مدخل إلى نقد السينما الموريتانية

تعتبر السينما في موريتانيا من أهم الفنون التي تنهض بوتيرة متسارعة، وتجد إقبالا منقطع النظير من لدن الذائقة العامة والشبابية بوجه الخصوص، ولقد لعبت دار السينمائيين الموريتانيين منذ إنشائها حتى الآن دورا كبيرا في تثقيف المجتمع الموريتاني ثقافة سينمائية هادفة مليئة بالتوعية الاجتماعية والصحية وحتى الاقتصادية.

وكان عبد الرحمن ولد أحمد سالم رئيس دار السينمائيين في طليعة من تقدموا لتغيير الأفكار النمطية حول السينما في موريتانيا، وتقريبها من المجتمع المحافظ، والمتنوع الثقافات، كما مثل دور محمد ولد أدوم دورا بارزا في بث الاهتمام داخل قلوب الشباب بالفن السابع، حيث أدار عددا من نسخ مهرجان الفلم التي تنظمها دار السينمائيين، والتي اهتمت بكل من فيها من أطر فنيين ومخرجين بإبراز ملامح خصوصية المجتمع الموريتاني، وتنوع ثقافاته وبيئاته، ومن ذلك افتتاحهم لفضاء التنوع الثقافي الذي أصبح يحتضن في كل عام مهرجانا للفلم لمدة أسبوع تحت عناون: الأسبوع الوطني للفلم، وفي هذه السنة طلع علينا مهرجان نواكشوط للفلم القصير، افي نفس الوقت تخليد للذكرى العاشرة لانطلاق الإهتمام بالمنتوج السينمائي الموريتاني الذي اختطته دار السينمائيين بمبادرات فردية تكللت بالنجاح لتحصد الدعم من بعض الهيئات ولتستمر في العطاء.

السينما والواقع .. عند “عبد الرحمن سيساكو” (نموذجا)

من خلال هذه الورقة.. أتمنى أن يفهم ما فيها على أنه محاولة لإثارة بعض المواضيع حول السينما في موريتانيا، وجوانب معالجتها، والخلفيات التي توجهها، وليس النقد ههنا إلا إبراز للمحاسن التي يتمتع بها المنتوج السينمائي، محاولا فهم رموزه، والدلالات التي تبعثها هذه الأعمال، وحسبي أن آخذ مثالا على السينما الموريتانية وقد وجدته في فلم “في انتظار السعادة” لمخرجه عبد الرحمن سيساك والذي شكل بداية الإنتاج وروحا جديدا في القرن 21م، والتي اعتبرتها مرحلة جديدة تحمل بين طياتها نهضة ثقافية سينمائية فنية ليست بالخافية.

عبد الرحمن سيساكو* .. أب السينما الموريتانية الحديثة حيث استطاع بموهبته الفنية العالية أن يكتسب شهرة كبيرة ـ مكنته من أن يشارك في أعمال عالمية ـ وأن يحوز عضوية لجان نقد وتحكيم لمهرجانات سينمائية كبرى إن لم يترأسها، في نفس الوقت تشبث هذا المخرج الأول في موريتانيا بفكر ليبيرالي تحرري اختار من خلاله أن ينتقد الواقع المعاش في بلاده، بدون إخفاء العيوب التي تشوه الواقع فكأنه يقول: “لا مجال للتهرب من الواقع..”.

حكاية الفلم.

يحكي الفيلم للمخرج عبد الرحمن سيساكو”في انتظار السعادة” قصة مراهق في السابعة عشرة من عمره يعود من مالي إلى موريتانيا وطنه ليجد والدته تعيش في غرفة صغيرة في أحد أحياء العاصمة الاقتصادية نواذيبو في نفس الحوش تسكن مجموعة من الأجانب إضافة إلى فنانة تقطن الغرفة الملاصقة لتلك التي سيعيش فيها عبد الله مع والدته “سكينة”.

نحن .. والآخر ..!

في بداية فلمه “في انتظار السعادة” يطالعنا “ماكان” (وهو رجل موريتاني ذو بشرة سمراء يعمل عند شاطئ المحيط الأطلسي) يستمع إلى الراديو حيث يطلع على صوت أجنبي يأتي من خلف المحيط، من حيث يعيش الإنسان حياة راقية ، من حيث التقدم العلمي والتكنولوجي، وليس في يد هذا الرجل من ذلك العالم سوى قطعة صغيرة تسمى راديو والتي تمثل في جانبها الإيحائي الطرف “الآخر”، حيث يدفن الرجل جهاز المذياع في مكان ما في كثيب رملي قرب الشاطئ بعد انتهاءه منه، ليعود ويبحث عنه في وقت لاحق ليعجز عن العثور عليه، أي يفتقده … هل يريد المخرج عبد الرحمن سيساقو من خلال هذا المشهد أن يقول إن هؤلاء (العرب والأفارقة… المسلمون) امتلكوا يوما التقنية ولكنهم فقدوها بعد ذلك ..؟ سؤال صعب يجيب عنه المخرج لو حظينا بمقابلته شخصيا.

عزلة بين المثقف والمجتمع ..

في فلم عبد الرحمن سيساقو الذي تحت عنوان: “في انتظار السعادة” يصور لنا المخرج صدمة الجيل المتعلم في الغرب والمثقف ثقافة فرنسية حين يرجع إلى موريتانيا ، كما يعود بعد رحلته بعادات ونمط حياة جديد، يجعل حاله مختلفا عن حاله قبل السفر، ويسجل الفلم انعزال هذا الجيل بشكل تام وعدم استطاعته الاندماج في الوسط الشعبي، الذي يعجز عن التواصل معه.

وضعية البنى التحتية يرثى لها ..

الشاب عبد الله المثقف والقادم من الخارج يذهب للمستشفى للفحص ويستغرب الطبيب من الصحة التي تعتريه ، حيث يكتشف الطبيب أنه هو نفسه المريض، ويضجع على السرير المخصص للمرضى بعد أن خلع نعله القديم، في إشارة من المخرج إلى حال مجال الصحة في موريتانيا الذي عانى ويعاني من المرض والهشاشة ومصاب بالتلف لقدم تجهيزاته.

شفقة تدفع إلى مبادرات خير ..!

هؤلاء القادمون من الغرب والمثقفون ثقافة فرنسية يشرعون في نشر وتعليم ما نهلوا من معارف في غربتهم بعد أن رأوا التخلف والجهل الذي يعم مواطنيهم، ويمثل ذلك تعليم “عبد الله” للصغير “خطره” تهجي اللغة الفرنسية، والذي صوره لنا المخرج بطريقة فنية بالغة الدقة.

كذلك يهتم المخرج بإبراز المبادرات الشخصية للحفاظ على التراث من خلال تصوير بعض صور الفن التقليدي الموريتاني “الهول” في خيمة “النعمة بنت الشويخ” وهي تعلم فتاة حديثة السن كيفية الغناء، وفي يدها الأداة الموسيقية النسائية ذات الأوتار المسماة “آردين”.

المغتربون يسأمون من الاغتراب.. لكن لا بديل ..!
عبد الله يسأم من حياة الغربة حين يغادر بيت فرنسي (في نواذيبو) يقدم له الخمر ويفتح له التلفاز على برنامج ثقافي باللغة الفرنسية، يرفض عبد الله العودة من جديد وداخل بلده للإحساس بشعور الغربة، وهو يعيشها في وطنه، ويسعى عبد الله جاهدا إلى الاندماج في مجتمعه و وطنه لكن دون فائدة.

استيراد للوعي .. !

يحاول “معطى” وابنه “خطرة” (وهما يعملان في صيانة كهرباء المنازل) استيراد الكهرباء من غرفة مجاورة للغرفة التي يسكن بها عبد الله و والدته، حيث يريد عبد الله أن يحظى بضوء يستطيع من خلاله مطالعة الكتب، وتريد والدته أن يكون الضوء على الأقل مفرجا عنه وحدته التي يعيشها داخل وطنه، والضوء يرمز به المخرج عبد الرحمن سيساكو للوعي.

كأن المخرج يريد من خلال محاولة “معطى” استيراد الكهرباء من الغرفة المجاورة الإشارة بشيء من الرمز إلى محاولة الجيل الأول ـ والذي يمثله هنا الكهربائي معطى ـ استيراد الوعي والتقنية والمعرفة … إلخ، لكن المخرج يحول تلك المحاولة إلى نتيجة سلبية تكون الفشل وفقدان الأمل حين يحتار معطى من عدم اتقاد المصباح الذي تأكد من صحة تركيبه ومن جودته، في حين يحاول الطفل “خطرة” إقناع والده معطى بأن المصباح “حتما سيضيء”، مؤكدا له أن عليه “تكرار المحاولة”، لكن أي من محاولات خطرة لا تجد آذانا صاغية.

اليأس وفقدان الأمل لدى الأجيال السابقة..

وهنا يشير المخرج إلى انعدام الأمل الذي أصاب الجيل الأول الذي أسس الدولة ولم يكمل المسيرة في أن يطور ويبني البلاد لتدخل باب التنمية من أوسع أبوابه، بينما هناك من الجيل الصاعد (والذي يمثله في الفلم الطفل خطرة) من يتملكه الحماس ويسعى بأمل من أجل إصلاح الأخطاء وإنجاح وتطوير الخطط التي رسمها الآباء.

العجب والانبهار بالقشور المستوردة
وفي الفلم رسم من خلال الصورة السينمائية لواقع الانبهار بقشور الثقافة الغربية فـ “ماكان” و وصديقه يستلمان هديتين من صديقهما الصيني والذي يعمل بائعا متجولا في شوارع العاصمة الاقتصادية نواذيبو، وتكون الهدايا ألعاب أطفال، يصورها الفلم على أنها ـ في موريتانيا ـ شيء عظيم يستحق أن ينبهر به الكبار، إما لأنهم لم يلعبوا قط.! أم أنهم لم يروا مثل هذه الألعاب والتي يرونها تحفا.

الهجرة إلى أوروبا
كما أن الفلم يصور لنا حال الشباب المغرم بالهجرة إلى أوروبا بسبب ما يعاني منه في وطنه من البطالة وقلة الخيارات المطروحة أمامه، فيقرر الشاب الأسمر “عمر” أن يهاجر عن طريق غير شرعية إلى إسبانيا، فيصدم صديقه العزيز “ماكان” حين تجد الشرطة جثته بعد يوم ملقية على ضفة شاطئ المحيط بسبب غرق المركب الذي كان يقله.

اقتصاد منهك..
ومما ينتقد الفلم من واقع موريتانيا ضعف الاقتصاد المحلي وتدني قيمة الأوقية الموريتانية، وليست الصورة التي قدمها المخرج قاصرة عن إيصال تلك الفكرة من خلال ثنائية التمثيل والتلقي، حين تفكك كرموز دالة، فنحن نرى في الصورة الطفل “خطرة” يلعب بورقة من فئة 1000 أوقية، والتي تفقد قيمتها مباشرة حين يسقط “الخيط الأخضر” والذي يصل بين قطبي الورقة، مما يعرض الصبي للتوبيخ من طرف والده “معطى”، وفي هذا دلالة على ضعف العملة وبالتالي هشاشة الاقتصاد تبعا لذلك.

ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ

(*) ـ المخرج عبد الرحمن سيساكو موريتاني من مواليد 13 أكتوبر 1961 عاش طفولته في مالي وعاد إلى موريتانيا ثم غادر إلى موسكو، حيث درس السينما في VGIK (معهد جرازيموف للسينما) من عام 1983 إلى عام 1989، ثم استقر في فرنسا ابتداء من 1990.

هو مخرج سينمائي ومنتج عمل كثيرا في مالي وفرنسا، جنبا إلى جنب مع عثمان سمبين، سليمان سيسي، وإدريسا وادروجو، وهم من المخرجين القلائل في إفريقيا الذين وصلوا إلى العالمية. عرض فيلمه في انتظار السعادة في مهرجان كان 2002، حصل فلم باماكو عام 2007 على الكثير من التقدير، شارك سيساكو كعضو لجنة التحكيم في مهرجان كان السينمائي في عام 2007، معظم أفلامه تتضمن موضوعات عن العولمة والنفي والتشريد، أول أفلامه اللعبة عام 1989. وشارك في عام 2007 ضمن عدد من المخرجين في الفلم الجماعي حكايات عن حقوق الإنسان، وشارك مؤخرا