الحارق المحترق

هنالك شيء ما يدبر في الخفاء بعقلية أمنية ساذجة ومغفلة في موريتانيا هذه الفترة..
هنالك سيناريوهات تُحاك وجبهات تفتح .. هنالك خطط قذرة لأهداف خاصة وقصيرة الأمد!
إن تهديد وحدة البلد، وضرب بعض طبقاته ببعض من أجل الاحتفاظ بالسطلة لسواد عيون فرد (مجرد فرد) أمر خطير وغريب.. والأغرب هو استغلال مجموعات عريضة مختلفة المستويات والوعي، بسذاجة أو تساذج في سلوكيات وتصرفات ـ إن لم تكن مؤامرات ـ واضحة الضرر بينة التهديد للوحدة الوطنية والنسيج الاجتماعي والاستقرار في البلد!


إن المتتبع لمسارات تلك التموجات ذات الارتداد السلبي ضد انسجام المجتمع ووحدته يدرك، من خلال المنحيات التي تسلكها والمسارات التي تتخذها، عدم التورع عن أي محظور أو أي مغامرة من أجل الاحتفاظ بالسلطة وشغل الناس بأزمات داخلية وبينية ـ حتى ولو أدت إلى الدمار والخراب ـ لصرف أنظارهم عن الوقوف ضد النظام (الفرد) أو العمل على إسقاطه ولو بطرق سلمية ومسؤولة. ولعل في كلمة الرئيس عزيز (الجنرال المقال) عن سبب انقلابه تأصيلا لنظرته لهامشية وحدة البلد واستقراره مقابل احتفاظه بالسلطة، وتأصيلا كذلك لنهج بعض من يحيكون سياساته الأمنية، ومن يدورون في فلكهم من بائعي الكلمة حتى ولو هزلت وقل ثمنها!

لقد قال عزيز في عز صفائه ونشوته بالنصر أسبوع انقلابه الأول أن ما قام به “ليس انقلابا وإنما ردة فعل” وأردف: ” لقد قلت لسيدي أن يرجع عن قراره (بالإقالة) أو سيسيل الدم”!! كان ذلك في مقابلته مع محمد كريشان، يمكن الرجوع إليها..

لحظة من فضلكم لتبسيط ما قال الرجل، رغم بساطته بل سطحيته وخطورته.

إن أي ردة فعل مهما كانت خطورتها على الوطن وعلى مؤسساته واستقراره مقبولة بالنسبة للرجل .. انقلاب، حصار، هزة سياسية كادت تؤدي بالبلد إلى الانحدار إلى العنف، وتشويه صورة البلد خارجيا، وتردي وضعه الاقتصادي.. الخ كل ذلك بسبب إقالة ضابط من الخدمة بعد تجاوز صلاحياته واعتباره نفسه فوق القانون وفوق الجميع (كم من الضباط الأكفاء الميدانيين أقيلوا بدون سبب ولم يحركوا ساكنا! وأقرب مثال هو قائد الأركان السابق عبد الرحمن ولد ببكر).

أما الشق الثاني والأخطر، وهو ما يؤصل به “العزيزيون” اليوم إحراق موريتانيا فهو قول عزيز “لقد قلت لسيدي أن يرجع عن قراره أو سيسيل الدم”. إنه بالأحمر العريض يعني استسهال إراقة الدم والاقتتال بسبب لا يتجاوز إقالة فرد موظف لم يقم بواجبه (حراسة الرئيس) بل ناقضه إلى تهديد الرئيس ثم عزله وسجنه!

هل من الحكمة والعقل أن نتوقع ممن يقول هذه الكلام ويفعل هذا الفعل من أجل منصب قائد الحرس أن يتورع عن أي فعل آخر أو أي كلام من أجل أهم منصب في الدولة (مقعد الرئاسة)؟

هكذا نظـًر عزيز لمريديه وتلامذته وهكذا يتصرفون اليوم بنفس المنطق، يتلاعبون بوحدة البلد ويهددون استقراره من أجل بقاء عزيز في السلطة لا أكثر:

ـ لقد بدأ هؤلاء بالزنوج وشنوا عليهم حملات هوجاء وشرسة (ارجعوا إلى مقالاتهم وبياناتهم وتصريحاتهم حول لا تلمس جنسيتي) بسبب أن بعض المواطنين طالبوا بحقهم في الحصول على أوراق مدنية، وبعدم اتباع معايير من شأنها أن تقصي البعض بطرق غير قانونية ولا أخلاقية ولا نزيهة.

ـ ثم ثنوا بالطرح الجهوي المقيت، وبالشحن والعزف على وتيرته، فرأينا لأول مرة مقالات تشن هجوما جهويا على مناطق مختلفة لتختم بمدح عزيز، وذلك إمعانا في الجاهزية لضرب أي محصن أو محظور من أجل حماية المقعد الرئاسي حصريا لعزيز (لو دامت لغيره ما وصلته).

ـ وثلثوا بإحياء تجزئة المجزء بدعاوى قبيلة وقروية و”مجموعاتية” ترحيبا بالرئيس وتفاني في الولاء الزائف (لأنه سبق منهم وبشكل أكثر عمقا وأطول أمدا لغيره وسيتحول مع أي قادم).

ـ وربعوا بملف العبودية حيث يخوضون حملات عنصرية شرسة هذه الأيام ويحرضون أبناء الشعب الواحد والوطن الواحد والدين الواحد ضد بعضهم البعض، مستغلين حادثا فرديا لم يجلب لهم أي موقف جديد من العبودية ولا من الأرقاء إذ أن تاريخ أغلب هؤلاء هو الدفاع عن الطبقية والعنصرية، وعدم نصرة المظلومين. وليمدونا من ارشيفهم بالعكس إن كانوا صادقين!

بل إنهم اليوم يستغلون الدين والأئمة والفقهاء، وكتب المالكية والعقيدة الأشعرية والطريقة الجنيدية … للتجييش وإثارة الفتنة. ومن شاء فليستمع لمداخلات مستمعي إذاعة القرآن، حيث يدافعون عن العبودية (أقصد في موريتانيا بشكلها الحالي) بكل فجاجة غير متورعين عن التكفير والسب والشتم عبر الأثير.

أما البيانات الخشبية والمظاهرات المفتعلة والمدعومة من طرف القصر تمويلا وتنظيما، فقد تجاوزت الحدث لتطال جهات أوسع وأشمل.

وآخر استغلالهم للدين والعرق والطبقية استقبال عزيز نفسه لأئمة من شريحة معينة، في سابقة من نوعها للتجنيد وقد أتى ذلك بنتيجة عكسية (قام عزيز أيضا قبل حرق الكتب باستقبال منشق عن إيرا وتشجيعه، كما يقوم مدير ديوانه باستقبال المنشقين أو “المتشاققين” عن النقابات الطلابية التي لا تدور في فلك القصر. الاستقبالات إذن ليست نصرة للمالكية ولا للدين بل خدمة فقط للكرسي).

إن خطورة ما يقوم به نظام عزيز اليوم والمحيطون به تكمن في تجاوزه إحراق الحارق نفسه إلى تهديد الوطن كله بالاحتراق. إن العزف على وتر بهذه الحساسية لهدف بهذه البساطة والثانوية عمل ينم عن عدم مسؤولية وعدم بصيرة.

إن من هدد بإراقة الدماء بسبب وظيفة عادية لن يتورع عن تفكيك وطن بسبب مقعد الرئاسة، فهل يهب العقلاء لحماية موريتانيا ووحدتها قبل فوات الأوان؟