مدينة أكجوجت… صمت الحكومة وجشع الشركات

بدوا أن توماس مرلين، المدير العام لشركة م.س.م. بدأ يخرج من حجره بسبب احتجاجات العمال الذين تتم معاملتهم بكل سوء واضطهاد من طرف الشركة المحتلة والمستغلة. صرح هذا الأجنبي الذي من المفترض أنه جاء من المملكة المتحدة حيث “الحرية” و”الديمقراطية” وحرية العمال والشغيلة تعتبر نواميس وقوانين إنسانية يجب احترامها….

لكن مرلين يتجاهل أو يتناسى حق العمال في التظاهر وحق النقابات العمالية المشروعة، حيث صرح اليوم في اجتماع له مع ممثلي العمال المضربين «إن مدينة صغيرة وفقيرة وأهلها فقراء، وقد بنتها الشركة بل إن قدومنا إليها كان مخاطرة”. هذا التصريح البذيء والذي لا يليق بمسئول أجنبي منحته الحكومة فرصة نهب خيرات البلاد وحق استعباد العباد…..

قد يكون من نافلة القول أن حكومتنا لا يثير اهتمامها سوى الخلاف السياسي العقيم مع المعارضة وتمرير القوانين المجحفة في حق الوطن والمواطنين. إن حكومتنا لا تكلف نفسها عناء التفتيش أو الدفاع عن مصالح الوطن، لأنها مستعدة لبيع الوطن من أجل مصالحها الضيقة…. إن قصة مدينة أكجوجت تذكرني بقصة من الموروث الشعبي بعنوان ” كرية مندريش”. تحكي القصة أن مندريش، الحيوان الوديع والمسالم تم التغرير به وأقنعه بعض اللصوص والمحتالين أن يذبحوه ويسلخوا جلده مقابل أن يملئوه له ذهبا… وافق المسكين وهكذا مات وأكل لحمه ورمي جلده المسلوخ في العراء فوق شجرة صغيرة في سفح جبل…

هكذا هي قصة حكومتنا التي تتظاهر بالطيبوبة والبراءة أمام الآخرين طمعا في مالهم وتعرض عليهم تقديم سكانها وبيئتها وأطفالها وأرضها قربانا مقابل حفنة من الدولارات لم يتم بناء أي مستشفى ولا أي مستوصف لعلاج ضحايا السموم والأمراض الوبائية التي يخلفها جشعهم…

بدأت الحكاية في نهاية الستينات عندما تم اكتشاف الذهب في مدينة أكجوجت، المدينة المنسية على شاكلة نواكشوط. في السبعينات أخذت الشركات من الذهب والماس من رحم الأرض السخية الطيبة التي اغتصبوها ولم يخلفوا وراءهم سوى القليل من المنازل الضيقة والمتهالكة التي أصبحت فيما بعد من نصيب الدولة تطرد منها من تشاء وتملكها لمن تشاء…

لم يستمر التعاقد مع تلك الشركات في السبعينات بسبب الحرب و الانقلابات التي بدأت و الجشع العسكري في السلطة حيث سادت لغة النياشين والأوامر وغابت لغة الحوار والتنمية…. لكن اللصوص الجشعين ظلوا دائما يحاولون إقناع “مندريش” أن يمنحهم جلده وجلد أبنائه ليسلخوها ويعطوه الذهب. مع بداية الألفية الجديدة وتحديدا منذ خمس سنوات عاد الذئاب والثعالب إلي واد أكجوجت ومعهم عتاد وسموم وآلات قتل وسيارات ثقيلة ونفايات تقتل الأخضر واليابس ونصبوا ديارهم في قلب الصحراء المتوحشة وروضوا عبادها وشجرها وحطموا طرقها الضعيفة بعجلات سياراتهم….

في العام 2009 و2010 سجلت حالات وفيات بسبب التسمم وحالات أخرى من التشوه الخلقي لدى بعض الأطفال حديثي الولادة بسبب عدم تحفظ هذه الشركات على المواد الكيميائية التي تستخدم في استخراج وصقل الذهب. الذهب في مدينة أكجوجت تحول إلي نقمة ومأساة صامتة لا تتحدث عنها وسائل الإعلام ولا تريد الحكومة أن تفتح فيها تحقيقا خوفا وطمعا من المستثمرين الأجانب واحتقارا وتهميشا للمواطنين….

منذ فترة التقيت بصديقي الذي غاب لفترة تزيد عن ال6 أشهر بسبب وظيفته في شركة MCM في مدينة أكجوجت. وجدت صعوبة في التعرف على صديقي الذي بدا هزيل الجسد ونحيف البدن وترهقه كآبه واصفرار تحت جلده. لم أتمالك نفسي عندما سألته بكل أسف: لماذا يا عزيزي أنت بهذه الحالة المزرية؟ ألا توفر لكم الشركة ظروف صحية وأقنعة واقية ضد التسمم؟ لماذا لا تطالبون بحقوقكم؟ أليست لديكم نقابة تدافع عنكم وعن حقوقكم…؟

لاحظت خيوط الم وندامة وحيرة تعلوا وجه صديقي الذي أبلغني فيما بعد أنه تم فصله من الشركة بكل تعسف بحجة انه بدأ يسعل بالليل، لكن السبب الحقيقي لفصله حسب قصته هو أنه قام مجموعة من العمال بالتنسيق مع آخرين للتظاهر ضد تعسف الشركة المتغطرسة والتي لا يهمها سوى الربح ولو على حساب حياة العمال والمواطنين واندثار المدينة المظلومة، أكجوجت….

أخبرني صديقي بأن المدير المساعد وهو موريتاني قام باستدعاء أحد أعضاء النقابة ووعده براحة أسبوعين وتسبيق راتب شهر ليذهب إلي عائلته في النعمة مقابل أن يذكر أسماء المتآمرين ضد الإدارة وهو العرض الذي كان كفيلا بأن يسيل لعلب موظف بسيط لا يؤمن بأي مبادئ جماعية ولا يكترث سوى لمصلحته الخاصة ولو كلفته بيع الأصدقاء والأصحاب. لكنه من المفارقة أن المدير قام بفصل الجميع تعسفيا بما فيهم الواشي والمتملق الذي باعهم للإدارة….

إن هذا النوع من المعاملات بين الشركات والشغيلة يطرح الكثير من التساؤلات من قبيل: أين هو المجتمع المدني والنقابات العمالية من هذه الكارثة والمعاناة التي يتعرض لها عمال الشركات الأجنبية في موريتانيا بشكل عام وأكجوجت بشكل خاص؟ لماذا تلتزم الحكومة الصمت أمام هذا الاضطهاد ونهب خيرات البلد دون وازع أخلاقي ولا رادع قانوني..؟

مدينة أكجوجت الواقعة على بعد 250 كلم من العاصمة نواكشوط شمالا لا تزال كما عرفتها منذ صغري، وأنا أعود إليها الأسبوع قبل الماضي لم ألاحظ سوى سحابة كآبة وضياع تعلوا وجوه الناس وحيرة تختلط بصمت المسافرين وهم يشقون الشارع الضيق بين بنايات متهالكة من الطين في آخر رمقها….

منذ عامين تقريبا ألتزمت الشركات أن تقيم طريقا معبدا بطول 50 كلم وبعرض سبعة أمتار لتخفف الضرر الذي ألحقته سياراتها الكبيرة بالطريق الهزيل، لكن هذا المشروع لازال في طي الجيوب ولم يبدأ حتى العمل به، على الأقل منذ أسبوعين تقريبا…

هذه الشركات أيضا لا تخضع لتفتيش، بضاعتها لا تخضع للجمركة. فهي منزهة عن الخطأ و لها الحق كل الحق في استغلال ثرواتنا واستنزاف أرواحنا وقتلنا وتشويه أبنائنا مقابل أموال لم نراها ولم نسمع عنها قط….

متى ستقوم حكومتنا التي انتخبناها بخطوة فعلية لإنقاذ المدينة المنكوبة، مدينة أكجوجت الصامتة؟ أليس حريا بحكومتنا أن تضع مصالحنا كمواطنين قبل المصالح المادية للشركات؟ هل أصلا يملك الشعب خيارا أمام هذا التهميش والمعاناة والتجاهل الرسمي لقضية يعاني منها آلاف المواطنين؟