مـالــي … الضحية رقم كم ؟

هكذا هي الحرب إذا سجال يوم نربح وآخر نخسر ، ولكن هذه الربح وتلك الخسارة تختلف بإختلاف الأمكنة والأزمة والغايات والدواعي ، فالحرب في نظر المغزو عليه هي تضحية من أجل مجد وعزة ، أما في نظر الغزاة فهي خسارة من أجل ربح ، وأما الحرب في أعين المتفرجين فهي حرب مصلحة و مصالحة مع الأقوى ، فإذن تلك هي الحرب من زاوية الحقيقة .

وبعد فكيف نستطيع وصف الحرب من منظار الإنساني المالي ؟ لاأرى غير الوصف الذي أعطت تلك الوجوه التي تداولتها وسائل الإعلام الوطنية والدولية حيث نقلت لنا ماتعجز عن وصفه الكلمات ، أناس شردو ودمرت المنازل من فوقهم كما زلزلت الأرض من تحتهم ليتم بذلك سحب بساط الأمان والإطمئنان منهم على إثر ذلك ، وآخرون نالو حظهم أيضا من هذه الماساة فقدموا أرواحهم كبش فداء لتلك الأرض الطيبة ، فهم مجرد أناس أختارو من ويلات الفقر أمل العيش والسكينة فلم يطب لهم ماأختاروه لأنفسهم وإنما قدر لهم أن يعيشو المرء مرتين ، فقر وجهل من جهة وتجاهل من جهة ثانية ، وحرب ودمار ليعم الخراب ويعشش في بلادهم الهشة من جهة ثالثة ، فيصبحوا على إثر ذلك مجرد نازحين من هنا وهناك إلى ما لا نهاية ،

حيث تختلف الوجهة ويختلف التفكير وتقل أو بالأحرى تنعدم الوسيلة والحيلة ليبقى القاسم المشترك في هذه المعادلة هو قاسم البقاء ، حتى ولو كان على حساب خسران الارض والعرض والمال وجاه فتقع النفس البريئة رهينة هذا الواقع الجسيم، حيث تتموقع داخله وتظل تدور في تلك الدوامة تعيش تارة حالة رفض يتجسد في المقاومة والصمود، وتارة أخرى تحاول مجارات ذلك الواقع بكل مايمليه من شروط وضوابض فتقع على إثره ضحية ولقمة سائقة لحتمية اليأس والإستسلام و بذلك تبقى تعيش حالة من الخضوع لتبقى فرضية الموت البطيئة مرهونة بزوال الإرادة وغياب الحس الوطني، والذي على أساسه تعمر الارض أو تهدم، ولكن في ظل هذه الإزدواجية وهذا التجاذب يظل الموقف الوحيد المسيطر هو غريزة حب الوطن، حيث تندفع الوطنية محاولة بذلك رفض الظلم والإهانة والإستبداد، لتدور رحى الحرية والإنعتاق من جديد، وتزهر الحياة بلأمل آذنة بميلاد صبح جديد منير بشعلة السلام .

تشهد المنطقة الآن مصرع الدولة الشقيقة مالي ــ شعب وأرض ــ وقد يثار الجدال حول مدى حجم هذا المصرع حتى انه يمكن أن يرفض البعض هذا الوصف، ولكن الحال يتنافى وذلك الجدال، هذا المصرع الذي يسطر بدماء الشهداء الزكية على رمال مالي أسماء شهداء قدموا أرواحهم في سبيل حرية وكرامة وطنهم الغالي، حيث تم بإسم القانون قتل الأبرياء وذلك بابشع الطرق التي شهدتها البشرية وتم رميهم بعد ذلك في الآبار، كما بإسم القانون شردت الآلاف وأسر اليأس وقلة الحيلة والضعف والهوان الآلاف المؤلفة، كما بإسم القانون عاشت شعوب حرة في وطنها طعم الموت والظل خارجه ليذكرها التاريخ ضمن صفحاته السوداء الخالدة، وكل ذلك بدافع إثبات حق ضائع أواستيراد آخر مسلوب، و بالرغم من أن القانون هو القناة التي يتم من خلالها تنفيذ تلك السياسات فهو أيضا الوسيلة التي توفر الحماية والآمان الذي هو مبتغى الإنسانية أجمع حيث يضمن لها حق العيش بسلام، كما نجد الدليل على ذلك جليا في القانون الدولي الإنساني أو مايطلق عليه إسم قانون النزاعات المسلحة حيث جاءت منددة بذلك اتفاقيات جينيف الأربع سنة 1949م، لتوضح لنا جميعا عددا من الإشكالات في أحكام الحرب الجوية والبرية وحماية الجرحى والغرقى والأسرى والأعيان الطبية والثقافية واللاجئين، وقد كانت فرنسا الدولة التي شنت غارات مروعة على مالي وشعبها من بين الدول التي وقعت على تلك الإتفاقية، وقد كانت فرنسا قد صرحت سابقا أن كلفة العمليات العسكرية التي تقودها قد تصل إلى 950 مليون دولار، كما نال هذا التصريح الموافقة إفريقية ودولية فمنحت بذلك فرنسا شرعية على إثر ذلك، وبعد أن سيطرت القوات الفرنسية على جل المدن المالية بادرت إلى ضرورة خلق حوار بين الجنوب المالي والشمال، هذا التحكم الذي جاء ثمرة مباركة معنوية ومادية تلقتها فرنسا من طرف العالم، إذن فالدولة مالـي نالت نصيبها هي الأخرى من ماحققه الربيع العربي من نجاحات عرفتها المنطقة، هذا الربيع الذي أخذ نكهة فرنسية، ولكن مالي بعد هذه المعانات تستحق أن تمنح معونات مادية لترميم الأماكن الأثرية التي تعرضت لنهب والسرقة كما أن تلك الشعوب التي تشردت وتمت سرقة محتويات منازلهم وممارسة كل أنواع الظلم والإهانة عليهم يستحقون بعد تلك المأسات أن يجدو قلوب تواسيهم وأيادي تمد لهم يد العون فهم أناس أنهكتهم الحرب كما أنهكم الفقر والجهل من قبل.

ويبقى الإشكال المطروح هل فعلا إستطاعت المبادرة الفرنسية القضاء على الجماعات المسلحة في مالي حتى الآن، وإفشال طموح هذه الجماعات في إحكام قبضتها على منطقة الساحل، والقضاء على ذلك الفيروس الذي أصبح يشكل خطرا يهدد أمن المنطقة والعالم؟ أم هي إستراحة مقاتل كما يقال تلتقط فيها تلك الجماعات أنفاسها وتستعد للمواجـهة من جديد؟ فهذه الأخيرة باتت تعرف جيدا أنها لاتواجه منطقة الساحل وحدها بل أصبحت تواجه العالم كله، حيث إن الوقوف في وجه التيار يقضي على صاحبه وينفيه من الوجود نهائيا، ويبقى الإنسان البسيط يحلم بالحصول على مكان آمن وهو حلم يشكل نقطة التقاء وتقاطع كل فئات المجتمع وطبقاته في كل بقاع العالم .

أيها التاريخ أين موقع مالي من صفحاتك الخالدة، تجاهل وعدم ترتيب أم إضافة وتصنيف ضمن ضحاياك، وإذا فعلت ذلك فعلا في اية مرتبة ستنال هي؟