نواكشوط .. مدينة تغرق؟ و ملوثة؟

قبل ثلاث سنوات وأثناء الورشة المنظمة من طرف (اليونسكو) بمركز (أكريتين) المركز الجهوي للاستشعار عن بعد لدول شمال إفريقيا في تونس، حول استخدام التكنولوجيا الفضائية للحد من مخاطر الكوارث الطبيعية، قدمت ورقة عن موريتانيا، تضمنت التهديد الكامن وراء المحيط الأطلسي لغمر مدينة نواكشوط وبعض المناطق القريبة منها. ثم في العام الماضي وفي اللقاء الذي نظمته (الألكسو) بالمعهد الوطني للرصد الجوي في تونس، حول مشروع إنشاء شبكة الخبراء العرب في مجال الحد من مخاطر الكوارث الطبيعية، قدمت أيضا ورقة أخرى عن موريتانيا شملت بالإضافة إلى موضوع تهديد المحيط، الجفاف، والتلوث البيئي. وفي الفترة ما بين هاتين الورشتين كنت قد شاركت مع بعض أطر وزارة البيئة الموريتانية وممثلين عن المجتمع المدني في الندوة الوطنية التي نظمتها (الإسيسكو) بمقر اللجنة الوطنية للتربية والثقافة والعلوم في نواكشوط، للتحسيس حول أخلاقيات البيئة والتنمية المستدامة.

لقد كانت التوصية الأساسية والأهم لكل هذه اللقاءات، وغيرها من المؤتمرات والندوات والاجتماعات الإقليمية والدولية، ضرورة تحسين مستوى الاستعداد للكوارث الطبيعية ودرء الآثار المترتبة عنها، والذي لا يتأتى دون الوعي التام والفعال للسكان المحليين بطبيعة وسلوك أنواع الكوارث الطبيعية المحتمل تعرضهم لها، لأنهم يمثلون المركب الأساسي في الاستجابة لتنفيذ السياسات والاستراتيجيات الرامية للحد من تلك المخاطر، وهم كذلك العنصر الفعال والمستهدف في عملية التعافي وإعادة الإعمار، هذا فضلا عن دورهم البارز فيما نطلق عليه مرحلتي ما قبل وأثناء الكارثة، ونظرا لهذا الدور الكبير للمجتمع المحلي برز المبدأ الأممي الشهير “التفكير في إطار جماعي والتنفيذ على مستوى محلي”.

يأتي هذا المقال في إطار تنفيذ تلك التوصيات، لخلق ثقافة وطنية حول الكوارث الطبيعية، وطرق الحد من مخاطرها، يأتي كذلك لطمأنة سكان مدينة نواكشوط في الوقت الحاضر حول ما يتم تداوله عن بعض الأخطار المحدقة والوشيكة الوقوع، وهو أيضا دق لناقوس الخطر حول بعض الممارسات المحلية المضرة ببيئة نواكشوط وفساد هوائه، والتي يؤدي الاستمرار في بعضها إلى تعجيل وإثارة بعض الظواهر الطبيعية العنيفة التي ستقضي حتما على ما يسمى بالحياة في مدينة نواكشوط وضواحيها، وفضلا عن هذا وذاك هو استجابة للزميل المهندس محمد عبد الله ولد يحظيه (المتنبئ الجوي بوكالة أمن الملاحة الجوية في إفريقيا ومدغشقر “آسكنا”) و الإنذار الذي أطلقه.

بما أن الدافع المباشر لهذه الكتابة هو ما أثاره الزميل فسأركز على موضوع التلوث لمدينة نواكشوط، وسأكتفي بالإشارة إلى موضوع المحيط وغمر المدينة لأتناوله بتفصيل أكثر إنشاء الله في مقال آخر، نظرا لأهميته وتوخيا لعدم الإطالة، ولولا الدرجة البالغة لأهمية موضوعه لأغفلته تماما في هذا المقال.

الوثبة التالية للمحيط .. المد البحري المحتوم

في جامعة مدينة سوسه بتونس، سألت الأستاذ الدكتورعبد الرحمن ولد أحمد يعقوب، الباحث والمحاضر بنفس الجامعة والخبير بعلوم البحار والمحيطات والذي قدم دراسات حول الموضوع، عن تاريخ تردد غمر المحيط الأطلسي لمدينة نواكشوط، والأماكن المؤهلة أكثر من غيرها لانطلاقة ذلك المد البحري المدمر، والقيم الحرجة التي ينبغي عدم تجاوزها للمحافظة على هدوء المحيط، وسألته كذلك عن الحدود التي يمكن للمد البحري وصولها على الأرض حسب درجات الهيجان وقوة الظاهرة، ثم سألته عن الأسباب المباشرة، المحلية وغير المحلية، التي يمكن أن تحفز ذلك المد البحري، وعن الفترة الزمنية التي يستغرقها للوصول إلى أقصى مدى يمكنه بلوغه، وكذلك الحدود التي سيتوقف عندها بعد انحساره، وأخيرا سألته عن تأثر الدورة الطبيعية للمد البحري المدمر بالتغيرات المناخية للكرة الأرضية والتسخين الحراري.

نعرف جميعا كمسلمين أن المد البحري المدمر وغيره من الظواهر الطبيعية الأخرى تحدث بأمر الله ومشيئته، وكثيرا ما تعد ظاهرة محتومة لا حول للإنسان إزاءها ولا قوة، ولا قدرة له على ردها أو إيقاف توسعها. إلا أن ذلك لا يمنع من السعي الجاد إلى التعرف عليها، وعلى كيفية حدوثها، ودراسة سلوكها ومراحلها، ومعرفة العوامل المؤدية أو المساعدة على وقوعها، ومن ثم العمل على التقليل من أخطارها، والسيطرة على آثارها المباشرة وغير المباشرة، الآنية والمستقبلية.

صحيح أن الدكتور أكد على أن آخر مرة حدث فيها ذلك المد المدمر لمنطقة نواكشوط هي قبل عشرة آلاف سنة، وأن المد الذي سبقه حدث قبل ثلاثين ألف سنة من اليوم، لكنه في المقابل أكد على أن فيضان نواكشوط الماضي (سيل نواكشوط) والذي قبله هو من ذلك التسلسل الذي يسبق الظاهرة، وأن المنطقة التي يمكن أن يندفع منها المد البحري تبدأ من شواطئ نواكشوط وحتى “تكند”، وأنه يمكن أن يهب في أية لحظة، وأنه على الرغم من كون بلادنا لا تقع والحمد لله على أي خط من خطوط الزلازل الكبيرة أو النشطة، فإن تلك الصخرة الضخمة في دولة البرتغال والمهددة بالسقوط في البحر نتيجة تآكلها من الأسفل، ستحدث لا محالة زلزالا قويا يصل شواطئنا معطيا الدفعة اللازمة لانطلاق ذلك المد البحري المدمر.

بالنظر إلى الصور الجوية الملتقطة من الطائرة أو عن طريق صور الأقمار الصناعية، يظهر جليا وبحسب الفترات الزمنية المختلفة، مدى التأثر البالغ الذي حدث لخط ساحل مدينة نواكشوط بسبب إنشاء “ميناء الصداقة” من ناحية كبيرة، ومن ناحية أخرى تلاحظ اختفاء الحزام الحاجز “أزبار” بسبب الاستغلال المفرط لرمال البحر في أعمال الإنشاءات. وعلى الأرض تلاحظ كذلك اختفاء الكثير من الأحياء التي كانت تزعج من كثرتها عشاق مشاهدة غروب الشمس من الساحل الذهبي لمدينة نواكشوط.

الصور الملتقطة قبل خمسين عام (1957 )، تظهر خطا مستقيما ومنسجما يظهر أبيضا وعريضا على امتداد الساحل لمدينة نواكشوط، مبرزا كثافة انعكاسية عالية، هذا الخط المحدد لشكل الشاطئ هو في الحقيقة ذلك الحزام الحاجز الرملي الذي كان يوما هناك، كنا أطفالا نتزحلق عليه، كان مثاليا لفعل ذلك، لأنه بارتفاع من 4 إلى 7 أمتار تقريبا، وبعرض من 20 إلى 40 متر تقريبا، وأجمل ما فيه نصاعته وقوته، فالمحيط الأطلسي ذاته هو من أنتجه، حصاه متكون ومقذوف من البحر فهو جزء منه، لا يمكن تعويضه ولا استبداله بغيره، لأن البحر مثل “الثور” لا يثبته إلا جلده، وإن كانت تلك التجارب البرازيلية الناجحة حتى الآن مع بعض التحفظ على نتائجها، والتي تعتمد ما يدعى “بعلم الحصى”، حيث تقوم بدراسة الحصى من البحر، وتحاول إنتاج حصى مماثل له في جميع صفاته وخصائصه، وبالكميات المطلوبة باستخدام التكنولوجيا المتقدمة جدا، وبرغم التكاليف الباهظة لهذه العملية، فقد أظهرت أملا جديدا من خلال التجارب التي طبقت في البرازيل وفي تونس أيضا، إلا أن القدرة والكفاءة لرمل البحر لا تضاهيها تلك الرمال الصناعية.

الصور الملتقطة يناير 1985 ويونيو 1986 و1990 و1991 و1995 أيضا،أظهرت التأثير البالغ والعميق الذي ظل يتعمق أكثر وأكثر، وقتها كان من المفروض تلافي المشكلة، التي تظهر الصور مدى فداحتها، بإزالة هذا الميناء، لكن السلطات لم تكترث لتلك التأثيرات الخطيرة والمهددة لوجود مدينة نواكشوط، ربما للكلفة الباهظة لإزالة الميناء والمنافع المتحصل عليها منه وتكاليف إنشائه أصلا، وإن كان الضرر بلا شك أكبر بكثير من التكلفة والمنافع. هذا الميناء “الصداقة” الذي يعترض بإنشاءاته وحواجزه التيار البحري القوي المتجه من الشمال إلى الجنوب والذي ينطلق من حدود 90 كلم تقريبا جنوب شواطئ مدينة نواذيبو،

ما يحدث هو أن هذا التيار (وكما تظهر الصور) عندما يصل إلى ميناء الصداقة يطرح ما يحمله من أتربة وهباء وينعطف باتجاه عمق البحر، وفي النقطة التي يتجاوز الميناء عندها يتجه بشكل مباشر إلى اليابسة وكأنه فلت من عقال، هذه الظاهرة نتج عنها ردم كبير للشواطئ على يمين الميناء، وغمر الشاطئ وتقدم البحر باتجاه المدينة على يسار الميناء، وتكمن خطورة هذه الظاهرة في استمراريتها إذ ستحفز أو تبلغ في مرحلة معينة حدود القيمة الحرجة التي عندها يتدفق المحيط ليغمر مدينة نواكشوط،

طبعا يمكن للدمار أن يحدث أثناء حركة المد البحري باتجاه اليابسة، لكنه سيكون أكثر تدميرا عند مسار عودته، كما يمكن أن تظل المدينة مغمورة إلى ما شاء الله، لتنعم مخلوقات البحر وأحياؤه بدفء وتنوع مساكننا ومنشآتنا.

أريد هنا الإشارة إلى أن المنطقة التي يحدث ذلك التيار فيها، هي منطقة غير صالحة لإنشاء الموانئ، خصوصا بعد ما يشاع من نية كنروس- تازيازت إنشاء ميناء على الساحل المقابل لمنطقة تازيازت.

التلوث البيئي لمدينة نواكشوط

يقول عز من قائل (انا كل شيء خلقناه بقدر)، ولما كانت الحكمة الإلهية كذلك، فإن لكل مركب من مركبات البيئة (الأرض، الهواء، الماء، الحرارة، الضوضاء، الإشعاع …) حدودا معينة، ينبغي أن يظل ضمنها، وينبغي أن تظل العناصر المتشكل منها منتظمة في حدود معينة هي الأخرى، دون زيادة أو نقص وبتناسب محسوب، حكمة بالغة.

إن مجرد وجود تجمع كبير للبشر في بقع محدودة السعة من الأرض، يكفي لخلق مشاكل بيئية جمة، ولا تظهر هذه المشاكل وتتجسم عندما تكون الخدمات العامة والعناية بنظافة المدينة تجري بصورة جيدة، وقد ساهمت الزيادة السكانية والتمركز السكاني في تلوث بيئة مدينة نواكشوط بشكل كبير جدا. وينحصر دور مختلف القطاعات المهنية والاجتماعية في عدم تعقيد مشكلة التلوث، بينما تقع على المهندسين المسؤولية الإعلامية والتخطيطية والعلاجية، وهنا لا بد من شكر الزميل المهندس محمد عبد الله ولد يحظيه لإثارته موضوع الحي الصناعي على شارع المقاومة أو ما يعرف شعبيا “بشارع عزيز”.

قبل الخوض فيما ذهب إليه الزميل أود الإشارة إلى بعض القضايا ذات التأثير المباشر في تلوث المدن، فمدينة نواكشوط تنعم بمياه شرب صافية اللون، طيبة المذاق، لا رائحة لها، آمنة لا تسبب أي ضرر لشاربها، تتمتع بمواصفات الماء الشروب المحددة من طرف منظمة الصحة العالمية. لكن وللأسف الشديد وعلى الرغم من الجهود الجبارة التي تبذلها الدولة والمبالغ الضخمة المخصصة للمخلفات الصلبة (النفايات)، فإنها تعتبر المصدر الرئيسي للتلوث في مدينة نواكشوط، وإذا علمت أن الإنسان خلال فعالياته اليومية يترك مخلفات صلبة من ورق وأكياس نايلون وعبوات كارتونية وزجاجية ومعدنية وغيرها إضافة إلى المخلفات الغذائية وأن وزن هذه المخلفات التي يساهم بها الشخص الواحد تقدر بكيلوغرامين ونصف يوميا، وإذا اعتبرنا أن سكان نواكشوط ستمائة ألف نسمة فقط، فإنك ستهتم يوميا بالتخلص من ألف وخمسمائة طن لتحافظ على نظافة وصحة مدينة نواكشوط، وما لم تتم السيطرة على العملية (الجمع والتخلص) فإن الكثير من أحياء المدينة سيظل غير صحي ولا مريح، ويمكن أن تنتشر فيه الأوبئة نتيجة المخلفات المكشوفة والتي تتكاثر فيها الأحياء المجهرية والذباب والحشرات والروائح الكريهة، كذلك تعيش المدينة حالة شديدة وممرضة من التعفن أثناء موسم الأمطار نظرا لعدم توفر البنية الضرورية لتصريف مياه المطر والاكتظاظ السكاني بسبب نهب الساحات العمومية والنقص الشديد في عدد وسعة الطرق في الأحياء مما يضطرك للمرور خلال تلك المستنقعات النتنة والخطيرة على صحة السكان والمارة، وتزداد تلك الخطورة عند استخدام تلك المستنقعات كمساحات لطرح المخلفات الصلبة بسبب قلة الوعي واللامبالاة التي تطبع الحياة العامة في موريتانيا.

أود كذلك الإشارة إلى الازدحام الشديد في المدينة، والذي يسببه العدد الهائل من السيارات المتهالكة المحركات، والتي ينبعث من عوادمها الكثير من الملوثات القاتلة في مساحة صغيرة جدا، والتي تشكل خطرا كبيرا على الصحة وخصوصا أنها لا تخضع لأي فحص لإنبعاثاتها مراعاة لمعايير السلامة البيئية، كما أن الموسيقى التي تصدرها هياكل أغلب سياراتنا وضعف كاتمات الأصوات فيها، والاستخدام المفرط لمزاميرها من طرف السائقين، يخلق مستوى من القلق لدى البشر، مما يفسر ذلك الخصام والعراك أحيانا في طرقنا، والذي قد يتطور ليصبح خطرا على مستخدمي الطريق.

الضوضاء (أو الضجيج) وإن كانت لا تبدو قاتلة كما هو حال بعض الملوثات البيئية كالسموميات الكيمياوية، فإنها مشكلة بيئية تؤثر على صحة الإنسان وسعادته وراحته، وهي بذلك تساهم بشكل فعال في تردي الوضع البيئي، والضوضاء هي في الواقع فضلات طاقة وهي على عكس الملوثات الأخرى التي يخشى تراكمها، فهي آنية ومتبددة، وينحصر تأثيرها عند انبعاثها فقط وتزول مباشرة بزوال المصدر، وأغلب الأحياء الشعبية في نواكشوط هي ذات مصادر دائمة للضوضاء في النهار وأول الليل، إلا إذا تزوجت إحدى بنات جيرانك فتلك ليلة بيضاء، وكذلك بالنسبة للمواقع القريبة من المطار الواقع في وسط الأحياء السكنية، فضجيج الطائرات (وخصوصا المتأخرة منها) يعد من أخطر أنواع الضوضاء فبالإضافة إلى التأثيرات السمعية (المؤقتة والدائمة) توجد تأثيرات غير سمعية يأتي على رأسها التأثير على انتظام دقات القلب وضغط الدم والجهاز التنفسي و الانزعاج وعدم الراحة النفسية وفقدان التركيز والحرمان من النوم العميق والتداخل مع حديث الناس ومقاطعته.

وعموما فقد أنشأت الوكالة الوطنية للطيران المدني مؤخرا خلية متخصصة في البيئة، وعيا منها بضرورة السيطرة على مستوى الضجيج وانبعاثات ثاني أكسيد الكربون لتبقى في الحدود القياسية المطابقة لمعايير السلامة البيئية، ويعول على هذه الجهود كثيرا في تأمين والمحافظة على سلامة بيئة المدينة، وعموما فإن الحد المؤذي لمستوى الصوت يبدأ من 130 ديسيبل، وفي غرفة نوم هادئة ما بين 20 إلى 30 ديسيبل.

مدينة نواكشوط هي كذلك والحمد لله خالية من التلوث الإشعاعي.

وأما تلوث الهواء فإنه يعتبر من أحرج وأخطر أنواع التلوث لسببين رئيسيين الأول هو محدودية المورد الهوائي بالنسبة للأرض عموما، فالغلاف الجوي يكاد يكون كقشرة التفاحة بالنسبة للتفاحة نفسها لو قارناه بحجم الكرة الأرضية، والسبب الثاني أن الإنسان يستهلك من الهواء 15 كيلوغراما مقارنة بثلاث كيلوغرامات من الماء وكيلو غرام واحد من الغذاء. وفوق هذا وذلك فإن الإنسان قد يصبر على الجوع أسابيع وعلى العطش أياما ولا يصبر على انعدام الهواء أو فساده أكثر من دقائق معدودة. وفيما يتعلق بتلوث هواء مدينة نواكشوط فسوف اكتفي بنقل ما كتبه الزميل المهندس محمد عبد الله ولد يحظيه، راجيا أن يجد الآذان الصاغية من المعنيين، وفيما يلي نص ما كتبه قبل فترة:

” تروج في الفترة الأخيرة شائعات مفادها أن المساحات الأرضية على الجانب الشمالي من شارع محمد بن عبد العزيز الرابط بين (دار النعيم) و(توجنين)، أن هذه المساحات سوف تخصص للمنشآت الصناعية. ومن المعروف في موضوع الاستصلاح الترابي ضرورة الأخذ بعين الاعتبار لآراء عدة تخصصات علمية مرتبطة بهذا الشأن قبل الإقدام عليه. وتعتبر الأرصاد الجوية من بين هذه التخصصات التي تستشار في هذا المجال خصوصا إذا تعلق الأمر بمنشآت صناعية. ونظرا لكوني مهندسا في الأرصاد الجوية فقد رأيت أنه من واجبي تذكير اصحاب القرار بما يلي:

تشكل الغازات والدخان والعناصر الكيماوية المنبعثة من فوهات المصانع اخطار حقيقية على صحة الناس وعلى أساليب عيشهم الطبيعي، لذلك فإنه مما يلزم اتباعه في حالة بناء منشآت صناعية أن تجعل في أطراف من المدينة تكون الظروف الجوية فيها ملائمة لنقل مخلفاتها بعيدا عن التجمعات السكنية لتتبدد فيما بعد في طبقات الجو المختلفة.

إن المنطقة الواقعة شمال شارع محمد بن عبد العزيز تقع إلى الشمال الغربي من الأحياء السكنية في (توجنين) و(بوحديدة) و(ملح)، وبما أن الاتجاه المهيمن لهبوب الرياح هو أيضا من الشمال الغربي فهذا يعني أن كل الإنبعاثات الصناعية سوف تحملها الرياح في اتجاه هذه الأحياء. قد يقول القائل إنه من الممكن ان هذه المخلفات تتصاعد لتتبدد في طبقات الجو العليا دون أن يكون لها تأثير على الأحياء السكنية غير أن الواقع هو خلاف ذلك، إذ أن الرياح المهيمنة الباردة نسبيا و التي تهب من البحر (la brise de mer ) ينشأ منها على ارتفاع عدة مئات من الأمتار ما يعرف بطبقة الإنعكاس الحراري ( couche d’invertion thermique ) التي يمكن تمثيلها بجدار هوائي ما إن يرتطم به الهواء المتصاعد أسفل منه حتى يصده راجعا في اتجاه الأسفل. إنه بالنظر إلى هذه الخصوصية المناخية فالحاصل هو أن الغازات المنبعثة من المصانع تصطدم بطبقة الإنعكاس الحراري فتوجهها نحو الأسفل لتغمر الأحياء السكنية.

على ضوء المعلومات السابقة فإنه من الواضح أنه في حالة صحت الشائعات حول الحي الصناعي فإن الجانب الشرقي من مدينة نواكشوط سوف يتعرض لمستويات من التلوث البيئي لا يمكن أبدا حصر العواقب الصحية المترتبة عنه، ومهما يكن ما ينتظر من منافع في إقامة مثل هذه المنشآت الصناعية في ذلك المكان فإنها منافع ضئيلة جدا مقارنة بالفساد الكبير والمخاطر الصحية الهائلة التي سوف تلحق بالسكان.

نظرا لما تقدم فإنه يرجى من المسؤولين أخذ القرار الحكيم فيما يتعلق بهذه المنطقة قبل فوات الأوان إذا كانت الشائعات حولها حقيقية “.

انتهى من كلامه برمته.

أريد فقط أن أضيف ملاحظة بسيطة هي أنه ينبغي أن يكون طول (ارتفاع) مدخنة المصنع عموما، مرتين ونصف ارتفاع أطول بناية مجاورة. كما أن الصناعة القريبة من ساحل البحر ستجعل غمامة دخانها تتخذ مسارات مطابقة لنسيم البر والبحر و تتعرض الغمامة في هذه الحالة إلى الكثير من الاضطرابات التي تساعد على تشتت الملوثات، ولهذا السبب يعتبر ساحل البحر موقعا جيدا للصناعات التي تتميز بدفق هوائي كبير من مداخنها.

خلاصة عامة

بما أن أغلب السكان لا يهتمون كثيرا بهذه الأمور نظرا لضعف الوعي، فإنه على المجتمع المدني والفاعلين في الحياة الاجتماعية النهوض بدورهم في التحسيس والتوعية، وكذلك على الدولة الاهتمام بخطط الطوارئ والاستعداد الجيد لأسوء الاحتمالات.

كذلك وفي نفس السياق فإنه على القطاعات المختصة إنشاء شبكات الإنذار المبكر، وتشجيع البحوث والدراسات في هذا المجال.

ينبغي كذلك عقد مؤتمر حول قضية المحيط هذه، وإشراك الأهالي في الجهود العملية للمحافظة على الحياة وتنوعها لشواطئ المدينة.

ينبغي كذلك خلق رئة للمدينة وتشجيع الجهود التي من شأنها خلق الحدائق والبساتين حول المدينة وخصوصا في الجانب الشمالي الغربي، وتعزيز الحزام الأخضر للمدينة بالنباتات المحلية.

تفعيل الرقابة على السيارات والمصانع ومحطات توليد الطاقة وغيرها من مصادر التلوث ورصد وتقييس كمية وانتشار ملوثاتها.

رصد الوسائل اللازمة بالتعاون مع الأهالي للحد من تراكم النفايات الصلبة، والتخلص من مياه الأمطار.

العمل على وجود حلول بديلة في تقسيم واستصلاح الأراضي، سواء فيما يتعلق بالمصانع على طريق المقاومة أو موقع المطار، أو الطرق والساحات العمومية الضرورية لتدخلات الإسعاف والطوارئ.

تسهيل الوصول إلى المستشفيات عن طريق اختيار المواقع المناسبة لذلك في المدينة والتي تمكن من الوصول إليه بسلاسة من ثلاثة جهات على الأقل.