مسالخنا بكاميرا جنين إعلامي !!/د/ محمد ولد الخديم ول جمال

إن منبرا يتبنى الحرية – لم يكن ليجد النور لولا المناخ العام الذي ينعم به الوطن الآن- كان حريا به ألا يطلق الأحكام جزافا مع سبق الإصرار والترصد، وكأنه طرف بدل أن ينير الرأي العام كصاحب رسالة، وأن يتناسى على الأقل مؤقتا لونه السياسي وأدلجة مشاربه والتقوقع أو الانحشار في زاوية “مع أو ضد” الضيقة ..!

فالحقيقة يجب أن تبقي سامية مرتفعة على التجاذبات السياسية والنظرات الفئوية ومحاولة تسجيل النقاط هنـــا وهناك.. فالحقيقة أعظم وأقدس من أن تدوسها الأجندات وتخدش كنْهها الاختلاقات فبركة وتحجيما وتضخيما، أو تُنتهك قدسيتها بالرتوشات السافرة دبلجة، تحريرا، مونتاجا وإخراجا .

ولعل مشاهدة برنامج تلفزيوني لإحدى قنواتنا – الناشئة – عن مسالخ نواكشوط أو بالأحرى عن مسلخة الميناء يعطي انطباعا متشائما عن المستوى الذي تتحرك وفقه هكذا قناة !!

فالبرنامج من ألفه إلى يائه كان انتهاكا صارخا للمهنية وتحديا مُهينا للمشاهد واستغباء فاضحا لعقله، فضلا عن حيفه المشين اتجاه منشأة وطنية عملاقة، تقوم بمهمتها العظيمة ليظل المواطن في مأمن من المخاطر الصحية.

وأعتقد أنه ليس تزلفا ولا تكلفا في السير في ذاك الاتجاه أن أفند كل ما قيل وصُوّر جملة وتفصيلا؛ لأني الأمين على ذلك أو كما يقال: “خريت مشتبهاته ومشكلاته” من جهة بحكم ممارستي اليومية لتفتيش اللحوم في هذه المسلخة، ومن جهة أخرى فالكل يتذكر أني من أُوَّلِ من ضغط على أزرار الفزع ودق ناقوس خطر داهم كان يلوح في الأفق؛ إذ أعْلَنْتُ في تصاريح ومقابلات إذاعية ومن خلال مقالات عديدة أن المسالخ حينها بعيدة كل البعد عن المستوى المطلوب، سواء من حيث كادرُها الفني، أو من حيث استعدادُها الذاتي لمواجهة الأوبئة المهددة للصحة العامة، إلا أن الوزارة تداركت التقصير ودعمت فريقها البيطري بخبرات متخصصة .

فكان حريا بهذا الفريق الصحفي أن يسلط الكاميرا ويُسخِّر الوقت ويؤدي المهمة بشكل آخر: فهل نسي الفريق الصحفي الموقر وهو في طريقه إلى المسلخة أن يأخذ لنا صورا حية من الممارسات الخطيرة التي تتم خارج المسلخة:

ذبح غير شرعي .

أرضيات قذرة لا تخضع لأبسط معايير السلامة .

غياب الوعي الصحي .

وهل نسي كذلك أو تناسي أن يستضيف أهل التخصص ليستفيد، ويفيد من خلالهم المشاهدين ؟!
وهل نسي أنه ولا مرة شرفنا بتقديم المثال بإخضاع ذبائحه للتفتيش الصحي بدل أن يأوي إلى زاوية مظلمة كغيره من المتمادين المدمنين الكُثر على هذه الممارسة الخطيرة ؟! وهل نسي أن ضيفه الذي اختار انتقائيا ليس جزّارا ولا مستهلكا؛ بل مجرد مقاول جلود ؟!!

وأخيرا هل علم أن مسرحيته التي أخرج لم تكن بمستوى “الصرعة”؟! وأنه لا ازدحام على شباك تذاكرها ؟!
وختاما فلكم – سادتي القراء – أن تتصوروا أن مساحة المسلخ تزيد على 2000 متر مربع، وأن الكاميرا ظلت مسلطة على مساحة لا تتجاوز بضعة أمتار، ولكم أن تتصوروا كذلك أنه في ذات الوقت كانت توجد ذبائح ومفتش بيطري يزاول عمله !.

د/ محمد ولد الخديم ول جمال