جريمة وطن..!!

ليست سكينا طبيعية- يقينا- تلك التي ذبح بها الممرض المنهار فلذات كبده في فاجعة “مقاطعة عرفات” الأليمة والمروعة والمدوية..!!
إنها سكين من نوع آخر، أكثر حدة وفتكا من الحديد الذي يفترض أنها صنعت منه أول مرة…وحتى يد الممرض التي تولت تمرير السكين(والتي لم تحد شفرتها ولم ترح ذبيحتها) على أعناق أطفاله الأربعة، لا يمكن أن تكون طبيعية أبدا، فلابد أن هناك سكينا أمضى من سكينه ويدا أقوى من يده..!!

لقد كانت الجريمة جريمة وطن بكامله، كنا جميعا شركاء فيها بكل تأكيد(كنا شفرة السكين وإرادة القتل وكنا الدم البريء الطاهر المتطاير من أعناق أطفال أعمارهم من12إلى السنتين)…إن وراء السكين حكاية جديرة بالتوقف عندها، وخلف قصة الممرض عوالم تستحق أن نتأملها( أليس جللا أن يتحول الممرض في لحظة جموح غامضة إلى جزار يساوى بين أعناق الأطفال وأعناق الدجاج ..؟!!)
عندما يقال لنا إن الممرض منهار عصبي نصدق ذلك، فالممرضون يموتون يوميا بالأمراض المعروفة والغامضة العابرة المفاجئة والمزمنة المصاحبة وبالحسرة والإحباط والضياع، وأحسنهم حالا من أصابه انهيار عصبي يجعله في لحظة ما يبعد السكين عن عنقه إلى أعناق أطفاله الأبرياء المغدورين ( إنه عبر الأطفال يذبحنا جميعا يصب علينا جام غضبه يمرر السكين على وريد وطن ظلمه وعلى عنق حكومة نسيته ونخبة سياسية انشغلت عنه بالصراعات الهلامية…إنه يذبح في أطفاله إحساسا رهيبا باذل والهوان وقلة الحيلة والضعف) ولكن نريد أن يقال لنا أيضا لماذا لا تعالج الدولة موظفيها؟! ولماذا لا تشفق علي عمال قطاعها الصحي؟! ولماذا لا تبعد عنهم شبح الجنون والانهيارات العصبية ..؟!!
أستطيع أن اسرد عليكم مائة سبب لإصابة عامل الصحة بالموت العقلي، والانهيار العصبي، وذابح أطفاله في عرفات ليس الأول من نوعه وظيفة وتصرفا، فقبل أشهر انتحر احد الممرضين، وقبل سنوات ألقى ممرض(من دفعتنا ألفناه بشوشا خلوقا ومتدينا) نفسه في بئر القرية التي يعمل بها بعد أن نظف النقطة الصحية، وعمل جردا بمحتوياتها، وترك الأدوية والأموال على مكتبه كاملة غير منقوصة..!!
هل تتوقعون لممرض بائس ماديا ومعنويا، حول(عكس رغبته) إلى الداخل، بعيدا عن أسرته في ظروف بالغة الصعوبة، وعندما طلب التحويل لم يجده، لأنه (ببساطة شديدة) بلا جنرال يحميه، ولا وزير يمنعه، ولا نائب يتدخل له، ولا قبيلة قوية موسرة تفك كبله، وبدل تلبية طلبه يرى زملاءه يحولون بجرة قلم، أوبرنة هاتف، فيشعر بالمهانة، وقهر الرجال، ويبصق قيحا في صدره المغمور لعنة لوطن لا يرحم الضعفاء من أمثاله..!!
هل تتوقعون منه- مهما كانت قوة إيمانه وجلاده وصلابته ويقينه- أن يكون بمنأي عن الانهيار العصبي، بل حتى عن الموت غما وهما وكمدا وجلطة وسكتة..؟!!
ثم ما الذي على الممرض الذي يعيل أسرة من سبعة أفراد مثلا أن يفعله في مواجهة متطلبات حياة لم تعد تطاق..؟!!
هل تكفيه70ألف أوقية شهريا لتوفير الدفاتر والأقلام، والملابس والحفاظات، وحليب الأطفال والأرز واللحم والخضروات، والأدوية وتكاليف المناسبات الاجتماعية الطارئة المتعددة، من زيجات وعقائق وزيارات للأقارب وعيادات للمرضى وسفريات للتعزية أو للتهنئة؟!(تذكروا سعر كلغ اللحم 1500، ثم تذكروا سعر كلغ الأرز250ثم تذكروا سعر لتر المازوت360 ثم تذكروا مآسي المشافى والمدارس وصعوبة الحال والبؤس العام مع جفاف لم يغسل مطر الأيام الماضية غباره حتى الآن)
وإذا لم يتوفر الراتب أصلا فما الذي عليه أن يفعله..؟!!(هنا بالذات رفع الممرض المسكين سكينه في وجه مجتمع بأكمله وذبح أبناءه ليدفعنا للتساؤل بحسرة أي درجة هذه من اليأس التي يمكن أن تدفع مثله لارتكاب هذا العمل الفظيع وغير المسبوق..؟!!)
إن كل المأثورات والمحفوظات، والمرويات وما في بطون الكتب، دينية كانت، أو قانونية أو مهنية، أو علمية، لا يكفى لشراء رضاعة طفل، تماما كالبرامج الحكومية السافلة التي هي مجرد جعجعة بلا طحين.
وإن درجات الشعور بالإحباط واليأس والضياع، تمسح- كما الممحاة- وفى لحظة عابرة، كل الاعتبارات الدينية والأخلاقية والاجتماعية، فيعبر الجانب الحيواني الضعيف من الروح البشرية عن نفسه، حيث لا يمكن – ساعتها- الوقوف في وجه تصرفات يمليها ذلك الشعور المقيت، ولا حتى التنبؤ بشكلها ومضمونها وتوقيتها..!!(إنها ثورة عمياء على عالم يغمض عينيه عن مآسي الناس وفى آذانه وقر عن سماع صرخات الضعفاء الجائعين المقهورين)
إن من ذبح أطفال الممرض – وهم في مقتبل أيامهم- ليس الممرض وحده، وتلك التي بيمينه هي سكيني، أنا، وأنت، والدولة، والرئيس، والحكومة، والمجتمع..!!
إن دم الأطفال تفرق بيننا جميعا ،ولربما كان بالإمكان تفادى وقوع الفاجعة..
فلو أن وزارة الصحة وفرت علاجا داخليا أو خارجيا للممرض – ولو بتحويله للعاصمة ليرتاح نفسيا بين ذويه على الأقل- لحقنت دم احد أطفاله..!!
ولو أن الرئيس عزيز أمر بصرف رواتب الموظفين مسبقا – قبل العيد بيوم أو يومين- لحقن دم الطفل الثانيى..!!
ولو أن المجتمع بأحزابه، وهيئاته، ومنظماته، وهياكله المدنية، تحرك لإغاثة الملهوفين بصدق ونبل بعيدا عن البهرجة السياسية، والصراخ وإعداد أفلام مطولة عن مسرحيات “خيرية” وهمية، الهدف منها استدرار أموال الأجانب لمصالح شخصية، وليس خدمة لمواطنين يتضورون جوعا، لحقن دماء الطفل الثالث..!!
ولوان لنا وطنا يؤمن بنا، ونؤمن به، يعالجنا وقت المرض، ويواسينا أيام الشدة ويستمع لبكاء أطفالنا الجوعى لحقن دم الطفل الرابع..!!
نحن شركاء في الجريمة، بحماقاتنا، بصراعاتنا وسياساتنا، بانصرافنا عن هموم الناس إلى التراشق السياسي صراعا على السلطة، وتفريطا في وطن يحتضر أمامنا ولا نملك من أمره ولا من أمرنا شيئا.
إنها ليست أول جرائمنا المشتركة…نحن الذين حرقنا “ولد دحود”، ونحن الذين قتلنا “معلم مقاطعة اظهر”، ونحن الذين أطلقنا الرصاص على “رجاء”، ونحن الذين قتلنا “ولد المشظوفى”،و”ولد الطالب النافع”، و”مانغان”، و”ولد لمعلى”،و أشعلنا طائرة تقل خيرة ضباطنا، ونحن الذين نحرنا عشرات الممرضين والأطباء، ونحن الذين – بارتفاع الأسعار وهشاشة المنظومة الصحية والتعليمية وتفشى الظلم والقهر- نقتل العشرات كل يوم…نحن الذين جففنا آبار مكطع لحجار، وتيكنت، والركيز، والغايرة،ونحن الذين لم نمهد طريق المذرذرة- تيكنت فتركناه يحصد – مثل بقية طرق الداخل الوعرة- أرواح الناس مع كل يوم جديد…نحن الذين بدأنا نذبح أطفالنا بسكاكيننا لا بسكاكين غيرنا( أخشى أن يكون الممرض ذبح أبناءه حتى لا تذبحهم الحكومة بؤسا ونسيانا وتهميشا على طريقة “بيدي لا بيد قصير”).
نحن الذين فقدنا الرحمة والتكافل، والتسامح والحب، نحن الذين فقدنا مع الرجال والنساء والأطفال وطنا حلمنا به خيمة دافئة، وبقرة حلوب، ليتمثل لنا فجأة – ذات حقبة رعناء سياسيا واقتصاديا واجتماعيا وأمنيا- مجرد جريمة تمشى على قدميها..!!
لم يعد الموت الجماعي غريبا عندنا وعلينا…فهانحن على خطا (الحقيقة السامية) نموت فرادى وجماعات بعدان ماتت فينا أحاسيس الرحمة والوطنية، ولا أظن أنه سيكون علينا ولا على دنيانا السلام، بعد كل هذه الأرواح التي نزهقها غيلة وغدرا وجهالة ونحن نخرج من جلودنا متوحشين مصاصي دماء لا تعرف الرحمة سبيلا إلى قلوبنا ،التي أصبحت (كالحجارة أو أشد قسوة)..!!
إنها جريمة وطننا…إنها جريمتنا جميعا، فلننتظرعدالة السماء، فما عادت على أرضنا عدالة جديرة بالاحترام..!!