صور نمطية للرئيس

حين يكون الوقت صيفا وتصل درجة الحرارة عتبة الخمسين في العشر الأواخر من رمضان ويكون الرئيس في أعلى قائمة الصائمين القلائل الذين لم يعملوا بفتوى معلبة تجيز لسكان المخيمات الإفطار وقصر الصلاة ، لأنهم ” مسافرون ” على عكس القاعدة الفقهية التي تقول بأن المقيم أربعة أيام يجب عليه إتمام الصلاة … ( ربما كان المشرع الذي أصدر تلك الفتوى اجتهد بأن تكون أربعة أيام أربعة عقود ) ، ومع ذلك فتلك صورة تستحق الاحتفاظ بها عن الرئيس .

حين يجلس مسكين مثلي مع الرئيس على مائدة واحدة ويأكل معه من نفس الصحن الذي لم يكن يختلف كثيرا عن صحون اللاجئات الصحراويات ( عدس ، لوبيا ، فول ، وقليل من اللحم في أحيان قليلة ) ، فتلك صورة من صور التواضع لا أظن أن أي رئيس يتسم بها .

حين يصاب ” غريب ” مثلي بالظمأ ليلا و لا يجرأ أن يدخل غير خيمة الرئيس ليشرب بينما الرئيس يتنقل أمامها ، وليس ثمة من حرس يخاف ” الغريب ” أن يعتقله بتهمة التعدي على حرمة الرموز .

حين لا يرضى الرئيس أن ينظر إلى ابنته الصغيرة ، فلذة كبده ـ وهي تجري خلفه ـ خوفا من إثارة الغيرة في نفوس أترابها في المدرسة ، والذين اختفى آباؤهم إلى الأبد وراء دخان المعركة ، فإن تلك الصورة تستحق أن يحفر لها إطار في ذاكرة كل من يفهم مغزاها ويعرف عاطفة الأبوة .

والأبهى من كل تلك الصور أن يبلغ رجل من الشجاعة والقوة حد القدرة على ملء الفراغ الذي تركه الشهيد الولي ، حتى لا أقول ملأ الكرسي الذي تركه شاغرا ، لأنه كرسي وزعه صاحبه قبل الرحيل بين قلوب من عاشروه ومن لم يعاشروه .

حين يجلس ” شاة دية ” مثلي وجها لوجه مع الرئيس على كرسي يشبه كرسي فخامته (… وبالمناسبة هذا اللقب ابتدعه ـ على ما يقال ـ بعض المتملقين والمنافقين… ) ثم يناقشه في شأن عام و لا يكون من الرئيس سوى الأخذ ببعض ما يراه مناسبا من أفكار ” شلة الدية ” ، فإن ذلك يعتبر تواضعا يعكس صورة الراعي الذي يشاور رعيته .

حين يتنازل الرئيس عن كل برتوكول متعارف عليه ويستقبل ” مقطوع نعال ” مثلي عند الباب كما لو كان يستقبل صديقا ، ويعانقني عناق الأصدقاء وهو يمازحني مستنكرا غيابي الطويل دون أن تفارق الابتسامة شفتيه ، فإن الأمر فيه من التواضع ما يجعلني احتفظ بتلك الصورة الجميلة التي يحلم كل واحدا أن يكون عليها رئيسه ، والرجل كان رئيسي أيام كانت كل الصور جميلة في أقبح أرض…أو هكذا كان يفترض …

كانت تلك بعض الصور الجميلة التي كنت احتفظ بها في ذاكرتي عن الرجل وأجاهد كي لا ” تدنسها ” شكوكي بأنه المسؤول الأول عما تعرضت له وإخواني من تنكيل على يد من يفترض بأنهم يأتمرون بأمره وينتهون بنهيه ، وذلك لاعتقادي بأنها صور حقيقية ، لكني للأسف اكتشفت فجأة أن كل تلك الصور كانت كلها صورا نمطية للرئيس بعدما قرأت عن الطريقة الفجة التي استقبل بها صحفيين شابين متميزين من أبناء جلدته ، وتذكرت كيف نكث بالوعد الذي قطعه لنا في آ خر لقاء جمعنا معه بأن يعالج الملف الإنساني المتعلق بالضحايا الموريتانيين السابقين في سجون البوليساريو ( أو على الأصح في سجونه ) ، ثم استدرجت المثل الحساني ” ألّ ما جبرت الأم ما تطمع به أحدّات ” .

محمد فال ولد القاضي