الكتابة في زمن حكم ( اجبجابه)

ينظر العديد من خبراء العلوم الاجتماعية إلى المجتمع بوصفه جهازا إنسانيا إذا مرض منه عضو تسلل الداء إلى بقية عناصره . من هنا يُفهم كيف تتفاعل مختلف آليات حياة المجمع الموريتاني لتشكل الوجه القبيح لمختلف مناحي النمط المعيشي للناس هنا . ولان الواقع يثبت أن الناس هنا تعيش على موائد الوهم المقدمة لها من طرف نظام يستمد شرعيته من قدرته على تزيف عقول الناس ، فقد اتجه ولي الأمر هنا إلى صرف جزء كبير من المال العام نحو تكثيف الدجل و الأجواء المعتمة ، مدركا بذلك أن تلك الأدوات هي التي تسمح بتضليل و تسطيح تفكير المجتمع و إنماء سذاجته . إلى جانب ذلك نجد النظام هنا يحاول أن يتستر على خبثه من خلال الاستثمار في المغالطات والشائعات عبر التباهي بالقول أنه يركز على التكنولوجيا و الحفر و استخراج و بيع الثروات ، غير أن العاملون في الحقل التقني / الأكاديمي بالبلد يؤكدون غياب أي اثر لما يروج له هنا على مستوى ارض الواقع ، سوى أن اجترار مصطلح تكنولوجيا- من قبل الإعلام الرسمي- قد أفقده جاذبيته عند الناس هنا و حوله لديهم إلى مصطلح مائع .

ما لذي يستفيده ، إذن ، نظام الحقد من هذا التلوث الفكري ؟ . ربما يكون السر في ذلك يعود إلى أن أجواء التلوث الذهني تعد بمثابة الظروف المثالية التي تجعل المجتمع مبهورا بانجازات وهمية .

ذلك أن الغباء و البدائية هي التي تسمح بأن يحاط رؤساء السرقة المنظمة بهالات الاحترام .

انسجاما مع ثوابت هذه السياسة نجده يستنفد جزا آخر من جهده في السعي لإنهاك الكتابة عبر تجفيف منابع الأطر المنتجة للفكر الحر. هذا إلى جانب إحاطتها بأجواء الكراهية .

أما الغايات فتتمثل في تكثيف الأجواء المعتمة منعا لان يرى / يقرا المجتمع صورته الحقيقة في مرآة العلوم الاجتماعية و أن يمتد ، بذلك ، الاستحمار و الاستمرار و الاستقرار لمن ينهش وطن بلا أحرار.

موضعيا ، تحتاج الكتابة عن الكتابة ، في بلد تمن فيه وزيرة الثقافة على الناس أنها مولت كتابة عنوان ندوة وهمية ، إلى ما ينفي عنها صفة وشبهة الفضول و الهراء . الكتابة ، إذن ، مجرد لغو مبتذل و سفه في بلد لا تميز فيه وزارة الثقافة بين حرفي القاف والغين .

فعلى سبيل المثال أشير إلى أن بصر بعض الناس قد اصطدم ، في شهر أغشت 2012 ، بمبنى وزارة الثقافة – بنواكشوط – و هو يحمل لافتة خط بها عبارات قيل أنها شعار ندوة بعنوان : قربة الشيح احمد بب في موريتانيا. و لعل المقصود هنا هو غربة الشيخ… . ما هو طريف هنا يتمثل في أن تلك للافتة تتبجح بأن ما هو مخطوط بها مكتوب تحت إشراف سمو الوزيرة . أما الأطرف هنا فيتمثل في أن يكتب رئيس الجمهورية ، ليلا ، على حيطان مدينة نواكشوط عبارات ينسب فيها لنفسه فضائل لم يقم إلا بعكسها …

شخصيا لن تفاجأ أمام تواصل عجز راس (النظام هنا ) عن أن يواري سوءته على المستوى الثقافي..، ذلك أن تمثلاتي الذهنية تجعلني لا أتطلع إلى أي أجابيات من أي حاكم لا يملك عمقا فكريا . لهذا أجد من البداهة أن يقف رئيس يراهن على أن البقاء للأردأ في وجه الثقافة و ضد حقوق الناس في الوظيفة و حقهم في التمسك بهويتهم .. ، و أن يحرص ، في إطار ذلك ، على تسطيح عقول الناس لكي يلتبس عليهم الحق بالباطل ، و لتبقى تلك ( العقول) حبيسة ظلمات بعض فوق بعض . لهذا ، إذن ، يحرص النظام الموريتاني أن تترك أمور التعليم الحر و المر سائبة . هدفه بذلك أن تنشأ عقليات هشة علميا، و مهترئة فكريا . ليس غريبا ، إذن ، أن تميل نوازع أي حاكم يخطط للبقاء على ظهور منهم أحق منه بالملك ، أو من تحركه أخيلة بناء مملكة اللقطاء ، نحو التعتيم لكونه يدرك خطورة الوعي الجمعي على جوره و فساده .
لن نحتاج هنا إلى تكرار الإثباتات المتعلقة بهذا الشأن ، حيث لم تعد نبرة ازدراء المعارف خافية على احد سواء من خلال السعي الحثيث إلى لانتقاص (الرسمي) من قيمة هذه العلوم أو من خلال سد أبواب المؤسسات أمام أصحاب تلك الاختصاصات . أما الأنشطة الثقافية و الفكرية فقد أصبحت محصورة في مدائح تقدم في مسرحيات الزعيم داخل مدن الخراب ، هذا إلى جانب منتديات وهمية لا يحضرها إلا أباطرة (حزب اتحاد الوزراء و المدراء )…، اعتقادا منهم أن سيدهم يراهم أين ما كانوا.

لست هنا طبعا بصدد تتبع سبل البغضاء التي يدبرها سيادة الرئيس حول الكتابة و المعارف المتعلقة بتطور الوعي الحقوقي و الفكري و الحداثي للناس ، و إنما استهدف تنبيه جزء من الرأي العام نحو بعض مظاهر تلوث وضعف الفضاء الأكاديمي الموريتاني . ومما يشهد لذلك أن أغلب أساتذة التعليم العالي هنا قد اكتتب عبر عملية تلاعب بنتائج المسابقة التي (عين ) بها .

حيث لن تنسى أجيال هذه المرحلة كيف تقايض / تشترى مقاعد الاكتتاب بوظائف وزارية ..، إلى حد يكفي لأحد الوزراء أو الوزيرات أن تقدم بعض المعزوفات الموسيقية/ المدئحية لمن يجرى الفساد تحت رعايته السامية ، لكي يمهد لها الطريق لاكتتاب أقاربها بمؤسسات التعليم العالي .

لا تشكل الممارسات المذكورة أعلاه خروجا عن التدبير الرسمي لنظام الأحقاد ، و إنما هي نهج ينسجم مع سياسة (عمومية) يشتد فيها البغضاء و الحصار على أمثالي من القابضين على مبادئ التحرر من كل أشكال الوثنية ، في وقت بات فيه المرء يغدو مؤمنا و يمسى كافرا لشدة طمعه . أنا ، إذن ، شاذ في وطني المحكوم بنظام يعز فيه أهل الطبول و المعصية / الزنا و يذل فيه أهل الطهارة . و مما يشهد على ذلك أن جميع الذين عينوا في وظائف سياسية أو اكتتبوا في التعليم العالي ، خلال السنوات الأخيرة ، هم أقل الناس علما و أقذرهم أخلاقا . و قد انكشف لكثير من الناس أن أغلب وزراء و وزيرات و مدراء الرئيس الموريتاني الحالي قد جلبوا لحظة تعينهم من مجالس السوء و أوكار الفساد الأخلاقي .

لا غرابة ، إذن ، أن تنتشر سرقة الأموال و الأفكار و الكتابة .. في أجواء نظام تتشكل بنيته التحتية من الفساد و الاختلاس .. و من هنا ننبه إلى أن الذي يهمنا من عنوان هذا المقال يتمثل في التنبيه إلى كارثية نمو الظاهرة الأكثر حضورا في مشهد الكتابة الموريتانية الراهنة . يتعلق الأمر هنا بتعاظم ظاهرة السرقات العلمية / الأدبية . حيث أصبحت الألقاب العلمية الكبيرة حصانة تمارس من تحتها سرقة جهود الآخرين ، سواء من خلال انتحال كتابات الآخرين أو تلفيق بحث من خلال السطو على أفكار الغير . و إلى جانب السرقة الأدبية / العلمية و التكرار والنقل بدون عز إلى المصادر / المراجع ، نجد ظاهرة أخطر تتمثل في إتباع بعض النفوس المريضة لمنهج التدليس . و مما يجب ذكره في هذا المقام أنني وقفت بمدينة نواكشوط على خضوع بعض النصوص التاريخية – أثناء ( تحقيقها ) – لعمليات تحريف تفاوتت بين الطمس و الحذف والدس.

و قد ساعد على هذا وجود بعض مراكز الطبع (القومي) العربي ، المختصة في نشر الأوساخ .الأمر الذي يفسر تناسل الغثاء الذي تكتظ به مكتبات البلد. شخصيا أعرف أناسا لم ينتهكوا قواعد البحث العلمي في العزو و التوثيق ، فحسب و إنما نالوا شهادة دكتوراه باطروحات سرقوها دون أن يغيروا في متنها حرفا واحدا . هناك ، أيضا ، من يؤلف كتابا بالتحايل و الغش – خاليا من البروتينات/ الأفكار- ثم ينشره بأسماء متعددة .

إجمالا أشير إلى أن للكتابة في زمن حكم الباعة.. مكائد وغرائب لا تحصى. فمالذي ستفعل (مثلا) حين ترسل مقالا لمجلة فإذا به منشورا باسم مدير المؤسسة التربوية التي تصدر المجلة ، أو تراسل به مدير تحرير مجلة ، فيأخذه برمته وينسبه لنفسه ، و مالحيلة إذا وجدت مقالا لك منشورا باسم احد أعضاء لجنة تحكيم/ قراءة مجلة راسلتها به ، هذا الم تجده مذيلا باسم احد معارفه ؟ و هل من العدل أن تتخطفك الناس لأنك لم تنجح في مسابقة مغشوشة و أن يحكم في مقالك / أو أطروحتك أو ملفك من هو أدنى منك في كل ما هو جليل ؟

من مستجدات الكتابة هنا ، أيضا ، قيام بعض تجار الكتابة بالتلاعب بعدد من المصادر الفرنسية المتعلقة بتاريخ البلد من خلال ادعاء ترجمتها إلى اللغة العربية . الأمر الذي يمكن رصده من خلال ما تلوثت به الساحة ، أخيرا ، من (ترجمات) سمتها الأساسية التحريف والتدنيس .. هنا أكد أنني قارنت بين احد نصوص المصادر الفرنسية و بين توهيم قيل أنه ( ترجمة) لهذا المصدر ، فإذا بهذه الترجمة قد قلبت معطيات ذلك المصدر رأسا على عقب ، حيث جاءت بكلام لا وجود له في المصدر . هذا إلى جانب ما شاب تلك العملية من بتر و تقطيع لمعطيات المصدر .

يتعلق الأمر هنا ، إذن ، بتقويل النص الفرنسي – (المترجم)- ما لم يقله من أجل دعم بعض الخرافات و الأساطير و أوهام القوة الشخصية و العرقية و القبلية التي تموج في جمجمة هذا المترجم و تحركه في هستريا بدائية .شخصيا لا أرى مانعا في أن تنتهك قيم البحث على أيدي أشخاص من هذا القبيل ، وهل يتحرج من مزج النص بما ليس فيه من لا يرى عيبا في أن يغش نتائج عمليات التحكيم التي وكل بها…