حرب مالي: الأسباب والمخاطر المحتملة على موريتانيا

عاشت البشرية حروب كثيرة، ناتجة في معظمها عن غطرسة قوى متسلطة، تريد إما المحافظة على مصالحها أو دحر بعض منافسيها .. كانت الحصيلة المشتركة لتلك الحروب، منذ نشأة العالم إلى يومنا هذا: القتل والدمار .. كانت لغة الحوار والتفاهم مغيبة أثناء التحضير لتلك الحروب وبعد اندلاعها.

اليوم ونحن في القرن الواحد والعشرين مازالت العقليات ذاتها تحكم عالمنا..

قوى متسلطة تحكم العالم بيد من حديد، تحتل دولا بحجج واهية، تدمر مدنا وتقتل أطفالا رضعا وتيتم آخرين وتقتل نساء وترمل أخريات .. لا تفرق بين أبناء تلك الدول! فالجميع سواسية أمام المشنقة!!

الحرب على الإرهاب شعار أطلقه مجرم القرن “جورج بوش” ودمر تحت غطائه أفغانستان وباكستان والعراق واستخدمه حكام دول العالم العربي لقمع شعوبهم والتنكيل بها، معلنين الحرب على الإسلام، حين كانوا يقتحمون المساجد لاعتقال الأئمة الذين يأمرون الناس بالمعروف وينهونهم عن المنكر والشباب الملتزمين بقيم دينهم الحنيف، ليقبضوا مقابل ذالك مباركة من الغرب ودعما لأنظمتهم المتسلطة..

كانت حصيلة ذالك آلافا من الشباب المسلمين أعماهم ما تعرضت له بلدانهم العربية والإسلامية من الظلم والبطش، فاختلطت عليهم مفاهيم “التكفير” و”التبديع” و”التفسيق” ليحملوا لواء التطرف والغلو رافعين السلاح ضد إخوتهم في الدين.

لم يستطع علماء الأمة أن يحاوروا هذه المجموعات الشبابية، في غالبها، لإقناعها بأخطائها وردها إلى طريق الحق. فكل من يلتقي بهؤلاء “إرهابي متطرف” ومصيره الاعتقال التعسفي!! لأن مصلحة الغرب وأنظمة الاستبداد تقتضي أن تظل هنالك جماعات متطرفة، يدمرون العالم الإسلامي من خلالها ويقفون في وجه نهضة شعوبه وتطور عقلياته، وينشرون الفزع من خلالها في دولهم حتى يظل الخنوع سيد الموقف بحجة الحفاظ على الأمن..

ما يجري في الشقيقة المجاورة مالي ليس سوى حلقة من تلك السياسات الهمجية.. مهدت لها الأنظمة الحاكمة في المنطقة، وبدأت الشعوب تحصد ثمارها المعروفة أصلا، ولعل شعب مالي لن يكون المتضرر الوحيد منها إذا ما قرر نظام الجنرال محمد ولد عبد العزيز إقحام الموريتانيين فيها.

إن من يريد استشراف انعكاسات إقحام قواتنا المسلحة في هذه الحرب عليه أن يتناول الموضوع من جانبين مركزيين:

– المشاكل البنيوية التي يعاني منها الجيش الموريتاني:

ظل الجيش الموريتاني منذ انقلاب 1978م حبيسا لسياسات ارتجالية يقودها قادة لا هم لهم سوى فرض وصايتهم على الدولة واستنزاف خيراتها خدمة لجيوبهم الخاصة، وقد أدت تلك السياسات المستمرة إلى إبعاد الجيش الموريتاني عن الدور الأصلي المناط به في حماية الحوزة الترابية وأمن المواطنين (ما يتطلب تكوينا حقيقيا على فنون القتال، وتجهيزات عسكرية حقيقية) ليصبح رهينا لقيادات تتصارع على حكم البلاد (ما جعل الأنظمة العسكرية تقف حجرة عثرة في وجه تطور هذه المؤسسة وحصول جنودها على التكوين والعتاد اللازمين لقيام بمهامهم النبيلة الموكلة إليهم)؛

– المهارات القتالية للجماعات المسلحة:

خبرت الجماعات المسلحة حرب العصابات المنظمة، فقد خاضت معارك ضارية ضد جيوش المنطقة كان آخرها تلك التي دارت رحاها بينها مع الجيش المالي ومني الماليون خلالها بهزيمة أفقدتهم ثلثي أراضي دولتهم. كما أنها استطاعت خلال الفترة الأخيرة اغتناء كميات هائلة من السلاح المتطور استجلبتها من ليبيا وأخرى غنمتها من الجيش المالي أثناء معاركها معه.

إن من يمعن النظر في هذه المعطيات سيدرك جيدا أن الحرب مع هذه الجماعات لن تكون في مصلحة الموريتانيين ودولتهم –ذات البنية الأمنية الهشة-. ومما لا شك فيه ستكون لهذا التدخل، الذي بدأت بوادره تبدو في الأفق، انعكاسات خطيرة قد تؤدي إلى احتلال الجماعات المسلحة لمناطق شاسعة من الأراضي الموريتانية وانحصار امتداد سيطرة الدولة خارج المدن الرئيسية والتي ستكون هي الأخرى غير بعيدة من هجمات تلك الجماعات.

ستصاحب ذالك خسائر بشرية ومادية، ستتجسد في القتل والنزوح والدمار، تلك السمات التي لا تخلو منها حرب!

على النخب الموريتانية أن تقف وقفة وطنية في وجه إقحام قواتنا المسلحة في هذه الحرب، التي لا تعنينا من قريب ولا من بعيد، وعلى النظام أيضا إن كان فعلا يبحث عن حل لأزمة مالي، التي مهد لها بسياساته الارتجالية، أن يبحث عن حلول سياسية للأزمة التي تعيشها مالي تجنب المنطقة مخاطر الانجرار إلى على أتون حرب شاملة تحرق الأخضر واليابس.