12/12/2012 الــــرقم “الذهبــــي”

يحيلنا هذا الرقم تلقائيا إلى حقبة معاوية ولد الطايع الذي حكم موريتانيا أطول فترة عرفتها وأكثرها ضبابية وتحولات. لكن التركيز على معاوية، مع أن اليوم يوم ذكرى وصوله إلى السلطة قبل 28 سنة رغم الاطاحة به منذ سبع سنوات، يجد مبررا آخر وهو أن مدرسة معاوية ماتزال تمسك بزمام الأمر في البلد إلى اليوم.

قال الرئيس السابق السابق محمد خونه ولد هيدالة في مذكراته لما تطرق للكلام عن معاوية أنه لما كان رئيسا للوزراء في حكومة هيدالة كان (أي معاوية هو ومدير ديوانه لوليد ولد وداد يقدمان صورة وردية عن أو ضاع البلاد لا تمت بصلة إلى الواقع مثل كلامهما عن مصفاة النفط في انواذيبو أنها تتوفر على فائض 45% بينما هي في واقع الأمر تعاني عجزا بقيمة 800 مليون أوقية…على نفس مذهب المغالطة يسير “الدوزدوزيون” إلى اليوم!

معاوية مجرد نموذج من الأحكام العسكرية التي تعاني منها موريتانيا ولا يختلف عنهم بكثير إذا ما استثنينا طول فترة حكمه، وهي مسألة تبين مثالب الأنظمة، إذ كلما شاخت كلما فسدت خاصة إن كانت مبنية أصلا على الانقلابات وعدم الشفافية.. لذلك نجد أهم الديموقراطيات في العالم لا تسمح بتجاوز أي نظام لفترة من 8 إلى 10 سنوات في حالة تم التمديد له طيلة ولايتين. بل لا تتعجبوا إذا علمتم أن عمر ابن الخطاب قد أوصى ذات مرة أن لا يتجاوز أي من ولاته أكثر من 4 سنوات!

12/12 الصناعة الفرنسية

في معرض حديثه عن ملامح الانقلاب ضده يتطرق هيداله لبعض المؤشرات ومن بينها زيارة غير مبرمجة لقائد الأركان الفرنسي “لاكاز”. ويقول هيداله أنه حين سأل الجنرال الفرنسي عن سبب الزيارة، رد عليه أنه يعتقدون أن المغرب يخطط للقيام بعمل ضد موريتانيا وقد جاء ليوجه رسالة ضمنية إلى المغاربة: أن فرنسا تقف مع نظام هيدالة.
هذا مجرد مؤشر لمن يشككون أحيانا في الغطرسة الفرنسية على الساحة الموريتانية وخاصة التورط في الانقلابات منذ 12/12 إلى 06/08/2008 (أسوأ انقلاب عرفته موريتانيا في ميزان المؤسسات الدستورية والأنظمة المدنية).

لقد رعت فرنسا الانقلاب على الديموقراطية في موريتانيا بكل فجاجة!

12/12 أخطر المآخذ

تورط نظام ولد الطايع في عدة قضايا أرهقت البلد على المستوى الاجتماعي والسياسي والاقتصاي، بل عرضته أحيانا لهزات عنيفة ما تزال تجلياتها حاضرة إلى الآن.

ولعل قضية تصفية الضباط والجنود الزنوج هي وصمة العار التي لا يمكن أن تنمحي بسهولة، حيث تمت إعدامات ضد هؤلاء المواطنين دون محاكمات، بل حتى تم هذا الإعدام بطريقة لا تمت إلى الإنسانية بصلة. وقد تمادى نظام ولد الطايع في نكران هذه المجازر إلى آخر رمق منه. لكن الأسوأ من ذلك هو تحصين من تورطوا في مثل هذه الفظاعات ضد أي محاكمة محتملة ولو تلاها العفو أو التصالح.

إن هذه الجريمة بالإضافة إلى جرائم أخرى ـ أقل خطورة على المدى القريب ـ مثل إحياء النظام القبلي وإذكاء الصراعات الجهوية والعرقية من أجل بقاء الحكم أطول فترة، أمور هددت المجتمع في صميم وحدته، وهددت كيان الدولة. وما تزال أغلب هذه القضايا نائمة ولم يتم علاجها بما يكفي من المصارحة ولا من المصالحة. رغم أن نظام سيدي محمد ولد الشيخ عبد الله قام بخطوات جدية في هذا الإطار وفي إطار محاربة مخلفات الرق قبل أن يباغته “الدوزدوزيون” بردة فعلهم. والأسوأ من ذلك أن بعض حملة لواء محاربة العبودية والإرث الانساني أرادهم سيدي شركاء فعليين واليوم يريدون أن يكونوا تباعا لعزيز الذي يمانع!

كما أن العمل على نشر ثقافة الفساد بصورة لم يسبق لها مثيل، واستشراء شراء الذمم وانتشار الرشاوي وتزوير الانتخابات، وبيع شركات عامة ومراكز وأقطاب الاقتصاد الوطني لمقربين من ولد الطائع كان له الأثر السيء على اقتصاد البلاد وتنميتها. لقد انتشرت الأمية وارتفعت معدلات البطالة، وضعفت العملة الوطنية في عهد ولد الطايع خاصة سنواته الأخيرة، كما تدهور التعليم وقطاع الصحة. لقد كان نظاما فرديا عسكريا بامتياز رغم محاولاته التجميلية المتعددة والفاشلة.

إن الجانب السياسي هو الآخر لم يكن أحسن حظا حيث تم تزوير الانتخابات (حتى انتخابات بلديات الريف زورت) لصالح الحزب الجمهوري (جهاز أمن الدولة الشعبي ومركز الفساد السياسي والمالي والأخلاقي الذي يرثه الآن حزب الاتحاد من أجل الجمهورية ومشتقاته). هذا علاوة على مذمة التطبيع وسجن المعارضين بمن فيهم رؤساء الأحزاب المشرعة، ومصادرة الصحف والجرائد وغيرها.

12/12 وخلفاؤه

أخطر جناية قام بها نظام 12/12 ليست ماتم التطرق له بإيجاز كبير، بل في وصاية عقلية وممارسة 12/12 التي مهدت الطريق بغرسها ورعايتها للفساد لاستمرار أنماط من الحكم تشبه 12/12 وإن اختلفت الظروف والسلوك إلى حد ما.

لقد دمر 12/12 المؤسسة العسكرية وأبعد الضباط الأكفاء وهمشهم، وراهن على الزبونية والولاءات الفردية والجهوية إلى حد أغرقه من حيث لا يشعر (كما تدين تدان).

لقد راهن معاوية على الحلول الأمنية ضد مخالفيه السياسيين وهو ما مكن أجهزته الأمنية من التغول حتى تمكن مدير أمنه اعل ولد محمد فال ورئيس حرسه محمد ولد عبد العزيز من الانقضاض عليه غداة ال5 أغشت 2005.

وقد رحب جميع الموريتانيين بهذا الانقلاب أملا في تغيير يبعد العسكر عن الحكم ويمنح البلد فرصة النهوض من جديد ولو متأخرا (عارضت السيدة السالكة في مبادرة حماية الدستور الانقلاب، كما عارضه حمود ولد عبدي عن طريق الخطأ).

انقضت الفترة الانتقالية الأولى بعلاتها ونهبها وتكريس هيبة الدولة فيها لصالح بعض الأطراف السياسية وتم انتخاب سيد محمد ولد الشيخ عبد الله بدعم من العسكر واعترف به الجميع كأول رئيس مدني منتخب في تاريخ البلد. وكان سيدي قادما من خارج دائرة 12/12 وثقافتها. لقد كان من رجالات موريتانيا الأول الذين عرفوا بداية الجد في محاولة بناء الدولة مع الرئيس المؤسس ولد داده.

لكن بقايا رواد 12/12 لم يرق له قيام نظام مدني في موريتانيا. كان قائد حرس 12/12 حامل لواء هؤلاء بل كان هو فقط المركز والفاعل بما يملكه من قوة عسكرية ورثها من معاوية وعضدها في الفترة الانتقالية الأولى ثم بترقيته جنرالا كمكافأة من طرف سيدي.

كان عزيز يجسد “الشخص ـ الدولة” حتى قبل انقلابه، كان فوق القانون. كان رمزا لشرعية القوة. قام رئيس حرس 12/12 بانقلاب فج، وكان أسوأ انقلاب حتى من حيث الإخراج. إذ عجز حتى عن صياغة “البيان1″ كما دأبت القوى الظلامية الانقلابية في كل مساراتها.

جاء سطر واحد ركيك مترجم ـ على الأغلب ـ ليعلن أن المجلس الأعلى للدولة يعتبر قرار إقالة الضباط لاغ لاغ! لكن ماهو المجلس الأعلى ؟ لما تم؟ لم يتضمن البيان أي شيء! كان حماقة ساذجة! كان ردة فعل غير موفقة… كان نتيجة مبارزة عضلية فقط غير متكهن بها!

الحفاظ على تراث 12/12

جوهر نظام 12/12 يكمن في نقطتين وهما: النظام العسكري بثياب مدنية، والفساد المالي.

ومازال حراس 12/12 يجسدون هتين النقطيتين إلى أبعد الحدود. صحيح أن نظام عزيز يختلف عن ولد الطايع من حيث مستوى الحريات العامة والانتخابات الشكلية، ويعود ذلك بالأساس إلى أن هذه كانت أسباب الخروج على ولد الطايع والتمهيد للإطاحة به. من هنا تعلم تلميذ ولد الطايع هذا الدرس. كما تعلم أن المال العام وهيبة الدولة كفيلة بحسم أي نتيجة انتخابية في مجتمع فقير أمي إلى حد كبير.

لكن هنالك نقاط تفوق فيها حراس 12/12 على ملهمهم، حيث اختزلت الدولة في شخص واحد، وتسارعت وتيرة والفساد، وحيث باشر رأس النظام السهر على مصالحه المالية الضخمة بشكل سافر. هذا علاوة على التهور الذي قاد إلى أحداث 13 اكتوبر و”رصاصة صديقة” إذ أصبحت سلوكيات الرجل الأول الخاصة على المحك.

لم يسبق أن تم اعتقال الأساتذة بالعشرات في عهد 12/12 الأول، ولا استخدم النواب لتبرير الانقلابات بتلك الوقاحة التي تمت في عهد حراس 12/12، ولا عطلت المؤسسات الدستورية. كما لم يسبق أن اختطف جندي حي من وسط المدن، ولا مهاجمة قيادات المناطق العسكرية بالسيارات المفخخة، هذا بالإضافة إلى سقوط أكبر عدد من ضحايا الجيش في ظل النظام اليوم (عملية رمضان ونتائج حاسي سيدي وغيرها). وبالتأكيد لم يحرق أي مواطن نفسه احتاجا على الأوضاع السيئة في عهد 12/12 الأب رغم سوء الظروف، ورغم حرقه لمواطنين عدة رغما عنهم، وهي عملية حرق تستمر إلى الآن بما ورثه منه حراسه السائرون على نهجه.