عاد الرئيس.. ماتت الديمقراطية

عندما كنت أشاهد حفل الإستقبال الذي “نظمه” “أنصار” الرئيس على الطريق الرابط بين القصر والمطار قفزت إلى ذاكرتي مشاهد بغيضة لمراحل من تاريخ الإستبداد السياسي لا تشرف الوطن و اعتقدنا أنها مضت إلى غير رجعة ولكن قوى النفاق والوصولية مصرة على إبقائها والتمكين لها كلما عنت لهم فرصة ليذهبوا في انتهازها كل مذهب يقنعوا حاكم البلاد أنه ليس شخصا عاديا وإنما هو إله يعبدونه ويسبحون بحمده.

فليس صحيحا أن المستقبلين أحبوا الرئيس وتعلقوا به، كما يدعون، لأنهم أصلا نوع من البشر إما أنه لا يحب ولا يتعلق وإما أنه يحب ويتعلق بكل من يجلس على الكرسي، فهؤلاء هم نفسهم من أحبوا وتعلقوا بسيدي ولد الشيخ عبد الله وأحبوا وتعلقوا باعل ولد محمد فال و”كانوا قبلهما أحبوا بل عشقوا “معاوي من مثله سيد” وهم يحبون ويتعلقون بالرئيس المقبل الذي لم يزل في رحم الغيب لأنهم مجبولون على “سيادة وفخامة الرئيس”أي رئيس سواء عليهم أكان عاقلا أو مخبولا عسكريا أو مدنيا فاسدا أو مصلحا فهم ينافقون منصبه لا شخصه ويطمعون في ظلمه لا عدله.

إن تحويل عودة الرئيس إلى الوطن بعد رحلة علاج إلى حدث تاريخي بعيد كل البعد عن مبادئ الديمقراطية لأنه يخالف مبدأ المساواة بين البشر فالرئيس شخص كغيره يمرض ويشفى يحيي ويموت يذهب ويعود ورحم الله الفاروق عمر الذي كان يفترش التراب وينام في العراء آمنا بعدله.

لقد كانت كل مظاهر اليوم قتلا واضحا لآخر مظاهر الديمقراطية وإمعانا في الفساد الذي يقال لنا إن فخامته يحاربه وإلا فما معنى أن تهدر الملايير في تنظيم الكرنفالات والإحتفالات استقبالا للرئيس؟أليس من الأفيد أن تذهب تلك الأموال المهدورة ظلما وعدوانا إلى دعم المواد الغذائية حتى تشبع بطون آلاف بل مئات آلاف الجياع في أحياء الصفيح وفي قرى وأرياف ومدن البلاد؟ ولماذا لا توجه تلك المليارات إلى زيادة رواتب الموظفين والعمال الذين لم يضف إليهم الرئيس سنتا واحدا منذ قدومه الميمون إلى سدة الحكم؟ وماذا ينفع هدر المال العام في استقبال الرؤساء؟ ألا يزيد ذلك الأزمة الإقتصادية استفحالا؟

لقد أثبتت الإدارة الموريتانية اليوم أنها متعهد حفلات لا أكثر ولا أقل كما أن وسائل الإعلام الوطنية الرسمية اليوم أثبتت أنها بريئة بل بعيدة من الحياد الذي تدعيه..فمن المخجل والمخزي أن نرى صحفيين في التلفزة الموريتانية يقبضون رواتبهم من أموال دافعي الضرائب يمجدون الرئيس ويشتمون المعارضة ويتهمونها بالكذب..فهل في ذلك شيء من الديمقراطية التي نسمع عنها ولا نرى؟

إن الإعلام الرسمي الذي عاد أو لنقل أعيد إلى عهد الشمولية الذي يذكرنا بنظام كوريا الشمالية بكل غموضه لم يكن أحسن أداء اليوم من بعض الأحزاب السياسية والشخصيات “المحترمة” التي تفاخر بديمقراطيتها ولكنها تمارس النفاق سبيلا لتحقيق أهدافها السياسية وهي تدرك في قرارة نفسها أنها لا تريد الديمقراطية لأنها ببساطة شديدة تقوم على الشفافية وتناقض النفاق.

إن ما جرى زوال اليوم على طريق المطار قد أعاد البلاد إلى المربع الأول في عدة نقاط:

أولا: أن الرئيس الذي كان متمردا على أسلوب من سبقوه في إقامة حفلات التمجيد قد رضخ لمنطق محازبيه فقرر معهم أن يكفروا ويكفر عن سيئات الماضي فيقيموا حفل استقبال يعوض ما فاته وفاتهم من التبذير والعبث .
ثانيا:أن الرئيس الذي أقام الدنيا ولم يقعدها وبنى كل دعاياته على شعار محاربة الفساد قد تراجع فعلا عن هذا الشعار فهاهو المال العام يهدر رغم حاجة الناس والبطون إليه.

ثالثا: أن اختصار مشاكل وطن ورهاناته في عودة الرئيس والإيحاء بأن الأزمات ستنتهي عندما يعود هو أمر من السخافة بمكان.. ولسوف يدرك المستضعفون الذي حشدوا كما يحشد القطيع عندما يعودون إلى بيوت الصفيح أن الرغيف الذي يحتاجه أبناؤهم لم يأت مع الرئيس.

رابعا: إن إرغام موظفي الدولة وعمالها على حضور الإستقبال يشكل استهانة بكرامتهم واستهتارا بحقوق الإنسان فهؤلاء الموظفون يعملون للدولة ويتقاضون رواتبهم مقابل الدوام اليومي في المكاتب وليس ثمة ما يجبرهم على حضور ما لا يريدون حضوره فهم كغيرهم من المواطنين مختلفون في وجهات نظرهم بين المعارضة والموالاة ومن حقهم أن يقرروا ما يفعلون.

وبكل اختصار فإن ما جرى اليوم أفرحنا بعودة الرئيس ولكنه أحزننا بموت الديمقراطية فرحم الله معاوية ما أعدله.
(الشيء بالشيء يذكر: في يوم 27 يونيو 1995 تعرض الرئيس المصري السابق حسني مبارك لمحاولة اغتيال لم تكشف تفاصيلها حتى اليوم، وعندما عاد للقاهرة استقبلته مصر الرسمية استقبالا لم تستقبل به لا عبد الناصر ولا السادت بتنظيم من الحزب الوطني وابتداء من هذا التاريخ كاد الرجل يحسب نفسه إله وفي العام 2011 سقط مبارك تحت أقدام الثوار لأنه احتقر شعبه فتبخر الحزب الوطني وبقيت مصر).

(المفارقة: في الديمقراطيات العريقة يخشى الحكام ويتابعون استطلاعات الرأي حتى ينالوا رضى شعوبهم وأن لا يكونوا قد أغضبوها وفي “الديمقرايطية” الموريتانية يحرص الساسة والمواطنون على رضى الحكام ويتجنبون سخطهم).

اللهم لا شماته..طيب الله ثراكم

محمد ولد شيخنا