أمجادُ “لـمْعَلْمِينْ” المنسية !!

1-11.jpg
  • عندما تزور بلداً ما وترغب في التعرف على حضارته، لا محالة ستزور مَعْلَماً في هذه الدولة يتعارف عليه باسم “المتحف الوطني”.
  • في هذا الصرح يوجد كلما ينطق بلسان حال تاريخ هذا البلد من تضحيات، وإسهامات، وإنجازات، قام بها أبناؤه البررة الذين سخّروا جهودهم في سبيل النهوض.
  • ستجدُ أهل البلد -الذي أنت فيه- يفاخرون بمن جسدوا هذه الإنجازات الشاهدة الخالدة، يُكنّون لهم التقدير والإجلال، لكن المفارقة أن هذا لا ينطبق على بلد الاستثناءات (موريتانيا)؛ فعندما تزور متحفنا -أخي الكريم- ستجدُك محاطاً بكل ما ذكرنا؛ في حين أن “صانعي” هذه الحضارة لا يلقون الاحترام والتقدير المرجوّ من أبناء جلدتهم اعترافا بالجميل، بل ينسون لهم خسيس الأفعال، ويصفونهم بقيح الصفات؛ من كذب، وجبن، وخوار، في حين أن كل هذه خصائص بشرية توجد في أي كان بغض النظر عن من يكون.
  • مَردُّ هذا الوضع يرجع إلى حقبة اللاّدولة؛ إذ كان من الثقافة البدوية السائدة أن لا مكان لمن ليس لهم زمام السلطة (التشريعية والتنفيذية)، بحيث كانت الفئات التي تمتهن مهناً حرفية من أجل العيش الكريم تُستضعف من قبل الفئات المهيمنة على النفوذ؛ سطّر ذلك ابن الأمين الشنقيطي في كتابه “الوسيط” وذكر أنه جاب أقطاراً عديدة شاهد فيها الإجلال والإكبار الذي يحظى به ممتهنو هذه المهنة، في حين أنهم لا يتمتعون بذلك في موريتانيا، ويبدو أن هذه العقلية البدوية لا تزال تلقى صداها في هذا البلد في القرن الواحد والعشرين، في وقت ذابت فيه حتى الفروق الجغرافية بين دول العالم ككل، وساد مصطلح القرية الواحدة.
  • عندما تنظر بعين فاحصة ستجد أنه عندما نذكر أن العالم في زاويته حفظ للأمة هويتها الدينية والأخلاقية، ونستعرض ما قام به أبطال المقاومة من استماتة في دحر المحتل الأجنبي، وننظر إلى وسائل الحياة البدوية الأصيلة التي مكّنت “الخيمة” البدوية من الاستمرارية في الترحال في سعيها الحثيث وراء الكلأ؛ لا بد في كل تلك الحالات من المرور بإنجاز “الصانع” التقليدي، حيث أنه أهدى للعالم في زاويته اللوح والدواة والقلم، ووفّر الدعم للمقاوم من سيف ومدفع وسرج، فضلا عما أمدّ به “الخيمة” الموريتانية بما تحتاجه من أوانٍ تساهم في استمرارية الحياة من قدح، وإناء، و”تاديت”، وإبريق…
  • كل ذلك يجعل من “الصانع” الموريتاني إنساناً مواطناً له بصمته الخاصة؛ حيث خدم بلده على شتّى الصُّعُدْ، غير آبه بما يوصم به من صفات، وما يلصق به من أوصاف.
  • تلكم – لعمري – الأمجاد المنسية لـ”الصانع” التي لم يقم لها ذكر في الحقب الماضية، وآن أن يُنفض عنها غبار الإهمال والتهميش والإغفال والنكران.
  • ومن هنا يجب على الدولة ومؤسساتها، والمفكرين ومجالسهم، والعلماء ومنابرهم، والمجتمع المدني وصالاته؛ السعيُ في تغيير الصورة النمطية السائدة، ورد الاعتبار لـ”الصانع” الموريتاني بالإشادة والتكريم والتنويه، وتخليد أمجاده التي سطّرها ببصمته، والتي كان لها الأثر الأبرز في تكوين الحضارة الموريتانية.
  • 1-11.jpg


    بقلم/ محمد يحيى بن عبد الرحمن

elbouyahya@gmail.com