جحيم خمس نجوم!

بسم الله الرحمن الرحيم

لم يحدث أن اتسعت الفجوة بين حجم الوعود وضآلة الانجازات كما اتسعت في أيامنا هذه التي أعقبت تنصيب “رئيس الفقراء” والذي قد يتحول إلى “صانع للفقراء” إذا لم يغير من طريقة تعامله مع هموم أولئك الفقراء الذين انتخبوه بحماس شديد، والذين أصبحوا وبعد أيام معدودة من تنصيبه يتحدثون عنه بفتور شديد، قد يتحول إلى جفاء شديد، إذا ما ظلت بوصلة “التغيير البناء” تسير في نفس الاتجاه المعاكس لأحلامهم وأمانيهم.

صحيح أن وعود رؤساء هذا البلد ـ رئيسا بعد رئيس ـ كانت كثيرة ، وصحيح أن إنجازاتهم كانت قليلة أو معدومة ، لكنه صحيح أيضا أن “رئيس الفقراء” حطم الرقم القياسي في حجم الوعود ، فهو لم يعد الفقراء بجنة واحدة وإنما وعدهم بجنان كثيرة ، في الوقت الذي لم يخيب رجاءهم في مجال واحد وإنما خيب رجاءهم في مجالات عدة، وجعلهم يعيشون في جحيم من خمس نجوم لم يعرفوه من قبل ونسأل الله أن لا يعرفوه من بعد.

نجمة للظلام الدامس، ونجمة ثانية للمستنقعات الراكدة في شرق البلاد وفي غربها وحتى في قلب عاصمتها، ونجمة ثالثة للأوساخ التي تراكمت بشكل مخيف رغم تراجع مستوى الاستهلاك، ونجمة رابعة للعطش الذي لم تسلم منه حتى المدن الغارقة ، ونجمة خامسة للكساد الذي أصاب أصحاب المهن الصغيرة بسبب انقطاع الكهرباء ، فقد كان رمضان في السابق بشارة خير دنيوية وأخروية ، فهو يمثل موسما للأرباح بالنسبة للعديد من أصحاب الحرف الصغيرة، فمهنة الحلاقة مثلا تحقق دخلا في هذا الشهر خاصة في أيامه الأواخر يعادل دخلها في عدة أشهر أخري ، أما في أول رمضان من أول سنة من سنين “موريتانيا الجديدة ” فقد حدث العكس تماما ، وأصبح من تعود أن يحلق رأسه في هذا الشهر تبركا، يحجم عن حلقه هذا العام حتى ولو كان شعر رأسه كثا طويلا ، مخافة أن ينقطع التيار قبل أن تكتمل الحلاقة.

فهل تلك النجوم هي بشائر لموريتانيا جديدة ؟ وهل أن “التغيير البناء” سيكون أسوأ من “التغيير في ظل الاستقرار” ومن “قوة التغيير” ومن “التغيير المؤتمن”؟

حقيقة هناك إشارات كثيرة لا تبشر بخير، ومن تلك الإشارات يمكن لنا أن نذكر:

1ـ في مجال الكهرباء : لقد عرفت الكهرباء أزمة لم تعرفها من قبل ، لا من حيث طول المدة، ولا من حيث عدد المتضررين، ولا من حيث حجم الخسائر ، ولا من حيث حساسية التوقيت.

لقد تعود أصحاب الدخول المتوسطة على شراء ما يحتاجونه من لحوم وخضروات في بداية الشهر الكريم ، وهو ما نتج عنه خسارة الكثير من المواد الغذائية في هذا الشهر لدرجة أصبحت فيها الرائحة العفنة للمواد الغذائية الفاسدة المرمية على الشارع ، هي العلامة المميزة لكل من يملك في بيته ثلاجة ، ونفس الشيء حدث لأصحاب المحلات التجارية الصغيرة ، أما أصحاب المحلات الكبرى من بقالات وعيادات وصيدليات ومطاعم ومحطات بنزين فقد اضطر أصحابها لشراء مولدات كهربائية بأسعار مرتفعة، وهو ما سيتسبب في زيادة مستوى الأسعار التي بلغت حدودا لا تطاق.

وعلى هامش أزمة الكهرباء هذه لا بد من تسجيل الملاحظات التالية :

ـ لقد تمت ترقية المدير الذي أوصل شركة الكهرباء لهذه الوضعية المزرية بأن تم تعيينه مديرا عاما لأكبر شركة وطنية (اسنيم )، وهنا قد يقول قائل بأن ما حدث كان قدرا مقدورا وأن المدير بريء من تلك الأزمة كبراءة الذئب من دم يوسف.

ولمن يقول ذلك، أقول بأنه ما كان يجب أن يتم تعيين المدير الذي عرفت في عهده شركة الكهرباء كل تلك الأزمات مديرا لسنيم، حتى ولو افترضنا جدلا أنه كان بريئا.

والحقيقة أنه لم يكن بريئا لأنه أفسد ما حققه سلفه من إنجازات والذي كاد أن ينقذ الشركة عندما عين مديرا لها بعد سلسلة من الإنقطاعات المشابهة التي تزامنت مع تنصيب “الرئيس المؤتمن”.

لم يعين المدير الأسبق خلال عام كامل من إدارته لتلك الشركة ،إلا موظفا واحدا، أقول موظفا واحدا ، وهو مهندس اقترحته الإدارة الفنية ، وتلك كانت سابقة في تاريخ هذه الشركة التي تشغل ما يقترب من ألف عامل مؤقت ، وهي حصيلة اكتتابات غير مسؤولة كان الهدف منها هو تشغيل الأهل والأقارب ، وهو الشيء الذي لم يسلم منه المدير الذي تمت مكافأته بتعيينه مديرا لسنيم.

أيضا لقد استطاع المدير الأسبق أن يحد ـ ولو قليلا ـ من سوء التسيير الذي أوصل الشركة إلى هذه الوضعية المزرية التي تتخبط فيها ، ولقد رفض ذلك المدير في سابقة أخرى من نوعها ، أن يوقع عقد إيجار لسيارة كانت ستنقل بعض الفنيين لإصلاح عطب في مولد للشركة في إحدى المدن الشرقية ، يومها جمع المدير الأسبق كل سيارات الشركة واختار واحدة منها للقيام بتلك المهمة وأعلن في ذلك اليوم بأنه لن يؤجر سيارة من عند أي وكالة لأن الشركة تمتلك من السيارات ما يكفي.

أما في عهد المدير السابق فقد حدثت تجاوزات تسييرية فادحة كلفت الشركة أموالا ضخمة كانت في أمس الحاجة إليها.

تلك حقائق أسوقها الآن بعد أن وصلت الشركة لما وصلت إليه ، وهي حقائق كنت قد كتبتها سابقا لرئيس المجلس الأعلى للدولة والذي طالبته بأن يحتفظ بالمدير الأسبق حتى تتجاوز الشركة مرحلة الخطر، لأنه لم يكن من اللائق أن نقيم الدنيا ولا نقعدها بسبب إفلاس شركة الخطوط الجوية الموريتانية التي لا تمتلك فيها الدولة إلا نسبة قليلة ، والتي هي أقل أهمية من شركة الكهرباء، في الوقت الذي نترك فيه شركة الكهرباء تواجه نفس المصير.

2ـ في مجال السيول : وهنا أقول وباختصار شديد بأن التعامل مع الأزمات بصفة عامة ومع الكوارث الطبيعية بصفة خاصة يتطلب في لحظات الذهول الأولى التواجد الميداني لأعلى سلطة في البلاد ، وذلك لكي يشعر المتضرر بأنه ليس وحيدا حتى ولو كان ذلك الحضور مقتصرا على الدعم المعنوي ، وهنا يمكن القول بأن “رئيس الفقراء ” قد ارتكب خطأ كبيرا، لأنه لم يزر المتضررين لا في الحي الساكن (حي الإلهام ) ولا في روصو، بل واصل الأسفار الخارجية ، والتي كان ينتقد بها سلفه الذي ـ رغم كثرة أسفاره الخارجية ـ لم يبخل على أهل الطينطان بزيارة ميدانية بعد حدوث الكارثة رغم أنه بخل عليهم بأشياء كثيرة وكثيرة جدا بعد ذلك.

أما المرحلة الثانية من التعامل مع الكوارث فهي تستدعي تقديم مساعدات عاجلة (سكن ، غذاء ، دواء … ) وقد فشل الرئيس السابق فشلا ذريعا في هذا الجانب ، وهو فشل يبدو أنه سيكون كذلك من حظ “رئيس الفقراء” الذي لم تقدم حكومته للمتضررين حتى الآن إلا كميات كبيرة من الخطابات المحملة بأطنان من الوعود التي لا تختلف عن وعود الحملات الانتخابية.

أما المرحلة الثالثة من التعامل مع الكوارث فإنه من السذاجة أن نتحدث عنها في هذا المقام.

3ـ من الإشارات التي لا تبشر بخير يمكن لنا أن نذكر كذلك ما تم من تعيينات وإقالات بعد التنصيب ، فالمتتبع لتلك التعيينات والإقالات يمكن له أن يستنتج ـ دون مشقة تذكرـ بأن الكفاءة هي الغائب الأكبر ، فالذين تمت إقالتهم لم يكونوا هم أسوأ الموظفين ، والذين تم تعيينهم لم يكونوا هم الأكفأ ، ولقد تم استبدال بعض الموظفين بموظفين أقل كفاءة وأقل خبرة وأقل استقامة مما يعني بأن التعيين في ظل “التغيير البناء” قد لا يختلف عن التعيين في عهد “التغيير في ظل الاستقرار” .

4 ـ التعامل السلبي مع الشرائح الأكثر فقرا ، وهو ما ظهر من خلال منع الوقفة السلمية التي كانت ستنظمها احدي جمعيات حماية المستهلك للتضامن مع المتضررين من أزمة الكهرباء ، وهو ما ظهر كذلك ، من خلال محاولة إفشال اعتصامات المتسولين من خلال تقديم مبالغ مالية زهيدة لبعض المشاركين من أجل إيقاف الاعتصام.

ورغم أن الوقت لم يزل مبكرا على الحكم على “رئيس الفقراء “، إلا أنه مع ذلك كان لابد من تقديم تلك الإشارات ، والتي نتمنى أن تختفي بشكل عاجل، وذلك حتى نستطيع أن نصدق بأن “رئيس الفقراء ” لم يكن يسعى للرئاسة من أجل إشباع رغبة شخصية جامحة، وإنما كان يسعى لها من أجل إحداث “تغيير بناء” يختلف ـ في الجوهر ـ عن “التغيير في ظل الاستقرار” وعن “قوة التغيير” وعن “التغيير المؤتمن “.

تصبحون على تغيير بناء حقيقي.

محمد الأمين ولد الفاظل

رئيس مركز ” الخطوة الأولي ” للتنمية الذاتية

هاتف 6821727