الحوار الوطني والآمال المنبثقة

رغم إيماني بأن مهمة السياسي بالدرجة الأولي هي صناعة الحدث لا الكتابة عنه ولا تحليله ولا التنبؤ به، ومع جنوح الكثير من الساسة في العالم إلي الكتابة فقد كنت أعتقد جازما بأن ذلك السلوك هو فعل سياسي بالدرجة الأولي يهدف إلي إرباك المحللين والكتاب والصحفيين ومحاولة توجيه اهتمامهم أو صرفه، ذلك أن متعة الفعل السياسي في الحقيقة تكمن في ما يحدثه من أثر أيا كانت طبيعته في حياة الناس وعقولهم وفي كثافة التعاطي معه سلبا أو إيجابا، وتشكل قراءة هذا التعاطي بالنسبة لرجل السياسة ضرورة لا غنى عنها لتقييم هذا الفعل وما يترتب عن ذلك من مراجعات، وكل تدخل لرجل السياسية في عملية التقييم هذه سينعكس سلبا علي صدقية ما تفرزه من نتائج مما يفقد السياسي أهم أدواته في الحركة وهي وضوح الرؤية.

إن ذلك السيد الذي استبق “الربيع العربي” ببضع سنين هو رئيس الجمهورية محمد ولد عبد العزيز، حيث كانت النخبة التي تتمتع اليوم بامتيازات التغيير نائمة حين منحها الفرصة للجلوس على طاولة تقرير المصير الوطني الذي كان قبل محمد ولد عبد العزيز (صناعة شخصية) لا يشارك فيها السياسيون ولا المواطنون، بينما كان المثقفون وكأنهم غير معنيين إطلاقا بغير تأمل ذهني مشكوك في السلامة العقلية لصاحبه.

إن الرئيس محمد ولد عبد العزيز الذي انتخب قبل بضع وعشرين شهرا فقط لديه أغلبية برلمانية ساحقة وأغلبية حزبية و انجازات تعد بالمئات وليست مقتصرة علي أصابع اليد كما هي نتائج العد التقليدي لإنجازات حكام البلاد السابقين، إن الوضع الاقتصادي الموريتاني يشهد ثورة حقيقية من خلال مشاريع وطنية قياسية في شتى المجالات: المياه، الصحة، الإسكان، التعليم، الكهرباء، الطرق، الزراعة، البيئة، الأمن القومي، الأمن الغذائي، إن تخصيص الحكومة لخطة ممولة بعشرات المليارات لمواجهة تحدي الجفاف الناتج عن نقص الأمطار قبل أن ينتهي ما هو متوفر من مراعي هذه السنة دليل علي قدرة الاقتصاد الوطني بتسييره الجديد على التفاعل مع التحديات ومواكبتها بالسرعة القياسية اللازمة، إن 300 شركة من شتى أنحاء العالم تقوم بأعمال التنقيب والاستثمار تؤكد تحول موريتانيا إلي بلد معدني وثرواتي وإلي أن الشعب الموريتاني سيحصد ثمار هذه الثقة العالمية في رئيسه واقتصاده خلال وقت قصير من خلال عائدات التنقيب والاستغلال ورفع أداء قطاع التشغيل.

ومن المعروف ان هؤلاء المستثمرين من الصعب أن يضعوا ثقتهم إلا في نظام قوي شاهدوه ينجح في بناء علاقات إقليمية ودولية مع شتى بلدان العالم، ويقود الجهود الإقليمية لإحلال السلام في هذا البلد أو ذاك، وشاهدوه يبني جيشه ويسلحه ويفرض الأمن والاستقرار، وعلى سبيل المثال لا توجد دولة مهما كانت اليوم في الساحل إلا وتتواجد كتائب القاعدة علي أراضيها باستثناء موريتانيا التي نجحت في إفشال المحاولات الإرهابية للتمركز على الأراضي الموريتانية.

وحرصا منه علي إتاحة الفرصة أمام الجميع للمساهمة كل من موقعه في بناء وطننا الغالي جاءت دعوة فخامة رئيس الجمهورية السيد محمد ولد عبد العزيز إلى الحوار لتشكل سابقة تاريخية في التعاطي مع الشأن العام ولتؤسس لعهد جديد من الممارسة السياسية تغيب فيها ثقافة المحظور وتنمحي فيها أساليب الإقصاء والتهميش من أجل مناصحة صادقة ومصارحة خالية من الأحكام المسبقة.

وتجد دعوة رئيس الجمهورية هذه للحوار مصداقيتها في الإنجازات التي حققها في فترة وجيزة وعلى أكثر من صعيد والتي جعلت من المواطن محورا للسياسيات التنموية وهدفا لكل تقدم ونماء، بعد أن ظل طيلة الخمسين سنة الماضية علي الهامش.

دعوة تجد مصداقيتها أيضا في إطلاع رئيس الجمهورية شخصيا بهموم شعب الريف وساكني الأحياء الهشة وقربه من الفقراء والطبقات المسحوقة وتحسسه لآلام المرضى والمصابين وحربه على الفساد، في تجسيد رائع لقيم المسؤولية وإحساس نبيل بأنه المسؤول غدا أمام الله عما يحدث مستلهما قول الفاروق عمر ابن الخطاب رضي الله عنه (و الله لو أن بغلة عثرت بشط الفرات لكنت مسؤولا عنها أمام الله لماذا لم أعبد لها الطريق).

كما نعرف جميعا أن هذا الحوار جاء بعد فشل بعض ممن يرفعون شعار «المعارضة الموريتانية» في محاولة استنساخ ثورات الشارع العربي وإسقاطها علي واقعنا الذي لا يمت بصلة إلي واقع هذه الدول، تلك المحاولات المتكررة والحملات المغرضة لتمرير تمثيلية فاشلة لم ولن تقنع الشارع الموريتاني الذي عاد لتوه من صناديق اقتراع هي وحدها الحكم في ظل الديمقراطية.

باختصار الرئيس يجلس على طاولة الحوار في ذروة قوته السياسية فهو الذي تبنى برامج الثورة قبل أن تتأجج الحركات الشعبية بما يعرف اليوم “بالربيع العربي”.

إن نظامنا نظام منتخب يحقق حزمة مشاريع نوعية ويحظي بدعم الأغلبية الساحقة ويعيد لموريتانيا روحها الوطنية والحضارية، كان في غنى عن فضاءات الحوار والتنازلات لخصوم هزمتهم صناديق الاقتراع، لكن ذلك ليس فلسفة الرئيس محمد ولد عبد العزيز: فهو من النوع النادر من القادة الذي يطمح للاستماع لأي مواطن ومشاركة كل مواطن في بناء بلده، أحرى إذا كان هذا المواطن من النخبة السياسية التي يفترض أنها ذات مسؤولية وطنية مضاعفة.

أما الذين يقولون أنه “حوار هزيل، فاقد للشرعية والمصداقية” لأنهم تخلفوا عنه وقاطعوه ولأنه “لم يلتئم تحت مرجعية ووصاية أجنبية”حسب دعواهم إلي غير ذلك من الانتقادات المغرضة و الحجج الواهية التي لا تقنعهم أنفسهم أحرى غيرهم والتي أدت في الأيام الأخيرة إلي تضاعف وتنوع الانسحابات من صفوف المعارضة، أو إلي تجميد العضوية في أحزابها، للتفرغ للنشاطات الثقافية والخيرية، فأذكرهم من باب قوله تعلى: وََذَكِرْ فَإِنَّ الْذِّكْرَى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينْ صدق الله العظيم، أن التاريخ كفيل بإصدار حكمه علي من شذوا عن الإجماع الوطني وعن جماعة الشورى والحل والعقد.

وفي الأخير لا يسعني إلا أن أقول لمن تخلفوا عن مصلحة الوطن العليا مهما كانت الأسباب بأن يد الرئيس ستظل ممدودة وقلبه مفتوح للحوار، لأنه رجل حوار يؤمن بالديمقراطية التي تتسع فوق سقف صناديق الاقتراع لتُرسي سُنَّةَ التشاور الدائم ولتطمئن قلوب كل الموريتانيين إلى أنه لا إقصاء ولا تهميش لأي كان في موريتانيا الجديدة والقائمة علي ضمير الجمع، لا تلك المجازفات التي تحاول أن توغلنا في عمليات الطرح والتقسيم والمضاربة.

يعقوب ولد احمد ولد حَمِّينْ

رقم الهاتف:36381210