ما هكذا تؤكل الكتف … يا وزارة الصحة !!..ه

عبر التاريخ كان أي عمل يقوم به البشر يتسم بالهدفية أو الغائية… وهو أمر مستمد من الطبيعة التي تتسم بالغائية بشكل واضح في العديد من جوانبها… وقد شكل مذهباً فلسفياً فيما بعد يسمى “الغائية”.

“الغائية ( Teleology ) مذهب فلسفي مثالي يقول بأن لكافة الأشياء أو الظواهر في الطبيعة خاصة البيولوجية غاية تتوخاها و هدفا ً تسعى إليه، و قدراً تسير نحوه ”
الغائية البشرية مرتبطة بالتفكير ولذلك ترتبط بالتخطيط ومحاولة التحكم بالحوادث للوصول إلى الهدف الموضوع مسبقاً.

و التخطيط البشري هو تعامل فكري مع الخيارات المتاحة يسبق التعامل الواقعي معها…. و في العالم الحديث يتسم بالتعامل العلمي و الإحصائي Statistics مع المشروع – الهدف…. ودراسة الجدوى من إنشاء هذا المشروع أو ذاك… وما هي الخيارات الأخرى المتاحة… عكس الاعتباطية في القرارات والتنفيذ…

ويتم تطبيق التخطيط العلمي ودراسة الجدوى على جميع جوانب الحياة .. فمهما كان الأمر بعيدا في اعتقادنا عن التقييم العددي والكمي فأنه يتم إضفاء صفة كمية عليه تتيح قياسه ولو بشكل غير مباشر… وبالتالي إمكانية التخطيط لزيادته أو نقصانه حسب الحاجة أو الهدف (مقاييس معدلات الذكاء كمثال بسيط)… خضوعاً لمقولة غاليليو غاليلي: “قس ما يمكن أن يقاس، واجعل ما لا يمكن قياسه يخضع للقياس”….

الصحة في موريتانيا:

إن المتتبع للسياسة الصحية في بلادنا ليستغرب من كم الأخطاء التي يعاني منها هذا القطاع الهام و الحيوي. والذي مهما بلغ بنا حسن النية، فإن الحس السليم سيبقى لديه العديد من نقاط الاستفهام الاستغرابية التي ستنخر دماغه بحثاً عن إجابات… فبقراءة مبسطة للواقع الصحي والموارد الهائلة والخدمات المقدمة للمواطن، نجد أن الأمر لا يخلو من مؤامرة مافيوزية من القائمين على القطاع الصحي وبعض المتنفعين من بقاء الوضع على ما هو عليه (من أصحاب المشافي الخاصة و التجار وغيرهم.)

أما اتخاذ القرارات الاعتباطية ، دون دراسة أو تخطيط، فحدث ولا حرج، فمثلاً تم مؤخراً شراء سكانيرات بقرارات سياسية بحتة، دون دراسة جدوى من طرف الوزارة كمثال: دون معرفة هل لدينا أخصائي في التشخيص الشعاعي يستطيع قراءة الصور الشعاعية للسكانير؟؟؟…… (السكانير في كيفه حالياً بدون أخصائي أشعة عادية من باب أحـرى أخصائي خبير بالسكانير)….

و تتسم السياسة الصحية المتبعة في البلاد بغياب رؤية للوضع الصحي و السكاني في المناطق المختارة لبناء المنشئات الصحية… وعدم الاعتماد على حقائق على أرض الواقع من إحصاءات ودراسات عن الواقع السكاني والصحي والاكتظاظ في ساعات الذروة وازدحام السير في مناطق الإنشاء ومدى سهولة أو صعوبة الوصول لها…..

إنشاء مراكز صحية جديدة:

“مزلت اتروغ الطيور الطايرين روغ الطيور النازلين”

(للتنويه: البعض يقولها بالقاف بدل الغين) – مثل حساني

تم اتخاذ القرار “السياسي” بإنشاء مراكز صحية جديدة (الامومة والطفولة – السرطان) دون وجودها ضمن سياسة صحية مرسومة مسبقاً معتمدة على التخطيط العلمي – إن وجدت خطة أصلاً –… ويثمن المؤيدون قرار الإنشاء كونه خطوة جيدة في مجال الصحة في البلاد…. لكن هذا لا يعني أن تنفيذه لم يكن قراراً اعتباطياً …. فإنشاء المراكز يجب أن لا يكون في حد ذاته هدفاً… وإنما هو مجرد وسيلة من عدة وسائل لرفع الإنسان في البلد إلى مستوى الكرامة البشرية… وجعله يتمتع بالمستوى الصحي اللائق به كبشر…

والأسئلة التي يجب طرحها :

هل نحن حقاً بحاجة لمستشفى جديد في نواكشوط ؟؟؟؟ والجواب نعم … لكن السؤال : أين و كيف؟؟؟
ثم هل مشافينا ومنشآتنا الصحية القائمة وصلت للمستوى المطلوب من الخدمات الطبية للمواطن..؟ وهل اكتملت قدرتها الاستيعابية فلم تعد قادرة على استقبال المزيد من المرضى ؟؟؟

لماذا لا يتم التفكير في تحسين الخدمات المقدمة في المشافي والمراكز والمستوصفات الموجودة، وزيادة القدرة الاستيعابية لها، بدلاً من البدء من الصفر في إنشاء مراكز جديدة؟؟؟؟

ماذا عن تأهيل العاملين في القطاع الصحي وزيادة الكوادر البشرية المؤهلة؟؟؟؟

مركز الأمومة والطفولة : من قصر إلى مشفى !!!!!

“النوايا الطيبة وحدها …… لا تكفي”

أما بعد قرار إنشاء مركز الأمومة والطفولة فقد تتالت الأخطاء بشكل كارثي .. نامّة من سوء التخطيط بل انعدامه التام… بدءا من اختيار قصر الضيافة أو سكن الوزير الاول ليكون مقراً للمركز …. فهو منشأة لا يتوفر فيها الحد الأدنى من المواصفات المطلوبة للمشافي حسب شروط منظمة الصحة العالمية والهيئات المختصة….

و للعلم فقط فبناء المنشئات الصحية أصبح فرع مستقلاً من فروع الهندسة المعمارية… يراعى فيه العديد من الشروط التي منها على سبيل المثال لا الحصر:المكان ونوعية التربة و الرطوبة واتجاه الريح السائد في المنطقة والجوار البيئي (مصانع – تلوث…الخ) وكمية أشعة الشمس الواصلة لداخل المشفى والمحيط (الأخضر) الشجري قربه … عداك عن تصميم المنشأة واتجاهها (جنوب – شمال ، شرق – غرب) وارتفاع أسقف الغرف وعدد الأبواب والنوافذ في كل غرفة، ووجود الصرف الصحي والمغاسل (لافابو) بنسبة وتوزع معينين بين الغرف… ثم مساحة الممرات بين الغرف بناء على عدد الزوار المتوقع يومياً وخاصة في ساعات الذروة (الزحام) وغير ذلك مما يدركه المتخصصون…

أما الموقع على الخارطة فيظهر مدى غياب الدراسات من جميع النواحي….. فقد تم وضعه في منطقة لكصر… وهي الأقل سكاناً… والأبعد من المناطق الأكثر فقراً والأكثر احتياجاً للمركز وخدماته…. بل كأنه أنشئ للأغنياء في تفرغ زينة ولكصر… فهم الأقرب مسافة وطريقهم إليه أقل زحاماً….

إن المركز في هذا الموقع بعيد كل البعد عن مناطق الفقر أو ما يمكن تسميته “حدوة الفقر” التي تبدأ من السبخة والميناء مرورا بالرياض وعرفات ونتك وملح وأطراف بوحديدة وتجنين ثم تنسويلم ودار النعيم والحي الساكن ودار البركة…. حدوة تدوسها حوافر الأغنياء كل حين…

“فَكِّر أحيانا في المعاناة التي لا تود أن تراها”
ألبرت شفايتزر

وسأضرب مثالين :

– إذا أصيبت إحدى النساء الحوامل بنزيف…. في منطقة من نواحي الفقر المدقع…. في بيكات أو عرفات أو حتى الميناء… فإنها ستقضي في الطريق إلى “سانتر مير – آنفانه” في لكصر ما يزيد على ساعة إذا خلت الطريق كما في ساعات الفجر – إن وجدت سيارة لنقلها- … وما يزيد عن ساعة أضعافاً إذا تم نقلها في ساعات الذروة والزحام –وما أطولها- قبل وبعد كارفور مدريد…

ستموت في الطريق حتماً…. خاصة أن الدم الذي سينقل لها بعد وصولها للمركز سيتم احضاره من مركز الدم في مشفى (طب) صباح.. غرب المشفى الوطني …إن توفر…. وتلك رحلة أخرى ومشكلة أخرى أكثر تعقيداً….

ونفس المشكلة (التأخر في الوصول في الوقت المناسب) بالنسبة لطفل يعاني مثلاً من أزمة ربو (الظيك – تززميت ) من مناطق “حدوة الفقر” تلك…..

اختيار الموقع: كيف؟

لقد كان من اللازم أولاً إجراء دراسة ( من المفترض أن تكون جاهزة أصلاً) للمناطق الأكثر احتياجاً لخدمات هذا المركز بناء على إحصائيات لعدد المرضى من كل منطقة ونسبة المراضة Morbidité لكل من النساء والأطفال ونسبة الوفيات Mortalité الوالدية ووفيات الأطفال… ومستوى دخل الاسر في كل منطقة … والتعداد السكاني فيها…. وشبكة الطرق في المنطقة…. الخ

ثم بناء على هذه المؤشرات، ومؤشرات أخرى، يتم تحديد واختيار المكان المناسب لبناء المركز…. و حسب رأيي فإنه في كل الأحوال يجب أن يكون في المناطق الواقعة جنوب خط بوليكلينيك – كارفور مدريد…. على خط طريق روصو…. لكونه الأقرب لمناطق الفقر وللكثرة السكانية الجنوبية في نواكشوط …. على أن ينشط مشفى الشيخ زايد لتغطية المناطق الشرقية … ليبقى للمشفى الوطني بقية المناطق (الشمالية والغربية)

أما التمويل فلم يكن ليعوز الدولة فقد كان من الممكن إيقاف بناء مقر الوزارة الأولى (قرب الجامع العتيق) – “هل من أولوية لبنائه أصلاً؟” – وتحويل التمويل لبناء المشفى – المركز في فترة وجيزة (والصينيون لهم خبرة في البناء السريع والجيد والأرخص تكلفة أيضاً)…. ولينتقل الوزير الاول مؤقتاً إلى قصره لكن – هذه المرة – كمكاتب لوزارته الأولى….

لكن غياب التخطيط والدراسات …و “النوم في العسل” في وزارة الصحة …. واتخاذ القرارات بكل اعتباط … كان السبب لما نحن فيه الآن.. وسيؤدي في النهاية لنتيجة حتمية – نحن قريبون منها حسب تقارير المنظمات الدولية – ألا وهي: الانهيار التام للنظام الصحي في البلاد..( إن جملة “نظام” صحي تنطبق على ما عندنا… لكن على مبدإ إطلاق وصف على الحالة بكلمة تدل على عكسها كما في : البصير تطلق على الأعمى…)

العيادات المجمعة: أنموذج آخر

منذ أيام وخلال زيارته للعيادات المجمعة، صرح وزير الصحة بأن لدى الوزارة نية لتحويل العيادات المجمعة إلى مركز للحالات المستعجلة…

مما يثير العديد من التساؤلات :

كيف يتم فتح مركز للحالات المستعجلة في مركز لأربعة أسواق؟؟!!! وفي منطقة من أكثر المناطق في نواكشوط ازدحاماً من الفجر حتى الساعة الحادية عشرة ليلاً..!!!!

ألم تتذكر سيادة معالي الوزير: كيف وصلتم للعيادات المجمعة وكيف خرجتم من المنطقة ؟؟؟!!!

هل سيكون هذا المركز خاصاً بالحالات المستعجلة فقط ؟؟؟
(معالي وزارة الصحة … : حالات مستعجلة معزولة ليست ضمن مستشفى!!!!! ستكون بدعة في العالم لم يسمع بها قط إلا عندنا…).

أم أنه ستكون في المركز غرف للعمليات و ستفتح فيه أقسام (جراحة – أطفال – قلبية…الخ.) …
فإن كان الجواب :نعم….. فهو إذن مستشفى جديد..!!!!

فيصبح السؤال :

كيف يتم فتحه في منطقة قريبة من مركز الاستطباب الوطني (المسافة أقل من كيلو متر واحد) ؟؟؟؟

لماذا لا يتم فتح هذا المركز في مكان آخر من مناطق “الحدوة ” الفقرية أو قريباً منها؟؟؟

ثم ماذا ستفعل الوزارة من أجل مئات المراجعين يومياً للعيادات المجمعة؟؟؟

إلى أين سيذهبون لتلقي العلاج والاستشارة الطبية؟؟؟؟

هل لدى الوزارة خطة مناسبة لهؤلاء؟؟؟؟

أم إنها اعتباطية القرارات …. مرة أخرى…

ونذكركم يا وزارة الصحة…. لعل الذكرى تنفع:

قبل اتخاذ القرارات فكـروا في مكمن الشيطان …. فهي الأهم….. ولمن لا يعلم إن المكمن في “التفاصيل”