مدير وكالة التنمية الحضرية وعقدة التسلط!

يقال إن التواضع دليل على سمو النفس، والتكبر عكس ذلك.. ويقوم هذا الرأي على أساس تشبيه، أجده واردا تماما، بين المفاهيم الحسية وبين صور الحياة الطبيعة المادية، تقريبا للفهم وإجلاء لأي التباس محتمل.

ذلك أن من يعيش في برج عال أو يقف على قمة مرتفع، والناس في الأسفل فينزل (تواضعا) للقائهم والتواصل معهم؛ لكنه حين يجعل من صعودهم إلى مستواه شرطا للتلاقي معهم؛ يتحول إلى “متكبر”..

وفي المقابل، نجد بعض من في السفح، أو الأرض الواطئة، يسعى للصعود من خلال الحرص على وضع سلالم أو درجات تجعله يرتقي ـ ولو قليلا ـ عن بقية المحيطين به، فيلتحق بصنف “المتكبرين” لكن دون بلوغ من هم في قمة الهرم، وغالبا ما يتدحرج نحو الأسفل كلما حاول الصعود، وربما تدحرج من منتصف المرتفع أو أعلى من ذلك فيكون السقوط أكثر إيلاما وأشد وقعا.

إنها أفكار فرضت نفسها وهي تدور في ذهني قبل أيام وأنا داخل أروقة إحدى الإدارات العمومية في نواكشوط، حيث عاينت مشاهد حية تعكس صورة تلك المقارنة الدقيقة بين الحسي والمادي تتجلى أمام ناظري واقعا حيا..

كنت متواجدا داخل مقر وكالة التنمية الحضرية في مقاطعة لكصر بنواكشوط، رفقة صديق لي وزميل سابق في العمل، فرأيت ما يكفي للتعبير عن حجم المشاكل التي يعاني منها سكان الأحياء العشوائية في نواكشوط، وفي مقدمتها انعدام الانسيابية في عمل المصالح والإدارات العمومية في بلادنا..كان الانسداد سيد الموقف دون منازع.. عشرات النساء، من فئات عمري مختلفة، وأكثرهن مسنات، تجمعن على أرضية مدخل الوكالة وجلسن على درجات سلالمها، وبشكل أكثر كثافة، جلس بعضهن وبقي أخريات يتدافعن ويتزاحمن كلما اقترب المرء من بوابة مكتب المدير العام للوكالة.

وبينما يجلس بواب عند باب المدير ممسك بمفاتيحه، ويقف عند مدخل الرواق حرسيان حازمان لمنع أي من أصحاب المظالم والمواطنين من الاقتراب من المكان؛ يبقى الطريق سالكا أمام رجال تظهر عليهم ملامح البورجوازية مظاهر الثراء ليدخلوا “بسلام ’منين” إلى مقام المدير وسط ابتهاج وترحيب الحراس والبواب.

تمضي الساعات ولا يتغير المشهد، لتظهر “الطلعة البهية” للمدير، وهو يخرج من مكتبه (اخيرا) يرافق أحد المتنفذين ويعطي “تعليمات” لبعض الموظفين بالإسراع في تلبية ما يريد، مع توصية (من باب التأكيد) للحراس بإدخاله دون تأخير إذا جاء في أي وقت!

وعندها تتجمهر حشود المتظلمين وضحايا “الترحيل” حول الرجل الذي أنيطت به مسؤولية حل مشاكلهم وإنهاء معاناتهم.. هذه رحلت من أرضها لتمنح لغيرها، وهذا دمر بيته ولم يتحدد مصيره وآخر نازعه تاجر ثري في قطعة رض حصل عليها بعد معاناة وجهد جهيد… يريدون الإنصاف وتحقيق العدالة ورفع الظلم عنهم.

كان رد المدير على هؤلاء حازما: “نحن منشغلون كما ترون.. سننظر في الأمر لاحقا”.. يدخل مكتبه ويعود البواب ليحكم إغلاقه عليه.

كان المشهد مدعاة للشفقة، والقلب ينفطر لسماع حكايات تلك الجموع وكم هي مؤلمة مرارة الظلم، التي لا يوجد ما يضاهيها أكثر من سد أبواب الإنصاف أمام المظلومين والمستضعفين.

اكتشفت ـ بأسى بالغ ـ ما يفعله الموقع الوظيفي ببعض الأشخاص، حيث يحولهم من أناس بسطاء تغلب عليهم مشاعر المحبة والشفقة، إلى متسلطين متجبرين تطبع قلوبهم القسوة وتعمي بصائرهم المصالح النفعية الذاتية عن أداء أمانة رعيتهم (كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته).

بقلم : سيد أحمد ولد جدو

Jedou2009@gmail.com