كتب يعجز العيس حملها

تكاد تطيح بي ــ وأنا أفكر في العودة إلى بلدي موريتانيا إن شاء الله ـ لوعة توديع مكتبة غنية فكم فيها من مخطوط حقق، وكم فيها للمالكية من أحلام تتحقق. ومفارقة أحباب كرام كانوا “لنا جلساء ما يمل حديثهم * ألباء مامونون غيبا ومشهدا… “تحسبهم وإن شط بهم “المزار”*بعض ساكني تلك الدار.

لتعاودني كلمات حبرتها عام أول في عودتي الماضية السنوية كما تقتضيه الدراسة في المغرب وهي خواطر لما تنشر بعد وبيان جاء فيه أنني حينما أسافر إلى موريتانيا وأنا أحمل في جهاز عندي مكتبتين الأولى منهما فيها ما يزيد على المكتبة الشاملة المعهود ة التي تحمل عشرة آلاف كتاب، بل إن فيها ما يزيد على تسعة وسبعين مما يسميه أهل الصناعات المعاصرة بـ”اجيكا” ولا أعرف مرادفا له بالعربية للأسف، ومكتبة أخرى تضم ستة ومائة وهي موافقة للمطبوع حسبما أخبرني بذلك الأخ الذي زودني بها وهو أحمد زندول المراكشي الذي لقيته بترتيب من زميلي يعقوب بن الكوري جزاهما الله عني خيرا، وكل ذلك مما يجعلني أتذكر قول العلامة باب بن أحمد بيب في الشيخ سيديا إبان قدومه من المغرب وهو يصطحب كتبا كثيرة:

“أتيت بكتب يعجز العيس حملها *** وعندك علم لا تحيط به الكتب

“وشتان مابين العائدين. ويا بعد ما بين الظرفين عصر شظف العيش و”شدائد العلم والتحصيل” وعصر الأنترنت والخلود للراحة إذ تعج مكتبات ورفوف عصرنا بمجلدات الكتب، لكنها لا تزخر بمن يمتلكون ناصية العلم الذي لا تحيط به الكتب.

إن أول هذا البيت السابق “أتيت بكتب يعجز العيس حملها قد ينطبق علينا اليوم لا آخره عندما نتحدث عن “حمولة “أوإبل ذلك العصر التي أتعبها نابغوا شنقيط الأوائل بضرب آباطها إلى العلماء وحمل كتب العلم واتخاذها مدرسة له كما أتعبوا من بعدهم فسبحن الذي بعث لتلك الكتب ذاكرات تحفظها وقيض لها من يضم بين جنبيه علوما تعدل أحمال إبل كثيرة.

حينما كانت كتب العلم ثقيلة على نعم ذلك العصر،ليكون هنالك تكافؤ بين هذين مثل ما سخر تلك الأنعام وما أعظم كرم من يسر لنا أهل هذا الوقت حينما ضعفت هممنا وأذهاننا عن حمل العلم أجهزة تحمله ومن العجيب أننا ـــــ وإن تركنا ما هو هو متاح لنا من تلك الوسائل لنعوض ما رمى به وقتنا من المشاغل فإن أهل ذلك العصر لم يتركوا الاستزادة أو التزود من الكتب ومن أمثلة ذلك الكثيرة ما جاء في ذلك البيت المتقدم قريبا من تغطية لتلك العودة الميمونة للشيخ سيديا الذي كان مكتبة تمشي على وجه الأرض بل إن عنده من العلم ما لا يوجد في الكتب كما وصفه بذلك العلامة بابه بن أحمد بيبه في عجز بيته الذي مر معنا آنفا بقوله:

“أتيت بكتب يعجز العيس حملها *** وعندك علم لا تحيط به الكتب

“بل إن بعض علماء شنقيط كان لا يرضى بمفارقة الكتب في حضر ولا سفر وقد حكى هارون بن بابه ابن الشيخ سيديا ـــــ في كتابه الأخبار عن الشيخ أحمد يعقوب أحمد يعقوب بن محمد بن ابن عمر الذي قال في ترجمته: إنه كان عنده طلبة للعلم يدرسهم أنواعه… وإنه كان لا يسافر إلا ومعه جمال موقرة بالكتب. (راجع الأخبار مخطوط بحوزة ابن المولف الفاضل بابه ـــ حفظه الله ـــ الدفتر: 23، ص 523-524).

ومما يؤكد قول المؤرخ هارون هذا وحرص ذلك الشيخ على اقتناء الكتب واصطحابها نص وثيقة كتبت بعد وفاته وهي بحوزة أسرة “أهل ابن عمر” بخط محمد المختار بن المعلوم جاء فيها: “ليعلم الواقف عليه من أئمة المسلمين أني قبضت واستوفيت وحزت من تلاميذ الشيخ أحمد يعقوب عشر أحقاق ـــ وردت في تلك الوثيقة مخطوطة هكذا ولعلها: حقاق ــــــ في ما كان عليه من ثمن كتب عبد المعطي قبضا وافيا معاينة بحضرة وفد آل أتفاق موسان والسلام وكتب محمد المختار بن المعلوم” وكتب تحتها عبد المعطي ــــ و لعله ابن الحاج ــــ: “وكتب بعد عبد المعطي” وكتب حبيب الله بن اند ومحمد عبد الرحمن بن المبارك: “وأنا أشهد على ما سطر فوق حبيب الله بن اند وأنا كذلك محمد عبد الرحمن بن المبارك”.

راجع تحقيق هذا العبد الضعيف للقصيد المذهب للعلامة محمد الخضر بن حبيب نسخة مرقونة بحوزتي ص: 15 وأصله الذي هو رسالة قدمت للمعهد العالي للسنة الجامعية 2006 ـــ 2007م لنيل الإجازة. وقد تشرفت بإشراف الشيخ محمد الحافظ بن اكاه عليها إذ ذاك.

ومع ما تقدم من حمل هذا الشيخ للكتب فقد كان عالما مشاورا فقد ذكر كاشف بن بيبيا في فتواه في الحبس أنه شاوره. راجع فتوى كاشف ابن بيبيا في الحبس مخطوطة عند آل الصف. ص: 4 – 5. وكتاب (الأخبار) مصدر سابق الدفتر 23 من النسق الأول، ص: 521 و 522.

ومثل هذا الحب للكتب والأنس بمرافقتها ما يروى عن العلامة عبد القادر “قار” الذي انتهى إليه علم آل محمد بن محمد سالم أنه كان كثيرا ما يحمل الكتب في سفره وأنه قيل له في ذلك فأجاب بأنه إنما حملها لحل الإشكال وإقامة الحجة وقد سمعت ذلك من الشيخ محمد الأمين بن محمد الحسن “أباه ” في دروسه بالمقاطعة الأولى بانواكشوط مرارا .