“اعتصام الرحيل”.. 2 مايو

إنه خطوة لم تحصل في موريتانيا منذ الاستقلال، وهو مهم عند ثلاث فئات من الموريتانيين: السياسيون المعارضون والشباب الذين يسعون لإسقاط النظام وإنهاء تسلط الجيش على الحكم (وهم الغالبية) بما في ذلك أصحاب المظالم- العزاب الذين يبحثون عن فتيات جميلات – الفقراء الذين يريدون وجبات منتظمة.. طبعا المطلقات والجواسيس.. فهل تحقق المعارضة مطالب الشعب.. بعد أن رفضها عزيز؟

إنني أتحدث كمواطن عادي سمع باعتصام للمعارضة، والتقى بعض الناس الذين يتحدثون عنه بانبهار وخوف في نفس الوقت.. في الشارع.. في التاكسي.. وفي قهوة تونس.

لقد سمعت كغيري في المظاهرة الأخيرة التي نظمها شباب المعارضة ونساؤها إن المعارضة ستنظم اعتصاما يوم 2 مايو، والحقيقة إنني سمعت بذلك قبل المسيرة، لكنني تأكدت منه –بشكل رسمي- في ذلك المساء الذي أثبتت فيه المنسقية نواياها حول “فرض إسقاط النظام”.. في ذلك المساء قالوها بصراحة.

وبعدما ما ضربت أخماسا بأسداس وفكرت مليا، وجدت إن الموضوع مثير للاهتمام فعلا، بالنسبة لثلاث فئات أساسية من الشعب.

فبالنسبة للشباب المعارضين وبالنسبة أيضا لمن هم متقدمون في السن وما بينهما، فإن الفكرة الجوهرية التي أطلقت على الفيسبوك يناير 2011 للمطالبة باسقاط النظام لم تكن فكرة متهورة، إنها اليوم مطلب الآلاف، أتذكر شاعرا مشهورا (يحب عزيز كثيرا !!) اتصل بي في فبراير 2011 ليقول: “هل تريدون إسقاط عزيز..؟ أسقطوه أن استطعتم.. من يستطيع ان يقوم بثورة فاليقم بها”..

كان ذلك نقطة سقوط لم أكن أتمناها لصديقي.. ربما انه لدي مشكلة في فهم وقوف الشعراء ضد الثورة والتغيير..!

لكنني أجبته بصدق: “ليست القضية ان كنا نستطيع أم لا.. الفكرة ان نقول ما نراه وان نسعى إليه بصدق وبوطنية، وان نحترم في ذات الوقت للآخرين أن يتمسكوا بقناعاتهم السياسية، وان يكون لدينا الجرأة لنفتح أفواهنا خارج عيادة طبيب الأسنان، في وقت يحاول الجميع ان يدفن رأسه في الرمال.

ان الاعتصام بالنسبة لهؤلاء الناس الذين سبق وصفهم، سيكون تتويجا لكل تلك الصرخات التي انطلقت في الشوارع وقمعت بالبلطجية والأمن.. وجهود الشباب الذين تم تعذيبهم في ساحة بلوكات على رؤوس الأشهاد.. وطموحات من قادوا حراك 25 فبراير الذي فكك بالترغيب والترهيب.. وتجسيدا لأفكار 25 فبراير المجيدة، التي ظلت ترتفع بسلمية تثير الاحترام.
إن هذه الفئة وغيرها من الداعين لرحيل العسكر وإنهاء فترة حكم عزيز سواء في الداخل أو الخارج، يجدون عصرهم الذهبي في الإعتصام، إنهم بذلك يبدؤون إعلان الثورة، الذي لا اعتقد أن أي قوة في البلاد تستطيع أن توقفه، اعتقد أكثر من ذلك انه بات مطلبا شعبيا، وخرج من أروقة مواقع التفاعل الاجتماعي وصدور أصحابه، لأنه نبض الشارع وروح الشعب، على الأقل وفق المعطيات الحالية التي يرجح أن تستمر في ظل تمسك النظام بموقفه المعادي للديمقراطية والاعتراف بالحقيقة.

الفئة الثانية التي تهتم بالاعتصام هي العزاب الذين يبحثون عن فتيات جميلات، طبعا في مثل هذه الحالات علينا أن نفكر في أي نوع من النساء هذا الذي يمكن لقاؤه في الاعتصامات السياسية، و”الخروج معه عن النص”.

لقد اهتمت الصحافة في العالم كثيرا بالعلاقات العاطفية في اعتصامات الربيع العربي، وفي موريتانيا فانه يمكن تقديم قراءة بسيطة للحالة العامة عبر نبذة عن النساء اللواتي يفترض ان يحضرن الاعتصام.

1- (الاخوات) او نساء الاخوان المسلمين (يتوقع حضورهن بقوة) والنساء السلفيات (يعتقد عدم حضورهن)، وهذا النوع من النساء يفصل تماما بين تلبية نداء الاعتصام، والاختلاط بالأجانب، ويقوم بدوره السياسي دون الاختلاط بالرجال، وعادة تكون هنالك لجان من الشباب لحماية النساء والفتيات، والحفاظ على الاخلاق العامة وطرد من يمسون بشعور المجتمع و”مظاهر الدين والأخلاق الحميدة”.

2- اليساريات وقضيتهن أصلا أنهن يعتبرن الفصل بين الرجال والنساء في الاماكن العامة تمييزا وعنصرية وفرضا للتزمت، لكنهن رغم ذلك لسن مكبوتات ليبحثن عن الرجال في اعتصام يطالب برحيل جنرال عسكري مغتصب للسلطة، بل هن مشغولات بالقضية السياسية،
وأغلبهن مثقفات وواعيات ولديهن من الشخصية الاجتماعية ما يمكنهن من الفصل بين البحث عن الرجال والبحث عن مصلحة الوطن، تماما كما يفصلن بين الدين والسياسة.

3- المنحرفات وقد لوحظ فعلا من خلال متابعة الحركات الاحتجاجية في نواكشوط أنهن يحضرن بقوة للاعتصامات والتجمعات ذات الطابع السياسي بحثا عن “المواعدة” وفي نفس الخانة بعض السيدات ضحايا العنوسة اللواتي يحضرن للمهرجانات السياسية بدوافع اجتماعية في الأساس، وقد ظهرت إحداهن في مسيرة المعارضة 12 مارس الماضي لتقول أمام كاميرا احد الصحفيين: “ارحل.. ارحل.. نريد أن نتزوج” (لا يمكن تجاهل الأزمات الفردية عندما نتحدث عن أزمات البلد).

الفئة الثالثة التي تهتم بالاعتصام هم الفقراء فقرا مدقعا، وهم الذين يريدون وجبات منتظمة ومجموعة من الناس يتناولون معها كأس شاي، ومكانا يبيتون فيه، وهؤلاء يحضرون بكثرة اعتمادا على ملاحظات سجلت خلال الإعتصامات الجانبية التي نظمها شباب 25 فبراير وبعض المنظمات العمالية، وهم يحددون ميولهم السياسية بحسب ما يمنح لهم من طعام، لأنهم مؤمنون أن “الإنسان ينتج رأيا سياسيا بعد أن يشبع الحاجات الأولية” تماما كما يحدث في الفلسفة، لذلك فإذا وزع النظام سمكا وتمرا فبها ونعم.. واذا وزعت المعارضة طعاما فذلك طيب أيضا..(هؤلاء قوة شعبية لا يمكن تجاهلها، لأنها عمق المشكل الموريتاني، فقراء في بلد غني).

لكنني أحس أنني يجب ان أتقاسم مع من تقدم ذكرهم إضافة الى الجواسيس المطلقات اللواتي قد يعتقدن أن في حضور الاعتصام فرصة للقاء فارس الأحلام خبرا قرأته في المحيط ولم أجد معلومة توضيحية حوله من السياسيين الذين قابلتهم في الأيام الماضية وهو ان مصدرا مطلعا اكد أن زعماء منسقية المعارضة الموريتانية قرروا في اجتماعهم الثلاثاء, 24 أبريل تأجيل ما بات يعرف ب”اعتصام النصر”، أو “اعتصام الرحيل”، الذي كان مقررا يوم الثاني من مايو الجاري، وبدلا من ذلك قرروا طلب الترخيص لمسيرة ومهرجان.

لكن المصدر لم يستبعد أن يتحول المهرجان المذكور إلى اعتصام دائم للمطالبة برحيل النظام في حالة كانت الظروف مهيأة لذلك.

الربيع ولد ادوم

اقرأ المقال في المصدر على الرابط : المحيط