وزير الدولة للتهذيب وبيادقه… مفطرون بالنهار صائمون بالليل

دخل أحد الحمقى على أحد الخلفاء في إحدى الليالي الرمضانية وهو يأكل فدعاه الخليفة ليأكل فقال، إني صائم يا أمير المؤمنين فسأله هل تصل النهار بالليل؟ فأجابه: لا، ولكني وجدت صيام الليل أسهل من صيام النهار، وحلاوة الطعام في النهار أطيب من حلاوته في الليل.

غريب أمر هذا الأحمق تترى الأدلة كشمس الضحى على أن الصوم إمساك من طلوع الفجر إلى غروب الشمس لكنه يرى أمرا آخر، يرى أن صوم الليل أسهل، وأن طعام النهار أطيب.
وما أشبه حال هذا المتنكب سبيل النص والهدى، الطالب للأثر الدارس بعد العين المنتصبة الشماء، بحال وزير الدولة للتهذيب وبيادقه المغلوبين على أمرهم في الدفاع بالشبهات المنسوجة من ضئضئ بيت العنكبوت.

1- إنهم يفطرون النهار ويصومون الليل واضعين الشيء في غير محله -وتلك أجلى تجليات الظلم- حين يستغنون عن الأساتذة الأكفاء المضربين ويستبدلونهم بعقدويين لم يتلقوا أي تكوين تربوي، وفي أغلب الأحيان فقد باعد الله بينهم وبين ما يدرسون قريبا مما باعد بين المشرق والمغرب، وما ذلك إلا لأن التعامل معهم أسهل كصيام الليل، فهم يرضون من اللحم بعظم الرقبة، أما الأساتذة فهم أصحاب مطالب وحقوق ومكابدتهم أشد من الصوم في الهواجر.
كذلك فإن الصفقات المشبوهة في التعاقد أطيب إذ هو ميدان المحسوبية الأفيح وباب السمسرة الأربح.

2- إنهم يفطرون النهار ويصومون الليل حين يقطعون علاوات الأساتذة ورواتبهم ويغدقون العلاوات والساعات الإضافية على المختفين والمسيبين طيلة سنة وسنتين وأكثر، ومنهم من يتقلد وظائف أخر، ومنهم المقاول، والأدلة حاضرة وليس الكلام على عواهنه، ووزير الدولة وبيادقه في هذا ونحوه مستنون بإمام من أئمة المفطرين بالنهار الصائمين بالليل الواضعين الشيء في غير محله، ألا وهو بلفور الذي يعطي ما لا يملك لمن لا يستحق، وهم بذلك موسومون على الجبين الرمادي ببيت الجواهري:

موتى الضمائر تعطي الميت دمعتها وتستعين على حي بسكين

3- إنهم يفطرون النهار ويصومون الليل حين ينتقون لتصحيح الباكلوريا أقل الناس كفاءة وأبعدهم من الميدانية، وبذلك فقد أفطروا في النهار وصاموا بالليل، حين تسببوا في نجاح مئات لا تستحق النجاح، ورسوب مئات من المتميزين، ومن يتابع الإعلام واحتجاجات المنكوبين المصدومين يدرك حجم المأساة، بيد أن هذه رغبة نيرون، ولتحترق روما.

4- إنهم يفطرون النهار ويصومون الليل حين يحكمون على السنة الدراسية المنصرمة بأنها نموذجية بكل المقاييس وهي لعمري المقاييس التي تبيح إفطار النهار وتعتاض عنه بصوم الليل، وفي عالم قلب الحقائق وطمس النواميس تمتاز السنة المنصرمة بما يلي:

– نسبة النجاح في الباكلوريا هذه السنة بلغت 91% لا 9%.

– الحد الأدنى لمعدل النجاح في امتحان ختم الدروس الإعدادية لا يقل عن 12/20 نظرا للنتائج المتميزة وليس 8/20 التي تعني منتهى إفلاس العملية التربوية.

– لم تشهد السنة أي اضطراب لا على مستوى الأساتذة ولا الطلاب ولا التلاميذ.

– لم يطرد تلميذ من صوت التلميذ، ولا طالب في أي كلية من كلياتنا التي تتفوق على جامعات الجمهورية التونسية كلها.

– لم يحول أستاذ ولم يرق آخر إلا على أساس المعايير الموضوعية، وبإجماع من النقابات وبدون تحفظ.

– لا يوجد في أساتذة الثانويات النموذجية إلا القدماء المتميزون المختارون طبقا للمحاضر الموقعة مع النقابات.

– لم تشهد السنة تحويلا واحدا عبر الهاتف ولا بمذكرات غير رسمية.

– ليس في المديرين الجهويين من لم يكن اختياره على أساس معايير موضوعية وبالاتفاق مع النقابات، ولم يعين أحد منهم على أساس المتاجرة بالمواقف النقابية، ولم يعين آخر على أساس الحذاقة بالتزلف والتسبيح بحمد الوزير والرئيس.

– المفاوضات مفتوحة مع النقابات ورسائل الوزارة على النقابات تترى منها الرسالة رقم x والرسالة رقم y والرسالة رقمz بحيث هي أعداد معرفة في R وفي N وقد يكون منها ما ليس معرفا في هذه المجموعة ولا تلك، وما ذاك إلا للمبالغة في إقامة الحجة،واللجان المكلفة بالتفاوض مع النقابات تباشر أعمالها على أحسن ما يكون.

– أما البلسم الشافي والعصا السحرية لمشاكل التعليم فهي المنتديات العامة التي كان تعيين القائمين عليها بالتراضي والتشاور مع كافة الفاعلين من نقابات وروابط، وكان المكلفون بها من الميدانيين الذين لا خلاف في تميزهم ومعرفتهم بالقطاع واستقامتهم، وكانت الأيام الجهوية نموذجا فاق كل التوقعات وهناك الأدلة الدامغة على استدعاء المعنيين كافة من غير إقصاء، وستتمخض عنها نتائج تمكن بلادنا من مزاحمة الولايات المتحدة الأمريكية واليابان وكوريا الجنوبية في الصدارة على مستوى تميز المناهج التعليمية.

تلك أهم ملامح السنة الدراسية بعيون من يصوم الليل ويفطر النهار عيون كانت قبل عهد الوزير وبيادقه حكرا على الشعراء وهم يفرون الزيازي والدماث يرتفع لهم آل الضحى فيريهم القراد ظليما.

5- ووزير الدولة للتهذيب يمعن أكثر فأكثر في فطر النهار وصوم الليل حين لا يذكر ضرورة تفقد مؤسسات التعليم على مستوى الولايات الداخلية إلا في العطلة الصيفية، لقد تابعناه في عطلة العام الماضي يزور أطلال فصول كأنما هي ربوع مية بالدهماء تستهيج غيلان، وظهر في التلفزة الوطنية مجتمعا بملأ لا تزيد نسبة الأساتذة في حاضريه على نسبة المتخصصين في الطب الشرعي في بلادنا، ثم جاءت السنة الدراسية فلم نشهد له زيارة داخلية إلا إلى مقاطعة وادان ممثلا فخامة الرئيس في اختتام مهرجان المدن القديمة، ولقي الأساتذة على غير موعد ليكيل لهم -بغير تقتير ولا تطفيف وعلى غير عادة معاليه- التهم بسوء الأدب وقلة التهذيب لأنهم راجعوه في مطالبهم.

واليوم وفي ثبج العطلة الصيفية يستأنف وزير الدولة زيارات العطلة الصيفية الناطقة عليه بخرسها، بدء من اترارزة ثم انواذيب وهلم جر..

وما انتفاع أخي الدنيا بناظره إذا استوت عنده الأنوار والظلم

لقد وجد وزير الدولة وبيادقه متنفسهم في الليل لكن ما غاب عنهم أن متنفسهم العنكبوتي محكوم عليه بالتلاشي والاضمحلال فلابد لليل أن ينجلي ولا بد للقيد أن ينكسر.