حتى لا تكون فتنة…

أصبح من الواضح جدا أن المشهد السياسي لبلادنا يمر بأزمة أو “تأزيم” حاد ومتزايد، قد يتوسع ليطال الجوانب الاقتصادية والاجتماعية والأمنية لا سمح الله.

وأصبح واضحا أيضا أن أقطاب هذا المشهد ومنظريه وحتى بعض مشايخه ومفكريه، يسيرون في اتجاهات متباينة لا يبدو – حتى الآن على الأقل – أنها ستكون ككل الطرق…على الرغم من كون الهدف واحدا، وهو التمسك بالسلطة أو الوصول إليها لمن لم يسعفهم الحظ بذلك، بأي ثمن أو وسيلة – ربما على اعتبار أن الغاية تبرر الوسيلة – بعيدا عن هموم وتطلعات ومصالح هذا الشعب المسكين، المثقل بتبعات الماضي ومخلفاته وحتى بعض شخوصه… التائه في فضاء الحاضر المليء بركام بيوت الأحياء “العشوائية”، المزدحم بالمحتجين والمعتصمين بحبل الحركة والمنسقية والنقابة والبطالة… المتوجس من غد لا يدري ما الله قاض فيه، فمؤشر الثورات العربية ما يزال مرتفعا كالبنزين والأسعار، بينما يظل مؤشر المواطنة والإصلاح والتصالح… منخفضا بالنسبة لمنطقة الموالاة والمعارضة ومناطق نفوذهما.

وأصبح أكثر وضوحا أن مختلف وسائل التصعيد وأوراق الضغط – ولو غير فعالة أو مقنعة أو آمنة حتى – سيتم استخدامها من كل الأطراف، أو على الأصح استخدام ما تبقى منها ولو في الوقت بدل الضائع، وحتى بعد انتهاء تاريخ الصلاحية كما يفعل بالمواد الغذائية والطبية… في غياب هيئة تعنى بحماية المواطن من الاستغلال غير المشروع.

فبعد أن تم “وبنجاح” ما يشبه عملية تجنيد واسعة لوسائل التواصل والإعلام والغرف التشريعية أخيرا، بغية تسويق وجهات نظر كاسدة لهذا الطرف أو ذاك، والتحامل على خصوم اليوم وأصدقاء الأمس والنيل منهم بأساليب وعبارات تخرج في الغالب عن حد اللباقة وأدبيات الاختلاف في الموافق والآراء؛ مما أفقد معظم هذه الوسائل – حتى لا أقول: الأشخاص – الحد الأدنى من المصداقية المطلوب لتشكيل رأي عام مؤثر وضاغط.

وتلك إحدى تجليات هذا التجاذب غير البناء، المنبعث في معظمه من رغبة جامحة لدى مختلف الأطراف في تحقيق المصالح الشخصية والفئوية والحزبية…

وفي اعتقادي أن الجميع – وحتى من صنعوا هذا المشهد – أصبح يدرك هذه الحقائق ويستشعر خطورة الوضع ودقة الموقف، غير أن لا أحد – على ما يبدو – يمتلك شجاعة الاعتراف بالخطإ، أو على الأقل زمام المبادرة وإبداء حسن النوايا لتدارك الموقف واحتواء الوضع، بل كل حزب بما لديهم فرحون، زين لهم سوء أعمالهم، وأخذتهم العزة بالإثم إلا من رحم ربك، وقليل ما هم.

-مكمن الخطورة:

تبلغ خطورة الوضع – في رأيي – أعلى درجاتها عندما يزج بالعلماء والمنابر في هذا المشهد المظلم؛ للحديث عن مواضيع أعدت سلفا؛ لتلتقط منها كلمات وعبارات تنتزع من سياقها لتوضع في قوالب صممت لذلك الغرض، وتبنى عليها فتاوى واستنتاجات تشهد لهذا الطرف أو ذاك، مستلهمين تجارب الحقب السابقة على الرغم من انتقادهم لها واتفاقهم على وصفها بالبائدة، وهي لعمري إحدى مفارقات هذا المشهد المثير.

وكأن قدر هذا الشعب المسكين أن يظل رهين تجارب وأفكار وحتى شخوص تلك الحقب والأنظمة البائدة الفاسدة على حد تعبيرهم، و”أرجوا ألا يكون الأمر كذلك”.

لست بوارد التحليل أو التقييم لمواقف العلماء من هذا المشهد المتناقض حتى الآن، بل لست أهلا لذلك على الأصح

فما لي على ذاك المقام تسلط * لأني من القرمين أخفض مستوى

فمبلغ جهدي أن أسطر جملا قصيرة أعتقد أنها حقائق ينبغي أخذها في الحسبان، علها تجد من يقرؤها بتأمل وتجرد – في مشهد قل التجرد فيه إلا من… – فأقول:

– إن الوقت لم يعد مناسبا لاحتكار المنابر أو توجيهها، في ظل تحرير الفضاء السمعي البصري؛ ولأن أحب شيء إلى الإنسان ما منعا.

– إن الشعوب لم تعد تقنع بالوعود والأماني، كما لم تعد تنساق وراء الشعارات ذات الطابع العنصري أو الطائفي أو الديني… فلسان حالها يررد قول الشاعر:

بكل تداوينا فلم يشف ما بنا…

– إن “شرعنة الثورة” على صعوبتها لا تكفي لقيام ثورة، وإن تحريمها قد لا يمنع وقوعها، فالثائر لا يجد وقتا يستفتي فيه، وإن استفتى فسيَفتيه الواقع بلغة لن يجد صعوبة في فهمها.

– إن الثورة لا تُخْلَق ولا تُخْتَلق، وإنما تَتَخَلق كلما توفرت الدواعي وانتفت الموانع.

– إن إزالة الدواعي أولى من إيجاد الموانع.

– إن النصح لأولياء الأمر أولى وأقدم من النصح لعامتهم.

– إن رفع الظلم الواقع من أسباب درء الظلم المتوقع.

– إن تجديد الطبقة السياسية والفكرية والفقهية… أصبح ضروريا أكثر من أي وقت مضى.

وأخيرا أتمنى على أطراف المشهد السياسي أن يتقوا الله في أنفسهم، ويرحموا هذا الشعب المسكين، فيخفف هؤلاء من شحنهم وتحريضهم… ويتوب أولئك من إصرارهم وتجاهلهم…

فيلتقي الجميع على كلمة سواء تحفظ لهذا البلد أمنه وسلامته، وتضمن لشعبه حقوقه ومصالحه… وفي هذا الإطار وهذا المسعى ينبغي أن تكون صولات وجولات العلماء والمفكرين والصلحاء، حتى لا تكون فتنة ويكون الدين لله، وما ذلك على الله بعزيز.

بقلم/ محمد محمود ولد محمد محفوظ ولد الطالب أحمذُو

كاتب ومفكر إسلامي

هـ: 27-14- 52 – 46 –

البريد الإلكتروني: Hmdo1427@gmail.com