200 مليون أوقية ثمن رصاصة بدر ولد عبد العزيز..

1-10.jpg

-* “200 مليون هي حجم المبلغ الذي صرفه الرئيس ثمنا لرصاصة ابنه، 35 مليون مصاريف العلاج في المستشفى، 40 مليون حجز الطائرة التي حلقت الى المغرب على جناح السرعة تحمل الفتاة وأفرادا من عائلتها ووفدا حكوميا رفيع المستوى، و125 مليون لحجز الفنادق وعمولات السماسرة، وبعض الأشياء الأخرى ذات الصلة بالملف.

الربيع ولد ادوم – المحيط نت

1-10.jpg


يمكن للرئيس الموريتاني ان يتلقى التهنئة في القصر الرئاسي بعد احترافيته العميقة في معالجة القضايا الشائكة على طريقة “العودة” لكل القيم التي تظاهر انه يرفضها أيام حملته للانتخابات الرئاسية التي أجريت يوم 18 يوليو 2009 بعد الانقلاب العسكري الذي قاده في 6 أغسطس 2008 وأطاح خلاله بالرئيس محمد ولد الشيخ عبد الله بعدما قام الأخير بإصدار قرار رئاسي بخلعه من رئاسة الحرس الرئاسي، فانتفض جراء القرار وقام بوضع الرئيس تحت الإقامة الجبرية.

من المهم ان نتذكر انه خلال الاجتماعات بالرئيس كان الكثير من مشايخ القبائل يخرجون من عند الرئيس وقد علت وجوههم كآبة.. كان عزيز خلال لقاءاته يؤكد انه في “زمن الديمقراطية لا وجود لدور للمشايخ والصفقات تحت الطاولة” فهو “مرشح الفقراء وليصوت له من شاء ومن اختار مرشحا آخر فاليذهب إليه”.

لكن بدا ان الرئيس “الثوري” الذي سبق كل العالم الى الربيع العربي “من خلال انجازه لثورة رائعة في موريتانيا” هو مجرد رجل يسوي قضية شروع ابنه في قتل فتاة من خلال صفقة غير مشرفة، وعن طريق شيوخ القبائل والوساطات القبلية، ويلغي بشكل بسيط على شكل عمليات الإزاحة في الهندسة، حق النيابة العامة في متابعة الجناة حتى لو سحب اهل الضحية دعواهم، انه رئيس يتوسط لحماية ابنه، ولا يولي أي أهمية لمطالب شعبه وقوانين بلاده.

أطلق سراح ابن الرئيس المدلل وعاد لحضن عائلته.. لا احد ينكر جمالية اللحظة وعاطفيتها عندما يعود ابن جميل من مأساة كهذه سالما الى حضن أمه وابيه وعائلته التي تؤويه، بعد وقت قصير في مفوضيات الشرطة سيئة السمعة.

يمكن ان نفهم كم تبلغ فرحة ام بعودة ابنها (الصورة نشرها موقع قناة العربية).. كم دماء نقية وصادقة ستصعد الى وجه الرئيس، وهو يستعيد ابنه من مخالب كثيرة نبتت في الأيام الماضية، إنها طبيعة بشرية وعاطفة جياشة تزرع الورد في القلب.

كم ستكون السيدة الأولى سعيدة وهي تمد وساد ابنها، وتمدد لحافه، وتنظر الى وجهه وهو نائم في القصر الرئاسي، كل البشر في الكون يعترفون بأنها لحظة تستحق الاحترام، وتحرض فينا الحب تجاه فلذات أكبادنا، وتذكي فينا ذكرياتنا القديمة ونحن نداعبهم وهم صغار.
لكن بعيدا عن الرومانسية الحالمة تبقى نقطة سوداء وخيط لا ينقطع في حياة رئيس رجح عواطفه الشخصية على تحقيق العدالة، واختار نفسه بدل عن ترسيخ دولة القانون، وجرح مشاعر المتتبعين.

200 مليون هي حجم المبلغ الذي صرفه الرئيس ثمنا لرصاصة ابنه، 35 مليون مصاريف العلاج في المستشفى، 40 مليون حجز الطائرة التي حلقت الى المغرب على جناح السرعة تحمل الفتاة وأفرادا من عائلتها ووفدا حكوميا رفيع المستوى، و125 مليون لحجز الفنادق وعمولات السماسرة، وبعض الأشياء الأخرى ذات الصلة بالملف.

2-10.jpgوعندما يرتفع صوت المبالغ ذات الستة أصفار على كل القواعد والأعراف والقوانين والنصوص الشرعية والمواثيق الإنسانية ان تتنحى جانبا، فالقضية استثنائية بكل المقاييس.
لقد درسنا في الجامعة ان هنالك شيئا اسمه “الحق العام”.. ففي الجنايات التي تفوق الجنح والمخالفات في بشاعتها وتهدد السكينة والأمن، لا يكفي ان يسحب الضحية أو وكلاؤه او محاميه شكواه عند العدالة، بل يبقى حق المجتمع في ان يشعر بان هنالك عقابا للجناة وبطريقة قانونية ان يكون هنالك “ردع واصلاح لمرتكب الجريمة” لهذا تصرف وزارة العدل ميزانية من مال الشعب على السجون لكي يشرفها من يرتكبون الجرائم، ولهذا سميت “النيابة العامة” بهذا الاسم لأنها تنوب عن المجتمع في متابعة حقه، ولهذا يتم التفريق بين الحق العام والحق الخاص في القانون.

هذه السجون قضى فيها الصحفي حنفي ولد الدهاه –خلال مأمورية عزيز- عامين لان فتاة كتبت في موقعه ان المجتمع بحاجة لمزيد من الحرية، وقال الرئيس نفسه ان حنفي موجود في السجن لأنه (ان الدولة تحمي الناس من حنفي وتحمي حنفي من الناس من خلال سجنه !!! ما أحوج بدر الى ذلك الآن رغم ان حنفي لم يكن يطلق غير رصاص الكلمات غير الممنوع دوليا).

نفس السجون يقضي فيها مئات من أصحاب التهم البسيطة جزءا من حياتهم، وكل من “يعتقد” محمد ولد عبد العزيز أنهم “مفسدون” يقبعون فيها دون محاكمة، مهما كان حجم “الاتهامات” الموجهة إليهم.. والرئيس يعتقد ان هنالك الكثير من “المفسدين” الآخرين ممن لا تسعهم السجون الحالية لذلك تعهد بزيادة السجون لتطهير المجتمع من المنحرفين، لكن يستثنى من ذلك عائلة الرئيس، ليس هنالك انحراف أكثر من إطلاق النار من قبل رئيس من مسدس خاص رصاصه ممنوع دوليا على فتاة.

لا يزال ابن الرئيس صغيرا، وطريا، يردد بعض المتعاطفين الإقطاعيين، لذلك فقد اخطأ ولا يجوز تهويل الأمور والمطالبة بسجنه خاصة انه حديث السن، يتجاهلون أنه متزوج وأب لأسرة، وان سجن القصر في نواكشوط على مرمى حجر من قصر الرئاسة، يعج بمئات من الأطفال الذين لم تبلغ اعمارهم 18 سنة، تحاول منظمات حقوق الانسان تقديم العون لهم داخل زنازين تعمق الإجرام لديهم بدل ان يتم إصلاحهم داخلها، إنهم ابناء موريتانيا ولا يختلفون عن بدر في شيئ، إلا أنهم ليسوا أبناء الرئيس.

لقد تخلى محمد ولد عبد العزيز عن عناده المشهور في ان لا يسمع غير نفسه وسمع في هذه القضية كلام بطانة تعيش على دماء الشعب بعدما نقل مصدر رفيع المستوى انه قرر فعلا ان يطبق العدالة قرر ان تأخذ العدالة مجراها وان “بدر ليس إلا واحدا من أبناء موريتانيا ينطبق عليه القانون”.

يشهر احدهم دفاعه عن ابن الرئيس بانه كان متأسفا على ما حصل وانه نادم فعلا.. وينسى ان 80% من مرتكبي عمليات إطلاق الرصاص في العالم يندمون على القتل ومحاولات القتل لأن أي بشري يشعر بالذنب حين ارتكاب جريمة.

يحاول البعض تفسير الكتابات المناهضة للإفلات من العقاب على أنها شماتة، رغم ان ما يراد هنا هو لفت الانتباه وكشف الحقيقة في قضية استعمل فيها النفوذ والمال والتعسف في استعمال الحق، لكن حتى لو كانت التحليلات الجريئة في هذا الموضوع “شماتة” فهي على الأرجح “مخالفة قانونية” لا توازي في بشاعتها جريمة ابن الرئيس التي تصنف على أساس أنها “جناية قانونية”.

ان رئيسا يسمح بتعذيب الشباب في ساحة بلوكات ويحتجزهم لدى مفوضيات الشرطة ويقمع الطلاب بعنف، فقط لأنهم خرجوا للمطالبة بحقوقهم، ويرفض سجن ابنه رغم انه ضالع في جريمة الشروع في قتل فتاة، لا يمكن ان يكون إصلاحيا مطلقا، فالتاريخ لا يرحم، ولا يمكن لشعب بأكمله ابتلاع مصيبة بهذه الرومانسية.

لو كان الرئيس جديا في شعاراته، لأصبحت السجون خاوية على عروشها، فكل الشعب ابناء الرئيس، ففي المنظور الفانتازي للسياسة فإن الرئيس هو أبو الأمة، إذا كلنا أبناء الرئيس، وبالتالي لن يسجن أحد بعد اليوم لان الرئيس وحرمه سيتدخلون وسيؤثثون لنا مخافر الشرطة ويسوون الموضوع قبليا بالنيابة عنا، ويضغطون على شهود العيان لكي يعترفوا بدلا منا، وفي النهاية يطلقنا وكيل الجمهورية، وليس هنالك اروع من هذا.. !!

لكن الرئيس يقول لنا –من خلال تصرفاته- انه ليس آبا للأمة، انه والد أبنائه فقط.. رحم الله المختار ولد داداه الذي تجاورت صورته وصورة محمد ولد عبد العزيز خلال الحملة الانتخابية الماضية.. ورحم الله عمر ابن عبد العزيز.. لقد أضاع القصر الرئاسي جوهرة دينية فاضلة وفلسفة اجتماعية إسلامية رائعة “.. وأيم الله لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها “.. كان ذلك في عهد الرسول عليه الصلاة والسلام تمردا ثوريا –سبق الربيع العربي بحق وبفترة كبيرة- على فكرة ان قريشا أهمهم شأن المرأة المخزومية التي سرقت وكان الناس إذا سرق فيهم الشريف تركوه وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد.. ونحن نعود مجددا للعصر الجاهلي بامتياز في زمن الجنرالات.. ماذا كان يعني أساتذة جامعة نواكشوط عندما قالوا لنا ذات يوم في كلية الحقوق ان 90% من القانون الجنائي مستوحاة من الشريعة، ولماذا يجب ان يعلن الرئيس الحرب على الفساد اذا كان سيتصرف بهذه الطريقة المخجلة، يبدو ان الفساد يصدر من القصر أكثر مما يصدر من غيره؟!!

قانونيا يجب ان يسجن بدر ولد عبد العزيز، حتى لو سحب أهل الضحية الشكوى، لان هنالك حقا عاما تكون ظروفه مشددة في حال ان ابن الرئيس هو الجاني كما بدا من حيثيات القضية، كان يمكن للرئيس ان يكون اكثر شجاعة واكثر إبداء للحنية وهو “الجنرال العظيم” عندما يستخدم حقه القانوني في العفو كرئيس للدولة ورئيس للقوات المسلحة ورئيس للمجلس الأعلى للقضاء.. كان ذلك ليكون على الاقل قانونيا رغم انه غير أخلاقي، أما في حالة ما حصل فلم يكن قانونيا ولا أخلاقيا ولا محترما.. كان مثل الانقلاب الذي نفذه الرئيس نفسه، جريمة محمية بالقوة، ولا احد يمكن ان يفعل شيئا حياله، الصمت فقط والخوف من هذا العنف الذي لا ينتهي.

الرصاص.. يفهمه الجنرال الحاكم جيدا، انه تلك القطع النارية الصغيرة التي تخترق أجسادنا لتصيبنا بالموت آو الشلل آو الغيبوبة وفقد الذاكرة لوقت طويل.

سياسيا سيدفع الرئيس ثمن الصفقة، شعبيا استاء الناس وتذمر الحقوقيون، دوليا سيزداد فهم الحالة الموريتانية التي بدأها عزيز بالعنف والأرجح ان ابنه سينهيها بعنف مشابه، ارتكب الرئيس جريمة يوم قام بانقلاب، وارتكب ابنه جريمة يوم أطلق رصاصة، ومجدت كل ذلك نخبة من باعة الدم والارواح، ترتزق على هوامش المأساة..

4-8.jpgالرئيس الذي يجلس على ترسانة من السلاح وتحميه قوة الحرس الرئاسي المزعجة لكل الطامحين الى الديمقراطية، يخشى الرصاص ويعرف حقيقته تماما.. فبحسب مقال من ترجمة نور انفو عن A.O.S.A – يحرص الرئيس الموريتاني على ارتداء سترة واقية على الارجح من نوع هذه السترة الواقية الجيدة ضد الأعيرة النارية (الصورة) من نوع LR, 6.35 mm,7mm,9mm,38,357, 22 و44، 5.55 و 7.62 مع الحماية من شظايا القنابل، هذا النوع مصمم خصيصا للحماية البليستية للقفص الصدري، القلب ، الرأتين ،الكبد ، الكلى، ،العمود الفقري.

الكارثة ان “رجاء” لم تكن ترتدي واحدة منها، فبحسب المصادر الطبية فقد أصيب العمود الفقري ومن الصعب ان تمشي ثانية، وهنالك خوف على حياتها.. لو توفرت نفس السترة لرجاء لما حدث ما حدث، لكن السترة من امتيازات الرئيس.. كما ان عدم الخضوع للقانون من امتيازات ابنه بدر.. وليذهب الآخرون الى الجحيم.. يحيى زمن الجاهلية.. عاش الملك.. مات الملك.