يوميات شخص عادي جدا (13)

لما كنت طالبا في الثانوية في النصف الأول من عقد الثمانينيات كنت أتخيل أن الزمن سيظل يسير بتكاسله المعهود، وبخطواته المتثاقلة، وأن العام 2000 لن يأتيني على حين غرة، ولكن الذي حدث في عقد التسعينيات كان مخالفا لكل توقعاتي. لقد قرر الزمن، وبشكل مفاجئ، ومن دون أن يعلن عن ذلك رسميا، أن يسرع من خطاه، فعبر عقد التسعينيات مسرعا وكأنه كان في عجلة من أمره، ولم أشعر بعبوره إلا بعد أن وجدتني مرميا على قارعة العام ألفين من قبل أن أحقق شيئا مذكورا.

كنت أعتقد بأن العام 2000 لن يُطِل بأصفاره الثلاثة، إلا بعد أن أكون قد حققت من الإنجازات ما يكفي لأن يشغل الناس لقترة من الزمن، ولكن ذلك العام أطل بوجهه الشاحب، وأنا لا زلت عاطلا عن العمل أبحث عن وظيفة.

في بداية رحلة البحث عن وظيفة كانت شروطي كثيرة، ولم أكن لأقبل بأي وظيفة، ولكن تلك الشروط ظلت تختفي شرطا بعد شرط حتى اختفت تماما مع إطلالة العام 2000. وما حصل معي هو ما يحصل في العادة مع الفتاة التي تحدد وهي في مقتبل عمرها شروطا كثيرة للقبول بمن يتقدم لخطبتها، ولكن تلك الشروط تبدأ في الاختفاء كلما اقتربت الفتاة من مرحلة العنوسة، حتى يأتي الوقت الذي تكتشف فيه بأنه لم يعد لديها من الشروط لقبول الزواج، غير شرط واحد، وهو أن تجد زوجا يقبل بها.

هذا هو ما حصل معي بالضبط، فلم يأت العام 2000 إلا بعد أن اختفت كل الشروط، ولم يعد لدي للقبول بأي وظيفة غير شرط واحد، وهو أن أجد وظيفة تقبل بي، ولم أجد في ذلك العام من وظيفة تقبل بي، سوى وظيفة مدرس لنساء أميات في قسم من أقسام محو الأمية بمدينة سيلبابي.

هكذا نقلني عقد الثمانينيات بكل عجرفة من كبير علماء “ناسا”، كما كنت أحلم، إلى مدرس لنساء أميات في مدينة سيلبابي في مطلع العام 2000، وبذلك تكون قد طُويت صفحة رتيبة من حياتي، لِتُفتح صفحة أخرى أكثر رتابة، وهي صفحة لم يعد كاتب الرواية يتحمس كثيرا لتقديمها للقراء، وهذا ما جعلني، عند الشروع في سرد أحداث هذه الحلقة أذكره بأن العقد الذي وقعت معه عند البدء في كتابة هذه اليوميات يُلزمه بأن يُكمل كتابة كل حلقات الرواية بنفس الحماس الذي بدأ به كتابة حلقتها الأولى.

فما كان من كاتب الرواية بعدما ذكرته بالعقد المبرم بيننا إلا أن قال بنبرة غاضبة:

ـ كان يوم نحس ذلك اليوم الذي أبرمت فيه معك عقدا لكتابة سيرتك حياتك الرتيبة، ولا أدري ما الذي جعلني أقبل ببنود ذلك العقد، ولا أدري أيضا ما الذي جعلني أقبل أصلا بكتابة سيرة حياتك الرتيبة دون أن يكون لي الحق في أن أضيف لها ما يقلل من رتابتها.

لقد كان عليك ـ يا أيها الشخص العادي جدا ـ أن تقبل بالهزيمة يوم تنازلت عن حلمك الكبير في أن تصبح كبير العلماء بناسا. وكان عليك أن تختفي بشكل كامل وسط الزحام بعد أن قبلت بأن تكون أستاذا لمحو الأمية، فلو أنك قبلت بالاختفاء من المشهد لأرحت نفسك ولأرحتني معك، فلماذا لا تريح وتستريح؟ وما الذي تريدني أن أكتبه عنك الآن؟ وبأي كلمات يمكنني أن أخرجك من الزحام؟ لقد ضعت في الزحام يوم قبلت بأن تكون أستاذا لمحو الأمية، وستظل ضائعا فيه إلى أن تغادر دنيانا الفانية.

وبماذا تريدني أن أملأ صفحات هذه الحلقة والحلقات التي ستأتي بعدها؟ فهل تريدني أن أملأها بتكرار عبارات من نوع: كتََب أستاذ محو الأمية حرف الباء على السبورة؟ أو بأكل الأستاذ؟ أو نام الأستاذ؟ أو جاع الأستاذ؟ ثم إنه عليك أن تعلم بأن القراء سيهجرون يومياتك عندما يعلمون بأنها لا تختلف ـ حتى في تفاصيلها الصغيرة ـ عن يوميات أي واحد من ملايين الناس الذين يعيشون معهم وسط الزحام.

وهنا سكت الكاتب قليلا، فما كان مني إلا أن قلت بصوت ساخر:

ـ مشكلتي الحقيقية ـ يا “كاتبنا العظيم” ـ هي أنه ليست لديَّ القدرة الكافية للصعود بك إلى القمة، لذلك فقد قررت ـ وفاءً لصداقتنا ـ أن أبقى معك وسط الزحام.

ـ لا أريد ردا ساخرا.

ـ إذن فما دمت لا تريد ردا ساخرا، فأعلم يا كاتبنا الكريم، وهذا ما أريدك أن تنقله لقرائك الكرام، بأني لن أقبل أبدا بأن أضيع وسط الزحام كما ضعتَ أنت، لن أقبل بذلك حتى ولو عشتُ حياتي كلها في القاع، منكبي بمنكبك، وساقي بساقك. وقل لهم أيضا يا كاتبنا الكريم أن كل ما في الأمر هو أن العام 2000 الذي كان شاهدا على موت حلم غير طموح ( كبير علماء “ناسا”)، قد شهد في المقابل ميلاد حلم جديد أكثر طموحا.

ـ وأي حلم لديك يمكن أن يكون أكثر طموحا من حلمك العابث بأن تصبح كبير علماء “ناسا”؟
ـ لن أجيبك على هذا السؤال في هذه الحلقة، وقد لا أجيبك عليه إلا في الجزء الثاني من الرواية، ولكني في المقابل سأسرد عليك وعلى قرائك بعض التفاصيل المتناثرة هنا وهناك، والتي ربما تكون قد ساهمت في رسم وتشكيل حلمي الجديد الذي استبدلت به حلمي “العابث”.

لقد جئت إلى مدينة سيلبابي وحيدا بلا حلم. جئتها ورأسي فارغ من أي حلم. تلك حقيقة لا أستطيع أن أنكرها، ولكني لم أترك تلك المدينة إلا بعد أن امتطى عقلي وقلبي حلم كبير وعظيم تنوء العصبة من الرجال بحمل جزئية واحدة من جزئياته.

جئت إلى سيلبابي وأنا عازم على أن لا أدَرس إطلاقا في أي قسم لمحو الأمية، فحملات محو الأمية لم تكن إلا مجرد مسرحيات، والراتب المتواضع الذي كنت أتقاضاه مقابل تدريس الكبار، لم يكن بالنسبة لي إلا مجرد تعويض اجتماعي يجب على الدولة أن توفره لي في انتظار الحصول على وظيفة تليق بشخصي الكريم، لذلك فقد أصدرت فتوى خاصة بي، تبيح لي أن أتقاضى راتب أستاذ لمحو الأمية دون أن أكون ملزما بتعليم الكبار.

لم أكن أفكر في تدريس الكبار، ولكن بعد قدومي لمدينة سيلبابي بدأت الأمور تأخذ منحى مناقضا تماما لما كنت قد عزمت عليه، وربما يكون ما حدث حينها قد شكل الإرهاصات الأولى لميلاد حلم عظيم يكاد حمله الثقيل أن يهلكني حتى من قبل أن أتمكن من تحقيق جزئية واحدة من جزئياته.

لقد تعرفت على نساء أميات طيبات في الحي الذي تم اختياري للتدريس فيه، وكانت من بينهن من لا تحفظ آيتين من أم الكتاب، لذلك فقد وجدتني ملزما لأن أعيد النظر فيما كنت عازما عليه.

فتحت القسم في حي النزاهة، وفي أغلب مدننا أحياءٌ تحمل ذلك الاسم، وإن كانت لا تحمل الصفة، وبدأت أستقبل بعض النساء الأميات في الحي، وبدأت الدروس تنتظم شيئا فشيئا، والإقبال يزداد شيئا فشيئا. ولكن الغريب الذي سيحصل بعد ذلك هو أن الأستاذ سيتحول إلى تلميذ، أما النساء الأميات فإنهن سيتحولن بقدرة قادر إلى أستاذات يقدمن للتلميذ الأستاذ دروسا أفضل بكثير مما تعلم في الجامعة.

لقد قررت ومن أول حصة أن لا أكتب لتلميذاتي تلك الجمل البائسة التي كان ينقلها بعض أساتذة محو الأمية من الكتب المقررة في المرحلة الابتدائية، فيكتبون لهم مثلا: عندما أستيقظ في الصباح أغسل وجهي بالماء والصابون، محفظتي جميلة، خديجة تلعب في ساحة المدرسة…

كنت أحترم تلميذاتي احتراما كبيرا، وكنت أحترم عقولهن رغم أميتهن، لذلك فكنت أستخدم معهن طريقة مختلفة عن المنهجية السائدة في ذلك الوقت في تدريس الكبار، هذا إن كان هناك أصلا من يدرس الكبار.

ولقد أجبرتني تلك المنهجية التي ابتدعتها على الإنفاق من راتبي الزهيد لشراء بعض الأشرطة الصوتية لفضيلة الأستاذ محمد ولد سيدي يحي، خاصة منها تلك التي تحوي دروسا مبسطة عن الطهارة والصلاة. وكنت أطلب من تلميذاتي أن يستمعن بتركيز شديد لواحد من تلك الأشرطة خلال جلساتهن المسائية أو الليلية المعهودة، وكنت في الحصة الموالية أطلب منهن أن يحدثنني عما تعلمن من الشريط.

كما أني اشتريت لهن من راتبي الزهيد بعض الكتب المبسطة، وقد أهديت لكل واحدة منهن الجزء الأول من القرآن في طبعته المعروفة والمكتوبة بحروف كبيرة تتناسب مع مستوياتهن التعليمية. بل إني في بعض الحالات كنت أقدم لهن ـ من أجل تحفيزهن ـ جوائز نقدية متواضعة من راتبي المتواضع.

وأذكر أني في إحدى حصص التربية المدنية بدأت الحصة بالحديث عن الصدقة وعن أوجهها المتعددة، فقلت لتلميذاتي، بأن في كل تسبيحة صدقة، وفي كل ابتسامة في وجه أخ صدقة، وفي الكلمة الطيبة صدقة، وفي إعانة الرجل على ركوب دابته صدقة، وفي إماطة الأذى عن الطريق صدقة، وكان ذلك هو مدخل تلك الحصة التي تم تخصيصها لنظافة الشارع.

وفي الحصة الموالية، وبعد مراجعة حصة التربية المدنية اكتشفت أن جل طالباتي حاولن أن يطبقن ما تعلمن، فإحداهن قالت بأنها ظلت تسبح على طول الطريق الرابط بين السوق ومنزلها، وثانية قالت بأنها تصدقت بماء جلبته لمسجد الحي، وثالثة ابتسمت، ورابعة نطقت بكلمة طيبة، وهكذا.. والغريب أني أنا الذي كنت أمثل دور الأستاذ، كنت هو الشخص الوحيد في القسم الذي لم يحاول أن يستفيد من الدرس، ولم يفكر إطلاقا في أن يطبق أي معلومة من تلك المعلومات. وقد شكل ذلك درسا هاما بالنسبة لي، وهو بالتأكيد سيظل من أهم الدروس التي تعلمتها في حياتي.

وأذكر أيضا بأني تخلفت عن حصص بسبب المرض، فإذا بتلميذاتي العجائز يزرنني بشكل جماعي أثناء مرضي، ولما قلت لهن بأنه لم يكن هناك داع لأن ينتقلن كل هذه المسافة الطويلة لزيارتي، قالت لي إحداهن ألم تقل لنا في القسم بأن من زار أخاه المريض صلى عليه سبعون ألف ملك؟ فَلِم تريد أن تحرمنا من هذا الأجر الكبير؟ وكان ذلك درسا آخر يقدمنه لي تلميذاتي الأميات. ولقد تذكرت في ذلك الوقت بأن بعض طالباتي كنت يتغيبن عن بعض الدروس بسبب المرض، ورغم ذلك فإني لم أفكر في معايدة أية واحدة منهن رغم أني كنت أقدرهن جميعا، وأحترمهن كثيرا، وأسأل دائما عن حالهن.

كانت تلميذاتي يعاملنني وكأني أستاذ مثالي، ولكن حقيقتي لم تكن دائما كذلك، فقد كنت أترك المدينة في بعض الأحيان في الفترة المقررة للتدريس، وبالتالي فقد كانت الدروس تتعطل. أما في الأوقات التي كنت أتواجد فيها بمدينة سيلبابي، وهي بالمناسبة ليست بالقصيرة، فقد كنت حريصا على الحضور، بل إنه يمكنني أن أدعي بأني كنت أكثر حرصا على الحضور من الطالبات أنفسهن، وهن المعروفات بحرصهن الشديد على الحضور.

أما الجهات الرسمية المشرفة على العملية ( وزارة وسلطات جهوية) فلم يكن يهمها من أمري شيء، ولم تكن تسأل عن حضوري ولا عن حضور أي أستاذ آخر لمحو الأمية إلا في حالات محدودة جدا، وهي تلك الحالات التي تكون هناك زيارة رسمية لوزير أو لأي مسؤول آخر ترافقه وسائل الإعلام الرسمية.

كانت أقسام محو الأمية تفتح من قبل مجيء الوفد الزائر بدقائق، وكانت تغلق بعد ذهاب الوفد بلحظات معدودة، وتظل مغلقة حتى زيارة أخرى. وكان الشيخ الوقور يستجلب لقسم محو الأمية من قبل مجيء الوفد، وذلك لكي يكذب كذبة تنتشر في كل الآفاق التي يصل إليها بث القمر الصناعي العربي (عربسات).

كان الشيخ الوقور يأتي مصحوبا بدفتر حفيده الذي يدرس في سنة ثانية أو ثالثة ابتدائي، ثم يفتح الدفتر أمام كاميرا التلفزة، ثم يقول: إنما تشاهدون في هذا الدفتر قد كتبته بيميني هذه، والتي لم أكن أعتقد أن بإمكانها أن تمسك قلما، من قبل مجيء أستاذنا هذا، ومن قبل فتح هذا القسم الذي تعلم فيه الكثير من الأميين من قبلي.
حتى شيوخ المحاظر وأئمة المساجد فقد تم تدريبهم ـ وبشكل مكثف ـ من طرف وزارة التوجيه الإسلامي على الكذب والحيل والخداع، رغم أن الوزارة تم إنشاؤها أصلا لبث القيم الفاضلة في المجتمع.

كانت الوزارة لا تسلم الراتب لشيخ المحظرة أو لإمام المسجد المكتتب في حملات محو الأمية، إلا من بعد أن يجمع ـ وبشكل مسرحي ـ خمسين شخصا من الجيران والأصدقاء والمعارف، ويقدمهم يوم توزيع الرواتب على أساس أنهم أميون يدرسون في قسمه الوهمي.

وكان البعض من أولئك ممن تم عرضه على أساس أنه من الخمسين التي لابد من توفيرها، يسبق المسؤول الزائر إلى المدرس المجاور لتكثير سواد الأميين هناك، ثم إلى مدرس ثالث، وحتى إلى رابع، وهكذا. وكانت الوزارة على علم بذلك، وكانت تشجعه وتدعمه، لأنها كانت تعلم بأن الخمسين أميا التي اشترطتها لدفع الراتب كاملا لا يمكن عمليا أن يتم تدريسها في قسم واحد، ولا يمكن جمعها في وقت واحد، ومن حي واحد يوجد به العشرات من الشيوخ والأئمة وحملة الشهادات الذين يتنافسون ـ نظريا ـ على جمع أكبر عدد من الأميين في الحي.

كنت أتألم كثيرا لذلك الحال، وكان ما يؤلمني أكثر هو أنه لم يكن بوسعي أن أفعل شيئا لأوقف تلك الموجة العارمة من الكذب ومن الحيل والخداع التي كانت تصاحب حملات محو الأمية، والتي دفعت برئيس منظمة غير حكومية لأن يتجرأ ويقول في تلفزة موريتانيا بأن منظمته وضعت خطة وبدأت في تنفيذها، وأن خطتها التي رسمت ستقضي على الأمية في موريتانيا، كل موريتانيا، خلال ستة أشهر فقط.

كانت هناك فجوة كبيرة تتسع حملة بعد حملة بين الجهود الميدانية المبذولة لمحاربة الأمية، وبين ما يقال في الإعلام الرسمي، ذلك الإعلام الذي كاد أن يقول للناس بأن وزارة التوجيه الإسلامي في موريتانيا قد قضت نهائيا على الأمية ليس في موريتانيا فحسب، بل وفي كل دول غرب إفريقيا المجاورة.

ولأني لم أتعود على السلبية، فلم يكن بإمكاني أن أظل مكتفيا بدور المتفرج، لذلك فقد أعددت دراسة ميدانية سجلت فيها كل ما تمكنت من رصده من أخطاء كانت تمارس في حملات محو الأمية، ولم أكتف برصد الأخطاء بل إني قدمت تصورات ومقترحات استلهمتها من عملي الميداني في مجال تعليم الكبار.

وكانت تلك المقترحات تهدف في الأساس، إلى أن تستعيد حملات محو الأمية شيئا من مصداقيتها، فهناك حقيقة قل من يعرفها، وهي أن نسبة القضاء على الأمية كانت أعلى في السبعينيات والثمانينيات من قبل أن تكون هناك إدارة لمحاربة الأمية، من نسبة القضاء عليها، بعد أن تم إنشاء وزارة خاصة بمحاربة الأمية.

ولقد أرسلت أربع نسخ من تلك الدراسة التي كانت تحت عنوان: “الأمية في موريتانيا: مشاكل وحلول” إلى الرئيس السابق معاوية (النسخة الأولى عن طريق مكتب الاستقبال بالرئاسة، والثانية بالبريد المضمون، والثالثة بالبريد السريع، والرابعة مع والي كيديماغا)، ولم يفتني أن أشيد بأهمية محاربة الأمية في مقدمة تلك الدراسة، وكنت أريد من ذلك أن أفتح شهية الرئيس لمطالعة الدراسة بكاملها، إن هي وصلت إليه. فمن يدري فربما تجعله الدراسة يكتشف البعد المسرحي في حملات محو الأمية التي كانت تنظم في عهده؟

وبعد مرور أشهر قليلة على توزيع ثلاثين نسخة من تلك الدراسة، على كل من له صلة بالموضوع، وجدتني مرة أخرى عاطلا عن العمل، وذلك بعد أن قررت الوزارة فصلي عن التدريس مبررة قرارها البائس ذاك، بكثرة تغيبي.

تقبلت الأمر ولم أقم بفعل أي شيء من أجل استعادة عملي كأستاذ لمحو الأمية، حتى حدث انقلاب الثالث من أغسطس 2005، فقررت حينها أن أحمل معي الدراسة المذكورة، وكتاب مسموع تم إعداده في الفترة نفسها، مع رسالة تظلم إلى الوزير الذي تم تعيينه بعد انقلاب الثالث من أغسطس على رأس الوزارة، وكان التظلم الذي سلمت للوزير ـ عن طريق سكرتيرته ـ هو أول بريد يصله من خارج الوزارة بعد تعيينه وزيرا.

طلبت في رسالة التظلم من الوزير “يحي ولد سيد المصطف”، أن ينصفني وأن يعيدني أستاذا لمحو الأمية، وكنت في ذلك الوقت أمر بظروف مادية صعبة جدا، وهذا لا يعني ـ بأي حال من الأحوال ـ بأني لم أمر بنفس تلك الظروف من قبل ذلك الوقت، أو أني لن أمر بها من بعد ذلك، فعلاقتي بالظروف المادية الصعبة كانت ولا تزال علاقة قوية، ولم تشبها شائبة، لا في الماضي ولا في الحاضر. ولقد اعتقدت حينها بأن الوزير لن يخيب ظني، وأنه لن يبخل عليَّ بوظيفة مدرس لمحو الأمية في مدينة نائية، هذا إن لم ينبهر بالدراسة المذكورة، ويقدر الجهد المبذول في سبيل إعدادها، فيقرر أن يعين من أعد تلك الدراسة مديرا لمحو الأمية في أول مجلس وزراء يعقد بعد انقلاب الثالث من أغسطس.

رفض الوزير أن يستقبلني في مكتبه حتى يسمع على الأقل حجتي، وكتبت الوزارة في “عهده الميمون” في صفحة من عدد من يومية السفير بأن “شخصي الكريم” كان يتقاضى راتبا لا يجوز له شرعا أن يتقاضاه، لأنه لم يقم بأي عمل مقابل ذلك الراتب ( تحضرني الآن أسماء العشرات من أساتذة محو الأمية الذين كانت الوزارة تسلمهم رواتبهم بانتظام في ذلك العهد، رغم أن بعضهم كان يمارس التجارة في بعض دول إفريقيا، والبعض الآخر كان يتابع دراساته العليا في الخارج). كان رد الوزارة قاسيا ومستفزا، ويومها وجدتني أمام خيارين اثنين كانا في غاية التناقض، أولهما أستحي من ذكره الآن، أما الثاني فإني لن أذكره لكم أيضا، لأني إن ذكرته الآن فسأميط بذلك اللثام عن حلم عظيم، لم يحن الوقت المناسب لإماطة اللثام عنه.

كان رد الوزارة قاسيا ومستفزا، ولكنه مع ذلك لم يخل من وعد في غاية الأهمية، وذلك عندما وعدتني الوزارة في ردها بيومية السفير بأنها ستتعامل بشكل إيجابي مع مقترحي المتعلق بتشييد مسجد داخل الوزارة.

ففي تلك الفترة كنت انتقد الوزارة كثيرا، لأنه لم يكن من المقبول أن تظل الوزارة الوصية على المساجد بلا مسجد يصلي فيه عمالها، والذين من المفترض بأنهم يحرصون أكثر من غيرهم على أداء الصلاة في المسجد.

ولقد كان إلحاحي على القائمين على الوزارة بضرورة تشييد مسجد داخل مبنى الوزارة، يدخل في إطار اهتمام شخصي بالمساجد بدأ يبرز منذ العام 2000، ذلك العام الذي شهد ميلاد حلمي الجديد. ففي تلك الفترة كنت أحرص على أن أعتني شخصيا بنظافة المسجد الذي أصلي فيه، سواء كنت أقيم في مدينة سيلبابي، أو في العاصمة نواكشوط.

ففي العاصمة كنت أحرص على نظافة المرافق الصحية الملحقة بمسجد العباس، وكان ذلك أمر في غاية الصعوبة، نتيجة لعدم احترام الكثير من المصلين لقواعد النظافة داخل تلك المرافق، أما في سيلبابي فكنت أكتفي فقط بنظافة فراش وساحة مسجد الصحابة، لأن ذلك المسجد لم تكن تتبع له مرافق صحية.

وكنت أحرص دائما على أن أتولى آذان السدس، سواء كنت في سيلبابي أو كنت في العاصمة. كما كنت أحرص في الوقت نفسه على أن أتكفل بإغلاق المسجد بعد مغادرة آخر واحد من أولئك الذين يحرصون دائما على البقاء في المسجد بعد صلاة الفجر حتى يصلون ما شاء الله لهم أن يصلوا بعد إشراق الشمس.

وفي تلك السنوات كنت أحرص دائما، عندما أكون في العاصمة، على أن لا يفوتني منبر الخميس، ولا أذكر بأني قد تغيبت عن حضوره، ولا لمرة واحدة، في كل تلك الفترات التي كنت أتواجد فيها بالعاصمة.

ورغم إصراري على الحضور الدائم لمنبر الخميس، إلا أني مع ذلك لم أنضم، بل إني لم أقترب من حركة الإخوان المسلمين. كنت أحضر للمنبر فقط، وكان ذلك الحضور من أجل التعلم أولا، ولزيادة سواد المسلمين عند المساجد ثانيا، ولإغاظة نظام ولد الطايع ثالثا، هذا فضلا عن الأهم، وهو رجائي في أن أكون ممن تحفهم الملائكة بأجنحتها لساعة من نهار، أو أن أكون جليس القوم الذي يغفر له بمجالستهم. ورغم مداومتي على الحضور للمنبر، إلا أني كنت أتحاشى دائما الاقتراب من قيادات الحركة. ولم أكن أحضر للمنبر إلا بعد أن أكون قد أديت صلاة العصر في مسجد العباس، مما يعني بأني لم أكن لأصل إلى جامع الذكر إلا بعد أن يكون المسجد قد أصبح ممتلئا، ولذلك فقد كنت أكتفي دائما بالجلوس في طرف من أطراف الجموع الغفيرة التي سبقتني إلى المنبر، وتحديدا في أقصى نقطة من الشارع يمكن أن تصلها تلك الجموع.

حتى فضيلة الشيخ محمد الحسن ولد الددو فإني لم أحظ بلقائه رغم حضوري الدائم لمجالسه. ولقد حاولت مرة أن ألتقي به في العام 2007، في أيام كنت أمر فيها بظروف حرجة جدا، ولكني لم أوفق للقائه. وكانت أول أمرة ألتقي فيها بالشيخ، وأسأل الله أن لا يجعلها آخر مرة، في العام 2012، وقد تسبب ذلك اللقاء في إحراج ضيف شرف كان يوجد مع الشيخ وقت لقائه به.

ولقد كان آخر مجلس أحضره للشيخ في ذلك العهد هو عبارة دورة في الصيام، وكانت تلك الدورة هي آخر نشاط علمي ينظمه الشيخ من قبل أن يسجن سجنه الذي لم يخرج منه إلا بعد الإطاحة بنظام ولد الطايع.

لقد كنت حاضرا يوم ألقي القبض على الشيخ أثناء تقديم دورة عن الصيام في مسجد أسامة، كما كنت أيضا من بين أولئك الذين خرجوا من المسجد في مسيرة منددة بالقبض عليه. ولقد انطلقت مسيرتنا بشكل عفوي من مسجد أسامة مباشرة بعد القبض على الشيخ، وانتهت بكارفور مدريد، والذي ما إن وصل إليه المشاركون في المسيرة حتى بدؤوا في الانسحاب فرادى وجماعات.

وأذكر أني بعد القبض على الشيخ بأيام معدودة، كتبت في ورقة بيانا منددا بإلقاء القبض عليه، ثم ذهبت بالورقة إلى صاحب وراقة لم أكن أعرف عنه شيئا سوى أنه يكتب على الجهاز بشكل جيد، ولقد عرفت ذلك بعد أن جربته أثناء طباعة دراستي المتعلقة بالأمية.
كان البيان موقعا على ما أذكر بأحباء الشيخ في الله، وكان يقدم جملة من المقترحات للتضامن مع الشيخ بعد اعتقاله.

وكعادتي دائما فلم أكن في ذلك اليوم أملك مالا كثيرا، فكان كل ما أملك هو ألف أوقية وبضع مئات، لذلك فلم يكن بإمكاني أن أسحب أكثر من مائة نسخة من البيان المذكور.

أخذت النسخ ووضعتها في غلاف ورقي كتبت عليه بالقلم ما مضمونه “خذ نسخة واحدة وحاول أن تنسخها وتوزعها قد المستطاع” ثم اتجهت رأسا إلى مسجد الذكر لتأدية صلاة الظهر هناك، ولترك النسخ المائة على منبر المسجد.
كنت من أول القادمين إلى المسجد لذلك فقد بادرت بوضع النسخ على المنبر من قبل قدوم المصلين، ولم تكد تمر دقائق حتى وصل مفوض شرطة دار النعيم على ما أعتقد مصحوبا ببعض العناصر، وقد جاؤوا للقبض على إمام مسجد الذكر.

كان الموقف في غاية الإرباك، فأنا من جهة لم أكن معروفا لدى جماعة المسجد، ولا لدى المؤذن، ولذلك فلن يكون غريبا في ذلك العهد أن يثير حضوري انتباه الجماعة، خاصة أن أول صلاة لي بالمسجد تزامنت مع حضور مفوض شرطة رفقة بعض أعوانه.

ومشكلتي في ذلك الوقت لم تكن مع المؤذن لوحده، والذي لابد أنه لاحظ تصرفي الغريب الذي قمت به من قبل حضور المفوض وأعوانه، بل كانت أيضا لدي مشكلة أخرى مع عناصر الشرطة، فماذا لو قرر أحدهم أن يلقي نظرة على الغلاف الورقي الذي وضعته على المنبر منذ دقائق؟ بل وما الذي سيحصل إذا ما تسببت الرياح في فتح الغلاف الورقي وفي تناثر نسخ البيان أثناء تواجد الشرطة في المسجد؟

في بعض الأحيان قد تكون أفضل طريقة لتؤمن نفسك هي في أن تبالغ في المخاطرة، وذلك بالضبط هو ما فعلته أنا في ذلك اليوم، حتى وإن كنت قد فعلته عن غير قصد.
وبعد ذلك البيان الذي لم يلق صدى اكتفيت بالدعاء للشيخ ولغيره بأن يفرج الله عنهم، ولا أذكر بأنه مر يوم دون أن أدعو فيه للشيخ في وردي اليومي إلى أن تم إطلاق سراحه بعد انقلاب الثالث من أغسطس.

أما بالنسبة للشيخ والأستاذ الجليل محمد ولد سيدي يحي فقد التقيت به في تلك الفترة مرتين، كانت أولاهما رفقة مجموعة من طلاب العلم جاءته لتطلب منه أن يتراجع عن قراره بإيقاف دروسه ومحاضراته، والتي كان قد أعلن عن إيقافها في تلك الفترة. أما الثانية فقد كانت رفقة بعض الأئمة والمؤذنين الذين اتصلوا بالشيخ بأسبوع واحد من بعد لقائه بطلاب العلم، وذلك لتقديم نفس الطلب.

في اللقاء الثاني لم أتكلم إطلاقا، أما في اللقاء الأول فكنت قد اكتفيت بأن عرفت بنفسي، وقلت بأني أستاذ لمحو الأمية في سيلبابي، ثم طلبت وبشكل مختصر جدا من الشيخ أن يعود إلى تقديم دروسه. والحقيقة أنه لم يكن لديَّ ما أقوله، ولا ما أضيفه، فقد تحدث من قبلي من لم يترك لي، ولا لغيري، ما أقوله.

والغريب أني بعد ذلك سأقابل الشيخ ليلا، وفي شارع غير بعيد من منزله، فإذا به يقول لي من قبل أن أعرفه ـ وذلك مما أدهشني كثيرا ـ يا أستاذ ماذا تفعل هنا، فَلِم لم تذهب إلى سيلبابي لتدريس طلابك؟

تصبحون على الحلقة الرابعة عشر…