السياحة الثقافية ودورها في التنمية المستديمة

بمناسبة تخليد المهرجان السنوي للمدن القديمة وللنسخة الثانية منه في ودان

ترتكز فلسفة العقد العالمي للتنمية الثقافية على ضرورة الترابط بين الثقافة و التنمية في كل مشروع إنمائي وبهذه الصيغة تتحول الثقافة من نشاط هامشي إلى نشاط رئيسي وقاسم مشترك بين جميع القطاعات دون استثناء.

ولقد عجلت ضرورة عولمة الاتصالات و الاقتصاد إلى ضرورة التفكير بالسياحة و في بعدها الثقافي باعتبار الثقافة السياحية رافدا من روافد التنمية الشاملة و المستديمة، فلقد أصبحت مقولات العولمة و التحرر الاقتصادي مقولات عالمية لا تعترف بالحدود و لا الحواجز أمام تنقل رأس المال و البضائع ، وإذا كان من البديهي أن تنهار الأيدلوجيات في ظل عولمة اقتصاد السوق و تنامي قيم الفردية المطلقة على حساب الروابط الجماعية فإن الهزة التي يشهدها الفكر الاجتماعي و الانساني تثير تحديات جديدة تدفع إلى إعادة النظر في الكثير من المفاهيم والقيم و الأهداف و مراجعة أسباب العمل التقليدي و لعله في هذا السياق بالذات يندرج محور السياحة الثقافية و تتأكد أهمية العناية بهذا الموضوع كأحد أهم المشاريع الكبرى للتنمية الثقافية ، كذلك كان الإنسان مبدعا و تراثيا معا ،وليست الثقافة مجموعة مكونات ثابتة ، وساكنة جامدة ، منغلقة و مطلقة صالحة لكل زمان و مكان بل هي تعابير وقيم متطورة باستمرار وكل زمن هو مرحلة لا تستدعي نفسها بقدر ما تعيد صياغة القيم الثقافية.
و بالتالي فإن السياحة الثقافية تعتبر أحد الوسائل التي تمكن الشعوب من إبراز مكوناتها الحضارية والتعريف بها و تقديم ثرواتها الثقافية القديمة الأثرية منها أو الحديثة، بما يعمل على تكوين صورة إيجابية عنها ويجعلها محط اهتمام الأمم و الشعوب الأخرى و إعجابهم بها ، وإذا ما انطلقنا بأن السياحة هي تجسيد فعلي للبعد الإنساني والاجتماعي الذي يتمثل في معرفة ثقافات أخرى مختلفة عن ثقافة المجتمع الذي ينتمي إليه السائح في الأصل فإن الانتفاع من الإجازات و أوقات الفراغ للتمتع بالمصادر و المغريات الثقافية الحضارية في منطقة ما من العالم يصبح من الأهداف الأساسية للسياحة الثقافية.

فالسياحة بالمفهوم الحديث تعتبر ظاهرة من ظواهر العصر و الأساس فيها الحاجة المتزايدة إلى الاطلاع الثقافي و الحضاري المقترنين بتذوق المشاهد الطبيعية و الاستمتاع بجمالها و بمقتضى هذا الوضع يتأكد اليوم أن البعد الأساسي للسياحة لا يتمثل في استغلال المشاهد الطبيعية بل يتجاوز ذلك إلى تأكيد الرغبة بالاستفادة الثقافية و الحضارية و هي غايات يجب المراهنة عليها في الإنتاج السياحي.

فالإنسان ميال بطبعه إلى السفر و التنقل بحثا عن الرزق و التثقيف و الراحة أو طلبا للعلم وليس من قبيل الصدفة أن تكون موريتانيا مهد الحضارة الشنقيطية و منشأ العلوم و الفنون مصدر جذب للسياح ومقصدا للزائر و الوافد عليها من جميع أنحاء العالم فبلادنا ولا شك تجمع بين تقليد عريق في الاسفار و المبادلات التجارية و الثقافية المتعاقبة على أرضنا من ناحية وبين تراث غني و ثقافات متنوعة حية ، و من هذا المنطلق تجب المحافظة على تراثنا المحلي و إثراء ثقافتنا المحلية بالعناية بالمعالم الأثرية و المواقع الطبيعية و توظيفها بمحتوى المهرجانات و حماية بعض الحرف التقليدية من الانقراض و الاندثار.

ومن هنا اقترح ما يلي :

1- إبراز و ثراء خصوصية المخزون الثقافي و الحضاري الوطني و تكثيف الحملات للتعريف بهذا المخزون في مختلف الأوساط العالمية و استغلال شبكة الانترنت لهذا الغرض.

2- انجاز جملة من الدراسات حول الانعكاسات السلبية للسياحة الجماعية على المواقع الأثرية و التاريخية.

3- إنشاء مرصد للسياحة الثقافية لتفعيل دور السياحة الثقافية في التنمية الاقتصادية و الاجتماعية للبلد للمحافظة على الثقافة الحضارية و البيئية لمردوديتها على أفراد المجتمع.

سيدي ولد أحمد سالم ولد لمغمبج

إطار في إدارة السياحة