رحيل “المرأة الخالدة”

بسم الله الرحمن الرحيم

أكتب هذه الكلمات ساعات ثلاث بعد رحمة المغفور لها شقيقتي عمارو بنت داهي بمصحة المنار بتونس، بعد صراع “قصير جدا” مع مرض أعيى الأطباء تشخيصه، حيث تؤكد كل الفحوص والكشوف والتحاليل بمصحات تونس ونواكشوط على خفة ما بها رغم التدهور السريع في صحتها العامة، كأنما هي على موعد لن تخلفه مع الصديقين والصالحين، وتضن بنفسها أن تبقى بهذا العالم السفلي حيث يشهد كل من عرفها أو لقيها أو أوتي ذرة من فطنة – و لا أحاشي من الأقوام أحدا- أن قلبها غسل من أدران الكبر والحسد والحقد والبخل وكل رذائل الحياة الدنيا.

تحيي، وذلك اسمها الوظيفي الرسمي – فهي موظفة بقطاع التعليم- كانت الأخت الوحيدة لإخوتها حفظهم الله، وقد كانت مركز القرار الأسري الحكيم، خصوصا إذا تعلق الأمر في المبادرة إلى فعل خير وصدقة على ذي رحم محتاج أو علاجه أو عيادته أو التوسعة عليه….

كانت “لمرة” أو المرأة وذلك أحد الألقاب الكثيرة التي تطلق عليها، ومنها: المحفوظة، تحية، أما، أم البنين والبنات و وحيدة…، كانت طاهرة نقية من أولئك اللواتي جعلهن الله على خلق حسن، لا ترى إلا ضاحكة مستبشرة، ثقل الله ميزان حسناتها بما لقيته عليه من خلق حسن.
كانت “لمرة” أحب العائلة إليّ، وكنا نشكل حلفا داخليا بالعائلة يرجح قراره لأن والدتنا -أطال الله عمرها وعظم أجرها- وإن كانت تدعي عدم الانحياز لكنها في النهاية تفرض بشخصيتها الفولاذية التي تمتاحها من انتمائها إلى بيتي ريادة ورياسة، لأحد أنبل- و كلهم نبلاء فضلاء- بطون قبيلة تجكانت، كانت تميل دائما حيث مالت عمارو، وبذلك استطاع حلفنا – جمعنا الله في جنات الرضوان- أن يمرر قراراته بمجرد همسة من المرحومة في أذن الوالدة.

وأذكر أننا كنا إذا اجتمعنا حول الوالدة عاتبناها مزاحا وتسلية بأننا جميعا لسنا إلا ضيوفا في معشار قلبها، بينما تسكن عمارو تسعة الأعشار الباقية. وكنت في بعض الأحيان أسوق الأدلة والبراهين نثرا ونظما، فلا تزيد الوالدة على القول إن من البيان لسحرا، في إقرار ضمني لما ذهبت إليه.

واليوم وقد انتقلت عمار إلى الرفيق الأعلى مع الصديقين والشهداء والصالحين، فإنني أتضرع إلى المولى عز وجل بكل اسم له سمى به نفسه، أن يلهم أمنا الصبر والسلوان، وأن يوفقني وإخوتي لملء الفراغ الكبير بقلبها الذي خلفه غياب هذه الفقيدة الخالدة، إنه سميع مجيب.
“المحفوظة” كما كانت تناديها الوالدة أحيانا، مثلٌ صامت في الجود والكرم، فرغم دخلها الوظيفي وكفالتها الأسرية وعطايا الإخوة وعائدات عقار تملكه لم تدخر قط أوقية واحدة، توزع بسخاء صامت… منذ شهر علمت بأن أحد أقاربنا يريد اقتناء سيارة، فاتصلت بي لتخبرني بأنها قررت إعطاءه السيارة الوحيدة التي تمتلك، كذلك لما علمت بأن قريبا آخر يحتاج إلى قطعة أرضية يسكنها، علمت لاحقا أنها أعطته صدقة سر القطعة الأرضية الوحيدة التي تمتلكها، جعل الله ذلك في ميزان حسناتها.

ألسنة كل معارف الأخت الفقيدة رطبة بتمتعها بخصال التواضع والرفق والإيثار، فلما جئت من إيطاليا بعد علمي بالتدهور السريع لصحتها، كنت متأكدا من أن الأمر بسيط ومتدارَك لعلمي بملف مرضها، لكن أسرّ إلي بعض الإخوة تلميحا وتصريحا بأن كل المؤشرات تدل على المراحل النهائية للمرض، وبذلك أشار جمهور الأطباء، و أن لا وجاهة لنقلها إلي الخارج إلا أنني وإخوتي قررنا أن نطارد خيط الأمل الأخير، راجين من الله الشفاء ومتضرعين أن يمنحها لنا وقتا ننفق عليها آخر أموالنا حتى نوفيها حق البشاشة الصادقة والنصيحة الأمينة والتضحية البالغة التي ألفناها فيها، حيث كانت لنا ولي خصوصا أختا صغرى وأختا كبرى وصديقة حميمة أطلعها وأستشيرها في سرائر أموري الشخصية، فكانت دائما رغم حداثة سنها لا تشير إلا برأي وسط قوام وسداد.

كتبت هذه الحروف ودموعي منهمرة، وإن كنت لا أقول إلا ما يرضي الرب، كتبتها فقط لأبين لإخوتنا ومعارفنا وأحبائنا وخاصتنا جانبا بسيطا من حياة هذه الأخت التي وافاها الأجل المحتوم ولما تكمل عقدها الثالث، مخلفة تاريخا ناطقا من الفضل والكرم والخلق الحسن…علي أن أفصلها لا حقا لتعميم الفائدة

سميت عمارو باسم رجل صالح ابن آباء لنا صفوة طاهرين بعد رؤيا صالحة بميلادها و أنجبت ولدا اسمه محمد عمره أربع سنوات أرجو الله أن يجعله أمة كما كان إبراهيم عليه السلام أمة و أن يجعله قرة عين لي و لسائر أعمامه و أخواله. وقررت العائلة تخصيص صدقة جارية عن المغفور لها وقفا علي بعض الفقراء من أولي القربي.

لا لم تمت عمارو بل هي حية في جنات عدن مخصصة للطاهرات الطييات العابدات و هي خالدة في أذهاننا بما سطرته من روائع النبل و الصبر و التضحية و الخلق الحسن…

و ختاما أطلب من جميع الأقارب والأصدقاء والمعارف وأهل الخير التوافد بكثرة للصلاة عليها يوم الجمعة الموافق 23 مارس 2012، الساعة التاسعة صباحا بالمسجد العتيق بنواكشوط (جامع ابن عباس(.

المختار ولد داهي