جرائم الإبادة في موريتانيا..قراءة في كتاب جحيم إنال “الحلقة 4”

جرائم الإبادة في موريتانيا..قراءة في كتاب جحيم إنال “الحلقة 4”

يقدم لنا الضابط الناجي محمد سي ببساطة متناهية في كتابه المؤثر “جحيم إنال” وثائق الموت لرجال أبرياء قتلتهم الدولة المورتانية بجرم لا وجود له إلا في مخيلة الجناة. بقراءة ميسرة لهذا الكتاب نطلع جميعا مواطنين ومهتمين بشرا ومسلمين على أن القتلى العسكريين في الثكنات والقواعد والمعتقلات العسكرية؛ أشربوا الموت بسبب “عرقهم”؛ قبل أي شيء آخر. لم تكن التهم حقيقية ،إذن، الدولة الموريتانية اختلقت الأكاذيب لتصفية الزنوج- كما أوضحنا ذلك في الحلقات السابقة- ولم تستهدف العسكريين فقط وإلا فما معنى اقتياد صيادين تقليديين من فئة “سوبلبى”؟ وراعاة من “الفلان”؟وخياطين وعمال يدوين بتهمة التآمر لتنفيذ انقلاب عسكري؟ أحد المعتقلين المدنين في ثكنة “أجريدة” قادته رائحة السمك “المقززة”- عند البعض- حين انزعج منها أحد التجار؛ فتوعد بحل الإشكال قبل الغروب؛عندها داهمت سيارة للشرطة هذا المسكين ليتواعد مع غروب الشمس في ثكنة “أجريدة” حيث يطحن العذاب العرسكرين الزنوج. تهم بمحاولة الانقلاب وجرائم رائحة السمك.يقول محمدي سي سألت شيخا “سبعينيا” يدعى “دام” لماذا اعتقلت يا والدي؟ يرد العجوز اعتقلتني الشرطة وأنا أبيع “السواك” في سوق العاصمة؛ انهالوا علي بالضرب في المفوضية وأمروني بتوقيع وثقية لا أعرف محتواها!!!!أنظروا معي كيف أن السواك وهو “مطهرة للفم ومرضاة للرب” قاد شيخا مسنا إلى الهلاك.
يروي الشيخ دام قالوا إني متورط في محاولة انقلاب عسكري!! لعمري هذا مضحك،حقا !!! قضى الزمان على أسناني؛إني لا أخيف قطعة خبز في آخر أيامي!!!. الفعل الإجرامي يكشف انحطاط مرتكبه ونذالته؛هنا نكتشف ببساطة وحشية إنسان تجرد من القيم والأخلاق.

مؤسف،يقول محمد سي وهو يكشف في هذا الكتاب الشاهد الانتهاكات المرتكبة من قبل رجال يفترض أنهم حماة للسلم وللحوزة الترابية للجمهورية الإسلامية الموريتانية.وهم اليوم في الغالب عسكريون متقاعدون وجنرالات في الجيش ونافذون في هرم الدولة ومفكرون ومستشارون في الرئاسة ،منهم أيضا برلمانيون فالنائب الأول لرئيس الجمعية الوطنية السيد العربي ولد جيدين نفذ القتل وأمربه ومنهم رئيس سابق للدولة هو اليوم عضو فاعل في منسقية المعارضة ووجهاء غارقون في التواطؤ حظ امرأة نبي الله لوط.

الدمويون يتمتعون بمرجعية واحدة هي وحشية التعذيب؛ فلو أن الأمر كان مغايرا ماكان محمد سي المتواتر عليه بالصدق والوضوح يختصر ماجرى في قوله: “التعصب العنصري والاستعداد للتطهير العرقي”.
يعبرالضابط الناجي بكلمات مؤثرة التزاما لنشر الحقيقة:” أتعهد برسم الحقيقة التي عشتها في هذه الفترة المظلمة لوطني موريتانيا، دون تحريف لأية جزئية مهما صغرت لسببين أساسيين:
1. لكي أتمتع بوفاق مع ضميري وأنا أكشف للموريتانيين في المقام الأول ومن ثم للعالم بأسره إلى أي حد يمكن أن يقودنا الغباء البشري والعنصرية وكراهية الآخر والرغبة في نفيه من الوجود ونحن في فجر الألفية الثالثة.

2. سدا للباب أمام أوساط من الزنوج الموريتانيين تتصور أن كل “بيظاني” مجرم أو دموي (الصفحة11)
هذا العرض يفضح عناد السلطات الموريتانية إزاء تسليط الضوء على هذه الإبادة.إن الرجال المتورطون في أعمال القتل خارج القانون هم الفاعلون الحقيقيون في جهاز الدولة،اليوم،إنهم في كل المفاصل: الجيش، القصر الرئاسي ،البرلمان،مجلس الشيوخ،الإدارة،مفوضيات الشرطة،الأحزاب السياسية،السوق،المجتمع المدني حتى في المساجد،لكن كتاب جحيم إنال كتب ليعزل هذه الزمزة عن غيرها.لكي نتبين على بصيرة الهويات المحددة للمجرمين؛ معروفين أو مجهولين لدى الجماهير.

الملازم السابق محمد سي،يعيش اليوم لاجئا في فرنسا،خدم بلده كأي عسكري شهم.28 نوفمبر،عيد الاستقلال كان أسعد أيامه. “في ذكرى الاستقلال كنت أهرول باكرا في شوارع العاصمة فرحا بذكرى الاستقلال الوطني رفقة يحفظو والزين ولد عابدين وآخرين اتهاجا باحتفالات الجيش الذي كنت فخورا به؛ لن يعدل شيئ في حياتي هذا الاعتزاز بالجيش الوطني (الصفحة131).
هذه النشوة وهذا الاعتزاز أعقبا بالغدر القاتل؛ففي 28نوفمبر 1991عاش الملازم محمد سي ورفاقه الليلة المأساوية ،نتابع أن أضاحي هذا العيد “ضباط وجنود سود” بكل تضحية من الضحايا وبكل همجية من الجلادين ؛28 روحا قدمت قربانا شنقا على مائدة الغباء الإنساني احتفاءا بعيد الاستقلال في ذكراه الـ 30 (الصفحة122).

هذا الكتاب يعرض الصورة الدومية لنظام ينجز مشروع الموت. يتحدث الكاتب: “يتكرر نفس السناريو كل لحظة وكل يوم ؛ينهال المجرمون على المعتقلين بالضرب بالسياط الحديدية وأخرى مغلظة وبالأحزمة والعصي وركلا؛ وبكل ما يولد الألم ،لعشرات الدقائق دون توقف، وفي النهاية يأتي السؤال اليومي “ردو” يعني تحدثوا بـ”الحسانية “والمقصود اعترفوا. أعطوا أية أسماء. “الصمت يفضي إلى الموت والكلام لا يوقف التعذيب”.

في ثكنة إنال كان التعرف على العسكري الجلاد من طرف أحد المعتقلين بمثابة تذكرة على قطار الموت الخاطف،لكن كيف يطلب من عسكريين أن لا يتعرفو على إخوتهم في الجندية؛ إنهم يعرفون أصواتهم وإن تلثموا.كان الجيش أسرة واحدة. يأمر العقيد سيد أحمد ولد أبيليل بقتل كل من يتعرف على العسكريين أثناء التعذيب. ويقول :” ينبغي القضاء على مشروع “الكاشف” ظلت الثكنات والقواعد العسكرية في حالة انعزال وانقطاع عام عن العالم الخارجي . وكان استهتداف العسكرين الزنوج يميط اللثام عن مشروع مدروس بإحكام ؛هدفه إبادة نخبة من الشعب الموريتاني بدوافع عرقية يغذيها الحقد الأعمى وعنصرية الدولة الموريتانية.وهذا ما تعبر عنه شهادات الناجين.والأسباب الرخوة لاعتقالهم.وإذا كان عدد من “البيظان” تعرضوا للمضايقات لإدانتهم هذا الظلم في موريتانيا فقد تعرض أيضا عدد من العسكرين الزنوج للقتل بسبب روابط دم وأواصر قربى تربطهم ببعض الضباط؛إن الظلم لا رحم له.

“الملازم عبد الله صل جفت شفتاه من العطش وسقط أنفه وداهمه الموت بعد ثلاثة أيام قضىاها في ثكنة “إنال”.حدث هذا تحت امرة العقيد ولد أبيليل(الصفحة89).

عند قراءة هذا الكتاب الشهادة ندرك أن أيام المعتقلين كانت محشوة ؛بالعذاب حشوا.حتى أن الراحة في الزنازين كان امتحانا مرا؛لأن الجدران مصبوغة صبغا بالدماء الآدمية.وكان خروج أحد المعتقلين من زنزانته يتوقف على رغبة جلاد ملثم تنكشف هويته بخطواته وصوته كلما تحرك أو نطق.كنا نربط في سيارات “لاندروفير” ونحن معصوبي الأعين كلما قرر العقيد نقل بعضنا بين الزنانة وقاعة التعذيب أو حلبة الموت. لنتابع:” ربط الملازم آن طاهيرو خلف سيارة لاندروفير تابعة للنقيب سيدنا ولد طالب بوي إنه في الجهة المقابلة لي على اليسار، يليه الملازم منصور كان، ومن بعدهما الملازم صل عبد الله موسى. أما أنا يقول سي فقط ربطوني في شاحنة لقد خاطبني أحد الجنود(…) قائلا :مربطك هنا لأنك “الأضخم”.صبوا علي ماءا وسخا ومقززا،سمعت محرك السيارة يشتغل و أنا أتجرع في حلقي ريحا نتنة.بنزين ودخان هذا الوضع لا يمكن تحمله طويلا مع قدمين مربوطتين بالسلاسل(صفحة95).

ينتهي الكتاب بفصل مؤثر ،فشعور المعتقل وهو ينقل من ثكنة لأخرى، يترواح بين أمل في الفرج وقدر بالإعدام؛ في كلتا الحالتين فإن الرحيل من هنا هو مغادرة مكان تسكنه أرواح مؤمنة وبرئية قتلت دون وجه حق.تمسك المعتقلون بكراتمهم؛جاء الموت أو كان الفرج.بعد 23عاما لايزال الكثيرون يتقاسمون مع الضحايا هذه المعاناة.
أيتام يتساؤلون “متى يعود آبائنا” ؟؟
ثكالى غرقت عيونهن في بحر الدموع أياما طويلة!!!
أرامل تعذبهن الدولة التي قتلت الأزواج الأبرياء!!!
مواطنون مؤمنون ينصرون الحق ويبرؤون إلى الله من الظلم!!!

كادت الإبادة أن تجرف شعبا كاملا،لكن رجالا أوفياء رفضوا ذلك بكل شجاعة وإيمان . كان نداء العسكري الشيخ فال (حرطاني )على أمواج إذاعة فرنسا الدولية إنذارا بإبادة شاملة يتعرض لها العسكريون الزنوج.استفاد الشيخ فال من تكوين في الخارج بعد أن عاين اعتقالات العسكريين وعانى من هول ما يتعرضون له؛ قرر إرضاءا لضميره وانتصارا للحق وسعيا إلى لفت أنظار العام إلى مسسل القتل خارج القانون داخل الثكنات العسكرية في موريتانيا.قرر الشيخ فال فضح عنصرية الدولة. لقد بادر بصيحة لها الفضل في وقف إبادة شاملة ومحققة للعسكريين الزنوج. هكذا تم انقاذ أرواح الأبرياء. وأنزعج هرم السلطة في موريتانيا يومها أيما انزعاج بعد أن أدان المجتمع الدولي هذه الهمجية ودعا إلى وقف المجازر.هكذا بدأ تحرير الكثيرين من قدر القتل على أيدي إخوة الجندية. فأعيد البعض لوظائفهم في الجيش.وبدأت انتقادات ولد الطايع تنتشر في كل الأوساط مع انكشاف هذه الجرائم البشعة.

يقدم الكاتب محمدو سي تعزية المحب المخلص للكاتب المغوار والقلم الفذ حبيب ولد محفوظ رحمه الله رحمة واسعة وهو مؤسس “القلم” منبر إعلامي موريتاتي ذا قدم وباع في نصرة الحق. “الخليل الحبيب حبيب ولد محفوظ هو أول (بيظاني) أدان الوحشية في الثكنات وأعطاها نشرا؛حق قدرها، بقلمه المقتدر، وأسلوبه المتفرد. “(الصفحة167). ولا يمكن نسيان عدد من المحامين ؛محامي الحق ، من “البيظان” شاركوا في لفيف الدفاع عن ضحايا الفقهر والاستبداد. حيث يلمع وضاءا الأستاذ إبراهيم ولد أبتي وجابرا معروف وغيرهما من رجال يتعبدون الله عزل وجل ويتقربون إليه بنصرة الحق.

14 من إبريل،الموافق نهاية شهر رمضان، وفي جنح الليل؛ اقتحمت شاحنة الثكنة!!!! إنه النقيب مخطار حاملا رسالة من الرئيس معاوية ولد سيدأحمد ولد الطايع؛ لكن أي خطاب!!!!؟؟
لنتابع رواية محمد سي للخظاب:” اليوم، عيد رمضان،إنه يوم مقدس، رئيس الجمهورية عفى عنكم!!!قائد الأركان كلفني؛ أن أبلغكم أن تنسوا ما جرى!!!. وكمسلمين طييبن، عليكم أن تحتسبوا النكبة،انضموا إلينا في مجمع الضباط ؛حيث يمكنكم الاستحمام و الحلاقة ،في انتظار وصول المحاسب ليدفع لكم الرواتب!!! الشاحنات ستقلكم إلى بيوتكم في المدينة.” أجبته يقول الملازم- حينها- محمد سي :” إن الرئيس قوي جدا!!! يعتقلنا!!! يعذبنا!!!!ويقتلنا ثم هو يعفو عنا”.(الصفحة 167)اتهم الرئيس والجلاون الله،لكن، لكن المعتقلين السابقين يعلمون أن الله هو العدل. كان آخر فعل جماعي جمع المعتقيلن بالجلادين “الصلاة”؛ اصطف الجميع خلف المعتقل المدني السيد لام، صوته الخاشع واتقانه للقرآن الكريم، وروعة قرائته له جعلت منه إماما للمعتقلين. (الصفحة169).

أي ظلم هذا؟؟؟يوم ينطق الدم هذا أراقني….ويشد القتيل قاتله تحت العرش رب اسأله لم قتلني “.

من قتله الشرع فلا أحياه الله ومن قتل بغيا في الأرض فقاتل الله من قتله .
استشهد في ثكنة إنال وحدها 154 عسكريا من أصل 250 معتقلا.بينما بلغ عدد قتلى الثكانت 524 شهيدا أسكنهم الله الجنة.القبر الجماعي لهؤلاء الضحايا اليوم تحت ملعب كرة قدم يلهوا فيه صغار وشباب لا علم لهم ولاذنب .وتقع “إنال” أقصى شمال موريتانيا جنب السكة الحديدة قريبا من حدودنا مع المملكة المغربية.

ملاحظة: حجيم إنال تحت الترجمة بإذن من الكاتب محمد سي، يعد الترجمة الأولية جبريل جالو
الثنائي: 12سبتمبر2012
جبريل جالو :النص العربي

سلي باه : النص الفرنسي