الطوابق العلوية، والطريقة التي قضوا بها، ونوع من الرضى لجرح كبرياء القابعين في أماكن آمنة، بغض النظر عن المسؤول عن ذلك الهجوم، وإن كانت تلك المشاعر ممزوجة بكثير من الترقب والخوف.

أدركت في ذلك الصباح أن أسباب القوة تبقى دائما أضعف من قوة الخوف، وأن الأمن ومرادفاته من الكلمات هي أهم مفردات قاموس الحياة.

بعد يومين استعاد (أبو زكريا) وعيه وبدا بحالة تمكنه من الانتقال إلى مستشفى بمدينة (شيكاغو – إلنوي) حيث أسرته، لأكون وحيدا على الطريق – صافي الذهن- متوجها إلى (لويزفل – كنتاكي) حيث ( الهول سل) محل عملنا، لأنفذ أوامره بتوقيف العمل مؤقتا لحين تماثله للشفاء، وهذا فعلا ما تقرر بمشورة السيدة (دينا) المديرة والمحامي، فالأوضاع غير مستقرة وخصوصا أنه كنا في مرات عديدة عرضة للتفتيش و المراقبة من مكتب المباحث الفدرالية للشك المبرر في أنشطتنا التجارية، وما يغذي ذلك الشك من التنافس المحتد في أغلب الأحيان مع أتراب المهنة.

خلال هذه الأيام الأربعة الأولى من الأحداث كنت في عزلة تامة عن جميع الموريتانيين، وإن كان قد تناهى إلى مسامعي أن حملة اعتقالات واسعة تستهدف العرب خوصا والمسلمين عموما، قد أخذت مكانها على كافة التراب الأمريكي، يقودها مكتب التحقيقات الفدرالي، تدعمه إدارة الهجرة والاستيطان، وكذلك مكافحة المخدرات وتنظيم الكحول والتبغ، بالإضافة طبعا إلى الوكالات الأمنية الكثيرة والمتعددة الأسماء والاختصاصات…

أغلقنا أبواب (ألفا تردينغ) لأول مرة بإرادتنا، لأبدأ مرحلة عصيبة من الخوف والترقب، تلقيت عدة اتصالات من أصدقاء أمريكيين دارت كلها حول احد سؤالين: محمد هل أنت بخير؟ نحن قلقون عليك! أو محمد إنك لست إرهابيا أليس كذلك؟ كن حذرا!

بعد أن هيأ الأصدقاء الطيبون، النفس لجميع الاحتمالات، بدأت أتحسس مواقع الضعف والقوة وأسباب الأسباب في حسابات النجاة، وقد تأثرت تلك المقاربات بالحملة الشعواء في وسائل الإعلام وإعلانات الطرق، عن ضرورة التبليغ عن كل من تشكون فيه أو يشكل تهديدا في نظركم، شحن الجو، لدرجة أنني أصبحت أرى نظرات بعيدة من ورائي تشتبه في ملامحي، تعمق شعوري بالضعف والخوف وأنا أرى باصات مكتب المباحث الفدرالية تأخذ كل من كان في المسجد، إلى مقراتها لتوقيفه والتحقيق معه، حاولت في البداية من خلال تلك المراجعات تجنب اللقاء بالمباحث بأي شكل من الأشكال، وقد حضرت ردودا وشروحا لتواجدي في العراق، حول اقتنائي رخصة قيادة الشاحنات، تنقلي للعيش في أكثر من مدينة ،عملي، صداقتي، التحويلات المالية من أرصدتي، دولتي، أمي، جدتي، رأيي في الحاج محمد ومالكم أكس ولوثر كينغ وولد أمسيكه، ملابسي، لماذا أدخن (مارلبورو) الحمراء بدل الخضراء أو(الألترا)، كيف اتفق أن أشتري يوميا (غالون) حليب كامل الدسم، لم اخترت هذه المدينة والولاية، هل لدي خطة، لماذا ولدت وكيف سأموت وهل سأبعث حيا،…

بعد تلك المعاناة، خطرت ببالي قصة جليس سيدنا سليمان عليه وعلى نبينا أفضل الصلاة وأزكى السلام، استحضرت كل قصص الحذر من القدر التي سمعت ذات يوم، استأنست كثيرا وذهب عني بعض الروع، فقررت المواجهة في أول فرصة معقولة إن اتيحت لي، وإلا فلن يصيبنا إلا ما كتب الله علينا، بالفعل حظيت بفرصة كبيرة للمراجعة، نصحت الكثيرين بالمغادرة، ازداد الوضع سوءا فلدينا عدد كبير من الموريتانيين المحجوزين، والذين لم تحدد كفالة لإخراجهم، ولا يستطيع المحامون التنبؤ بمدى صعوبة وضعهم، بدأنا في جمع المال بيننا لدفع أتعاب محام كسول يطلب الكثير ويعد بالقليل.

في أول لقاء مع عملاء المكتب الفدرالي، كنا ثلاثة نجلس في شقة نتناول الشاي، وفجأة دخل علينا فريق من ثمانية أشخاص، أمرونا بالتزام أماكننا، سألونا إن كان هناك شخص آخر بالشقة، هل لدينا أسلحة، هل نتوقع قدوم أشخاص آخرين، هل هناك شيء يجب أن يعلموا به، وبعد مسح شامل للشقة، وصل صديقان لنصبح خمسة ويبدأ العرض، أخذوا كل واحد منا وحده ليستجوبوه، حصلوا على صيد ثمين، فقد كان معنا شاب أصروا على أنه غير متعاون، متعللين برفضه إجابة أسئلتهم، يحمل جواز سفره عدة تأشيرات وزيارات للخليج العربي، حاولنا عبثا إقناعهم بأنه لا يتحدث اللغة الإنكليزية، وأن أسرته تقيم هناك، وضعوا الأغلال واقتادوه من بيننا.

كانت تلك التجربة مؤثرة جدا، لكنها في نفس الوقت مثلت بالنسبة لي نقلة نوعية في التفكير والممارسة.

يتواصل

Batta122000@yahoo.fr

المهندس محمد أبات الشيخ