إلى أين يتجه لبنان..؟

يتصاعد الاحتقان الطائفي يوما بعد يوم في لبنان، وتضعف سيطرة الدولة وتنحسر هيبتها، ويتلاشى دور القيادات السياسية التقليدية التي كانت تتصرف وكأنها منحت صكا على بياض، موازاة مع ذلك يتم ظهور قادة جدد تتناغم أطروحاتهم –في الأغلب الأعم- مع طموحات القواعد الشعبية والمجموعات الشبابية المتفاعلة مع الربيع العربي المفعم بمصطلحات ومفاهيم حديثة تستوجب صياغة خريطة سياسية جديدة، وتختل المعادلة السياسية السائدة مفسحة المجال لأخرى جديدة تقتضي ضمن ما تقضيه توازنات وتحالفات جديدة حتى وإن لم يحن عقدها بعد.

يعود الفضل في ذلك إلى الثورة السورية التي وإن وصفت- ربما تجنيا وتشويها- بأنها ثورة سنية، إلا أنها أدت إلى ضعف أهمية القيادات السنية، وبالأخص رئيس تيار المستقبل سعد الحريري الغائب عن الساحة لفترة، واكب ذلك ظهور قيادات دينية توصم ب”السلفية” و”الأصولية” على غرار شادي المولوي الذي خرج من السجن خروج الأبطال تحت ضغوط شعبية وسياسية قوية خصوصا من الشمال (من طرابلس “عاصمة السنة المحافظة”).

قيام عائلة آل المقداد الشيعية بعمليات خطف واسعة النطاق، وعملهم دون أية مظلة سياسية من الطرفين الشيعيين الفاعلين (حزب الله وحركة أمل) كشف هو الآخر عن تصدع قبضة التياريين على الطائفة الشيعية، كما ظهر من بين رجال الدين الشيعة من يساند الثورة السورية ويجد لها مبررات من منطلقات دينية مثل محمد حسن الأمين وهاني فحص، وهو ما يعني –إن عنى شيئا-أن هيمنة العدوين اللدودين والأخوين الحليفين على القرار والفعل السياسي داخل الطائفة قد أوشك على النهاية، وأن احتكار الدين والحديث باسمه من قبل الحزب قد بدأت وطأته تخف ولو إلى حين، يضاف لذلك ضعف-لوحظ حتى في الانتخابات الأخيرة- في شعبية زعيم حركة أمل نبيه بري.

لا جديد في التركيبة المسيحية، إذ لا يزال الصراع قويا، والانقسام حادا بين التيار الوطني الحر برئاسة الجنرال ميشل عون ذي الشعبية الواسعة، والقوات اللبنانية بقيادة سمير جعجع، مع حضور قوي لتيار المردة في محافظة الشمال، وبالأخص في قضاء زغرتا والزاوية التي يحكم التيار سيطرته عليها، إضافة إلى حزب الكتائب ذي التاريخ الطويل وزعيمه الرئيس الأسبق أمين الجميل صاحب الشخصية الكاريزماتية.

وليد جنبلاط رئيس الحزب الاشتراكي التقدمي الذي يتوقع مراقبون أن يقلب ظهر المجن في أي لحظة لحلفائه الحاليين(08 آذار)، وهو مايعني سقوط حكومة ميقاتي، ويعود إلى 14 آذار كملك متوج مدافع عن الحرية والانعتاق، ومساهم في الثورة السورية، ومثل وليد لا يضيع هذه الفرص الآتية على طبق من ذهب، زعيم المختارة لا يزال الحكم الفصل والصوت المسموع في الطائفة الدرزية، رغم وجود معارضين من داخل الطائفة بحجم الأمير طلال أرسلان والوزير السابق مروان حمادة، سيطرة أبي تيمور أعطته ثقة دفعته إلى تقديم ابنه للخلافة، كما تقول أحاديث تنامت وإشاعات ذاعت في الآونة الأخيرة.

إن نجاح الثورة السورية وإسقاط نظام الأسد وقيام نظام آخر محله في دمشق يعني إنهاء صلاحيات العديد من القادة السياسيين في لبنان وتجديد الواجهة السياسية خصوصا في الطوائف الإسلامية، فمصداقية كثير من السادة والكبراء باتت على المحك، وأمامها عشرات إشارات الاستفهام الحائرة التي لا تلاقي جوابا في الساحة اللبنانية المتقلبة، ثلة من السياسيين والإعلاميين الذين اعتادوا ان يتلونوا تلون الحرباء وأن يتقلبوا تبعا لنبضات قلوبهم، وأن يكونوا دوما وأبدا مثل الغصن الخضل أينما هبت الرياح مالت به في انتظار النسيم القادم.
الاقتصاد اللبناني أضعفته المعارك التي تدور رحاها في سورية أيما إضعاف، فقد انخفضت السياحة-وفقا لتقارير- بنسبة 90 % وتراجعت التجارة الخارجية التي كان يمر حوالي 50 % منها على الأراضي السورية تراجعا مدويا، وقد أضافت الاشتباكات الدائرة في طرابلس بين السنّة والعلويين في حيّيي باب التبّانة وجبل محسن الوضع في لبنان هشاشة على أرض هشة بطبعها، فأوقدت فتيل احتقان في الشمال الذي كان مستقرا نسبيا مقارنة بالجنوب الذي يتميز بتدخلات اسرائيل العدوانية وعنجهيتها تجاه الجمهورية اللبنانية، أو منطقة الجبل التي عرفت على مدى تاريخها صراعا طويلا مريرا ومتجددا لم تندمل جراحاته منذ 1840 بين بكركي (المسيحيين) والمختارة (الدروز)، وما منطقة بيروت المقسمة إلى شرقية (مسيحية) وغربية (سنية بالأساس) وضاحية جنوبية تم فرضها بعد 7 أيار 2008 بعصية على الاحتقان والانقسام من جديد.

هذا الوضع الجديد ينذر بتغيرات شتى قد لا تقع في الحسبان الآن، وقد تبدو وكأنها فرضيات تتعلق بعديد المتغيرات المحلية والإقليمية، وقد تستغرق وقتا يطول مداه، تغيرات قد تضاهي ماحصل في دول الربيع العربي أو تربو عليها، إلا أن الأيام هي وحدها الكفيلة بالحكم على مدى صحة القول”إن في لبنان ثورة بدون ثوار”.

بقلم: أحمد محمد سالم