“الجزيرة”…فى قسم “الطوارئ”..!!

اطمئنوا فقناة “الجزيرة” بخير والحمد لله، ومازالت تتغنى بأهازيج “الربيع العربي” رغم تلبد بعض أجوائه بسحب ليست “سحب صيف” هذه المرة، فسحب هذا “الربيع” قد لا تكون مجرد سحب عابرة…كل ما في الأمر أن “الجزيرة” نقلتها إدارة “مركز الاستطباب الوطني” فجأة إلى قسم “الطوارئ” المعروف لدينا محليا ب”الحالات المستعجلة”، حيث تم نصب شاشة فاخرة وعالية الدقة، تبث برامج القناة على مدار الساعة، ومباشرة أمام “غرفة الاستقبال” التي هي المحطة الأولى لأي مريض يزور القسم، بل المركز كله، وطبعا لن تلحوا علي بالسؤال عن بقية المحطات التي ينبغي للمريض المر وربها أو”منها”، بعد الزيارة الأولى (الأخيرة أحيانا) لغرفة الاستقبال تلك..!!

وجود البث “الحي” لقناة “الجزيرة” في قسم “الطوارئ” وفي أكبر مستشفى وطني في البلاد، وأمام أخطر غرفه، وأكثرها حساسية وحركية، أمرقد يثير بعض التساؤلات المشروعة، فنصب شاشة عملاقة وبصوت “محجم” عند مدخل “غرفة الاستقبال”(حيث تبلغ القلوب الحناجر عادة وتذهل كل مرضعة عما أرضعت وتضع كل ذات حمل حملها ويختلط حابل الموتى بنابل الأحياء) حين يكون المريض في وضعية استثنائية، ويكون مرافقوه – وحتى أطباؤه وممرضوه- في وضعية صعبة (درجة اللون البرتقالي) بالنظر إلى مستوى الضغط النفسي والمادي لحالة المريض، أمر محير حقا قد يجد الكثيرون صعوبة مستحقة في تفسيره، فالغالب أن المستشفيات تحث زوارها على الصمت، واحترام المرضى ووضعياتهم، وأتذكر تلك اللوحات التي كنا نعمل تحتها في قسم “الأمراض الباطنية”( قبل أن يكتشف البشر أمراض “القولون” وخطورة “الرصاص” ) بنفس المستشفى، والتي أتت عليها “الأرضة”، وغابت ملامحها اليوم من على جدران القسم..لوحات تحمل عبارات من قبيل “رحم الله من زار وخفف”، و”الصمت”، و”مريضك بحاجة للهدوء”، أما أن يتم اختيار قناة نشاز “مرتفعة الصوت”، ومثيرة للجدل، وليست على الأقل قناة وطنية أو دينية، لتستقبل المريض في المستشفى (وربما تودعه أيضا إلى مثواه الأخير) بأصواتها، وتحليلاتها، واتجاهاتها، وإعلاناتها، وثورياتها، وربيعياتها، فهو أمر جديد تماما على المستشفيات، التي قد تزود قاعات راحة الأطباء والممرضين والإداريين والانتظار، وصالات المطعم، أو الإدارة، بشاشات بث تترك لنزلاء تلك القاعات حرية اختيارها، ولكن من غير المعهود أن تزعج مريضا بحاجة للراحة بصوت قناة قد لا تكون من “أنكر الأصوات” غير أنها من أكثرها إزعاجا للأصحاء، فما بالك بالمرضى ومرافقيهم..؟!

في الواقع – ومن باب حسن الظن بإدارة مركز الاستطباب الوطني- (وبما أنني من “شبيحة” وزارة الصحة كما يقال) فإنه يمكنني التكهن بأن للأمر علاقة بعلاج نفسي للمرافقين، في انتظار توفير علاج طبي لمرضاهم (قد يستغرق البحث عنه ما يكفى مثلا لمتابعة حلقات من “شاهد على العصر أو الثورة” وحلقات من “الشريعة والحياة” وحلقات من “حديث الثورة” وحتى لمتابعة نقل مباشر لثوار سوريين يرقصون “الدبكة” بعد أن قصفهم النظام السوري ببراميل معبئة بغاز الخردل) فمرافق المريض لابد أن يشعر بأن وضعية مريضه حسنة ومستقرة، حتى ولوكا ن في غيبوبة، وهو يرى “الشريط الإخباري” ل”الجزيرة” أو يستمع لنشرتها(على رأس الساعة أو رجلها) وهي تتحدث عن (مائة وأربعين قتيلا على يد قوات الأسد في سوريا من بينهم مائة وأربعون طفلا ومائتا امرأة حامل وسبعون شيخا مقعدا وعشرات المكفوفين ومائة وستون شخصا أعدموا بعد موتهم) و(مقتل سبعين شخصا في العراق) و(ثلاثمائة من “الروهينغا” قتلوا حرقا) و(مقتل عشرات المتظاهرين ضد الرئيس المصري محمد مرسي ب”سكتات قلبية” جماعية قبل تدخل الحرس الرئاسي لإبعادهم عن قصر الاتحادية) و(مقتل عشرات الليبيين في حادث سير بعد هروبهم أمام قوات الثوار التي كانت تريد منعهم من الموت بسبب حوادث السير) و(مقتل سبعمائة صومالي) و(ثلاثمائة سوداني) و(عشرين أفغانيا) و(ألف وستمائة فلسطيني) و(سبعون مسلحا في شمال مالي) و(ألف شخص بسبب الأعاصير في أمريكا) و(مصرع مائة شخص بسبب “العصائر” في قطر) و(مائتان بسبب البرد في فنلندا) وهكذا..!!

نعم لابد أن مرافق المريض – لو أتيح له أن يجد ثانية واحدة من الوقت لمتابعة “الجزيرة” – (لن تتاح له تلك الفرصة يقينا) سيشعر بأن مريضه مستقر الوضعية، فعلى الأقل لم يمت اليوم مع كل هؤلاء، مما يعنى أن “في عمره بقية” (مازالت له صرطة) وقد يدفع هذا “الشعور النفسي” الطيب مرافق المريض إلى اكتساب “جرعة” معنوية قوية (ومجانية عكسا للجرعات العلاجية التي ينتظر مريضه الحصول عليها) تخفف من وطأة الضغوط التي واجهته من نقل المريض إلى المستشفى، وحتى استلام وصفة طبية قد يعجز أحيانا عن الحصول عليها، غير أن هذا الشعور لدى المرافق ليس له تأثير مباشر على وضعية مريضه، فهو تحت وقع صدمة الألم والتوتر النفسي، الناتج عن وجوده في تلك الأجواء (غير الاحتفالية) التي لا صوت فيها يعلو فوق صوت “الآلة الحدباء”(شاريو)..!!

سيظل هذا الأمر بالنسبة للكثيرين محيرا، إذا لم يقتنعوا بان للأمر علاقة بالعلاج النفسي، خاصة وأن ما تبثه “الجزيرة” من أنباء (تزول العقل) وصور (تقشعر لهولها الأبدان) قد يعطى نتائج عكسية، تجعل المشاهد ضحية لنوبات صرع أو صدمة أو خوف أو ارتباك نفسي (هيستيريا) بمضاعفات عصبية وبدنية مديدة، وإلا لما اعتذرت (أحيانا قليلة) عن بث بعض الصور” لما قد تسببه من أذى للمشاهدين”، وأذكر أننا مرة استقبلنا في قسم “الحالات المستعجلة” (قبل أن تدخله قناة “الجزيرة”) فتاة في العشرين من عمرها، في حالة غيبوبة تحت الصدمة، والسبب – حسب مرافقيها – هو أنها كانت تتابع فلما من أفلام “آكشن” ووقعت صريعة، عندما أدخل “بطل الفلم سيفا (هنديا) “بتارا” في جسد أحد خصومه (لعله “شيف دى باندى”)، فخرج من ظهره إلى بطنه، و لربما تصورت – لقربها من الشاشة، وتركيزها المضاعف عليها، و لهول المشهد أيضا – أن السيف اخترق الشاشة، ليخترق جسدها، فغابت في عالم رعب لا نهاية له..!!

وبغض النظر عن هدف إدارة مركز الإستطباب الوطني من “إلزام” المرضى بمتابعة قناة “الجزيرة” – مهما كانت وضعياتهم – وإنصافا للمرضى ومرافقيهم، لابد من مطالبة إدارة المركز بنقل “الجزيرة” (قد لا يتطلب الأمر هنا توفير “آلة حدباء”) من قسم “الطوارئ” فورا، ليس إلى قسم “العناية الفائقة”، أو “بيت الرحمة” ولكن وتخفيفا على الإدارة نطالب المركز فقط بإبعاد “الجزيرة” عن متناول المرضى ومرافقيهم، ونصب شاشتها (إن كان ولابد) في مكتب المدير، أو في مكاتب بعض الإداريين الذين لا شغل لهم إلا النوم، أو”الشاي”، وإذا كانت إدارة المركز مصرة(لاعتبارات غيبية) على إبقاء “قناة” تبث في قسم “الحالات المستعجلة”، فلا أقل من أن تنصب لهم شاشة قناة قرآنية تبث “ختمة” بصوت جهوري حنون، لأحد أشهر القراء الموريتانيين، أو العرب ، أو المسلمين، أو على الأقل محاضرة وعظية، أو درسا عن كيفية التخفيف على المريض، قبل تلقينه، وتغسيله، وتجهيزه،ومرافقته ، ودفنه، والصلاة عليه، والدعاء لنا، وله، ول”الجزيرة” ولمركز الاستطباب الوطني بالرحمة والمغفرة..!!
حبيب الله ولد أحمد