كيف ينتظر العالم السلم في منطقة الساحل والصحراء بعد تدمير ليبيا؟

الجزء الثاني:

المحللين الأكثرتتبعا للأحداث يرون أن فرنسا بدخولها منفردة تسعي لإعادة المجد لقواتها خاصة بعد الفشل في ليبيا فدور القوات الفرنسية في الأسبوع الأول من التدخل في ليبيا كان هامشيا حيث تم أطلاق 122 صاروخ 2منها لإبريطانيا و120آمريكيا كما سجلت مشاركتها في الطلعات الجوية خلال ذلك الأسبوع بمستوي منخفض ولذلك لم يكن باستطاعتها أن ترفع سقف تكاليف مشاركتها في الحرب علي ليبيا بما يفوق 300 مليون يورو، ودورها عند النهاية كان فاضحا وغير إنساني حيث ضربت موكب القذافي الذي كانت تتابعه .

تصريح برلوسكوني لوكالة (آكي) الإيطالية الجمعة 11يناير 2013زاد من صعوبة فهم التدخل الفرنسي أوتصديق تصريحات المسؤولين الفرنسيين حيث قال ” أن ماحدث في ليبيا لم يكن ثورة بل تدخلا أرادته فرنسا ، وأضاف أن ماوقع في ليبيا لم يكن ربيعا عربيا أو ثورة للشعب ، فالقذافي كان محبوبا من قبل مواطنيه ، الشعب الليبي يضيف ، كان يفتقر إلي الحرية لكنه يحصل علي الخبز والسكن مجانا ” .

إننا وعلي نحو فاضح نلاحظ تواطؤ إعلامي يصور مالي بأنها رجعت للقرون الوسطي من خلال تصوير بعض المظاهر الإستثنائية من تطبيق غير سليم للشريعة ، دون أن يطرح التساؤلات الوجيهة عن أزمة عميقة ، كما لم يتم الحديث عن استثمارات “آريفا ” الفرنسية التي بلغت 10 مليارات يورو في مشروع إيمرورن النيجري الذي تأخر كثيرا وحيث تحتفظ الجماعات المالية المسلحة ب 7 مهندسين تابعين له الأمر الذي يشكل خطرا علي المشروع خاصة ما يتعلق عزوف العمال الفرنسيين عن العمل فيه .

مأزق التدخل الفرنسي: انعدام الشرعية وصعوبة المخرج.

لم يكن التدخل الفرنسي في مالي شرعيا بأي وجه من الأوجه ، ولا محظوظا علي كل حال . وبالرغم من ذلك كانت فرنسا قد استصدرت قرارا من مجلس الأمن تحت رقم 2085 بتاريخ عشرين ديسمبر 2012 استنادا إلي المادة 51من ميثاق الأمم المتحدة يمنح فرصةالتدخل العسكري بعد 6 أشهر أي منتصف السنة الجارية ولم تحترمه بتاتا ،وكانت الدول الإفريقية من جهتها ستعقد قمة بشأن مالي 25 يناير 2013في آديس آبابا ، كما جاء في بيان علماء المسلمين “أن فرنسا استعجلت وأن رابطة علماء المسلمين كانت تبذل جهودا كبيرة من خلال تواصلها مع الأطراف من أجل التوصل إلي حل سلمي وأن فرنسا تعجلت بالتدخل العسكري الذي لايعرف منتهاه ولا آثاره من القتل والتدمير والتشريد والمآسي الإنسانية ومزيد من الفقر والبطالة والمجاعة التي تعاني منها مالي أساسا وأضاف البيان أن مايحدث إمتداد للحملات الإستعمارية التي طالت كثيرا من البلدان الإسلامية “.الرئيس التونسي أنتقد الحرب وقال أنها ستنعكس سلبا علي بلده الذي ظل ممرا لأسلحة هذه الحركات .

وقد أعلن لكرمنيل أن تدخلا في إفريقيا ينبغي أن يتم بإشراف الأمم المتحدة والإتحاد الإفريقي . الجزائر نفسها انتقدت سرعة التدخل الفرنسي قبل أن يلوي ذراعها .

المأزق

منذ 6 أشهر وفرنسا تحاول التوفيق بين الهروب من أفغانستان ودق طبول الحرب في مالي متناسية فيما يبدوا أنها في مواجهة نفس الجماعة ونفس التضاريس تقريبا وأنها تواجه حركات تنتشر في منطقة تساوي مساحة فرنسا وبلجيكا . ومع عدم إمكانية تخمين مايمكن حدوثه فقد مضت 9 أيام علي محاولة إخراج الإسلاميين من كنا و6 أيام علي جيابالي مع شح في المعلومات ولم توجد أخبار حقيقية عن تكاليف وحجم الخسائر ؟ أم أن الأمور لاتمشي وفق التقديرات الفرنسية.

لقد قال أحد المحللين أن جميع الحروب التي خاضتها الدول الغربية ضد “الإرهاب” في بلدان العالم الثالث فشلت ولايوجد سبب كي تنجح هذه الحرب . لم يكن الأسبوع الأول حافل بالإنتصارات التي هي قطع سلافة الإسلاميين عكس ماصوره لنا الساسة الفرنسين المزهوين بقدرات جيش “فرنسا “التي يلفظها هولاند بملئ شدقيه وكأنه يذكرنا بفرنسا المخوفة التي عرفنها فترة الإستعمار ، يبدو أن مجري الأحداث حتم علي الفرنسيين مرة أخري تمديد تاريخ بقاء الجيش الفرنسي من أربعة أشهر إلي أجل غير مسمي فقد قال فرانسوا هولاند أن الجيش الفرنسي باق حتي يقضي علي الإرهاب ، صراخ الساسة الفرنسيين علي واجهة القنوات الفضائية بالتصريحات التي تشي بالنشوة و بالتفرد بمحاربة الإرهاب من جهة ومحاولة حشد التأييد السياسي والدعم المالي من جهة ثانية لم يكن ليخفي نبرة الخوف والتستر وراء القوات الإفريقية ضعيفة التدريب والمرتبكة ،ثم أنه لايخفي من صعوبة الموقف :ففرنسا حاليا تقاتل علي جبهتين : جبهة القتال إلي صفوف القوات الإفريقية الأقل كفاءة والأقل خبرة الأمر الذي يتطلب منها مجهود إضافي في تأهيل وتسليح وتفعيل هذه القوات وهي علي كل حال مهمة صعبة .

وجبهة الحصول علي الأموال اللازمة لتمويل الحرب ولم يتعهد إلي حد الآن أي بلد بالمساعدات إلا اليابان ومساعدات لوجستية من أمريكا وبريطانيا وبعض الدول الغربية (يبدوا أن العرب أكثر حماسا للمشاركة وتمويل الحروب التي تستهدف البلدان العربية من تلك التي لاتدور في محيط غيرعربي ) .

لقد لاحظنا فرنسا وهي تدخل المدن الواحدة تلو الأخري بدون مقاومة ولم نجد أي تفسير لإنسحاب الإسلاميين ؟فهل هو أنهم لايريدون حرب مدن وما ينجر عن ذلك من دمار للمدن وقتل للمدنيين ؟ لم يثن أحد علي ذلك السلوك ، كما لم نشاهد الإسلاميين وقد تم دحرهم علي سبيل قطع شأفتهم . الإعلام الفرنسي المجند والموجود علي الأرض لم يدعم الظفر الفرنسي بصور أو تقارير أو شواهد تفيد بنجاح المهمة المتعلق بإختفاء الشبح .إننا نلاحظ بالعكس أن أية مواجهة حقيقية لم تقع وأن التنظيمات الإسلامية إنسحبت بكامل خطورتها عدتها وعتادها وأشخاصها ، وأنها تفضل الحرب طويلة الأمد وقد عدت لها العدة وإختفت لتظهر في وقت ما وفي مكان ما .

فرنسا تغوص في الوحل

تدور الحرب اليوم في منطقة محدودة وحول بعض المدن في الشمال المالي لكن الإطار الحقيقي للحرب هو ذلك الذي يشمل منطقة تزيد علي مساحة أوروبا بتضاريس وعرة ، كما أن العدو ليس فقط محددا في 3 تنظيمات في مالي متحالفة مع بوكو حرام النيجيرية ،فعملية عين آمن أماس الجزائرية تضيف معطيات مهمة :

سرعة الرد و تعدد الجنسيات وتعدد المراكز، فالعملية تمت خلال الأسبوع الأول من بدء التدخل الفرنسي وتمت إدارتها من مالي من خلال مختار بلعور والتخطيط لها في ليبيا وتنفيذها في الجزائر من طرف مصريين وجزائريين وموريتانيين وفرنسيين الأمر الذي يحيلنا لمنطقة نفوذشاسعة ومعطيات جديدة هذه المعطيات قابلة للتشابك مع عوامل إيجابية أخري بالنسبة للتنظيمات الإسلامية ، فمع انسحاب القوات الغربية من أفغانستان فإنه من المؤكد أن المحجة الأولي أو منطقة الجهاد الأكبر ستكون بالطبع مالي وعلي فرنسا أن تتوقع مواجهة مزيد من الخبرات والتصميم. إننا مضطرون للقول حينها إننا أمام حرب طويلة ستجر الخراب لفرنسا فكيف بمالي. يبدو أن البلدان الغربية لم تأخذ كافة العبر من حروبها علي “الإرهاب ” فتدخلها يخلف باستمرار قوة ونشاط لتلك التنظيمات، ثم أنه يخلف أوضاع فوضي في الدول التي تتدخل فيها ، إذ لايمكن بأي وجه منالأوجه تسميتها بعد ذلك بدول.

إن مالي الضعيفة لن تكون دولة بعد اليوم حسب أكثر الإفتراضات واقعية فالتنظيمات المسلحة يزيد عددهاعلي 4200 فرد حسب بعض التقارير، حظي 1300 عنصر منها علي تدريب جيد، كما تملك 22000 قطعة حربية إضافة إلي 200 مليون يورو كمخزون من العملة الصعبة متأتية من نشاطاتها المتعددة. ثم إن هذه المجموعة تتسابق لإحراز الشهادة ، وأيضا لايمكن القول أبدا إنها تقاتل خارج استراتيجية عسكرية.

إن فرنسا التي لم تشأ التعاطي مع حقيقة الأزمة ستضطر للبقاء أطول ، فالجنود الماليون ليست لهم أي قدرة لمواجهة هذه التنظيمات كما أن الدول الغربية أعربت عن عدم إستعدادها لتسليح الجيش المالي الذي يهرب أمام كل مواجهة مع هذه التنظيمات تاركا وراءه أطنانا من الأسلحة تصبح في ما بعد من نصيب هذه التنظيمات ، فالجيش المالي المنقسم حول المآثر لايحظي بأي ثقة داخلية ولا خارجية. كما أن القوات الإفريقية الضعيفة المتخاذلة نتيجة لغياب الأهداف المشروعة التي تدعمها الحوافز لن تكون قادرة علي البقاء طويلا والقيام بالمهمة بدل الفرنسيين.

إن مشكلة فرنسا حاليا هي أنها تمثل قوة إحتلال فهي التي تملك القوة المسيطرة علي الأرض وهي التي تخطط وتفرض استراتجيتها الحربية وهي التي وفرت الغطاء للجيش المالي الذي يقوم بعمليات إبادة وتدمير ممتلكات وسلب ونهب في حق العنصر العربي التارغي ،فقد قتل 20 شخصا في دقفري ، و6 في تيمبكتو بسبب لون البشرة فقط ، ليس هنا مجال لأي مجادلة أمام القول بأن فرنسا تتحمل المسؤولية القانونية والأخلاقية لتلك العمليات .

ثم إن هذا السلوك شكل إضافة غائرة في جرح شعب الشمال علي نحو أحداث 1963 بدلا من أن يساهم في ردم هوة العداء والحنق . وإن النجاح الفرنسي (علي نحوسريع كحال من يجري وحده) وقع في غياب جميع الأهداف النبيلة أو الجوهرية التي تراعي المشاكل العميقة والتاريخية لسكان الشمال ، ولم يحمل أي حلول خارج الدمار، كما أن أي أحد لم يتصور أنه نجاح بالأساس، وحتي المتفائلون لا يعتبرونه مطلقا، نجاحا مديدا .بل هو دخول في معركة مع أشباح، وحراسة دولة لم تعد أسباب التعايش قائمة بين مواطنيها .

فهل سيبقي الرأي العام الفرنسي مقتنعا من جدوائية هذه الحرب وهل سيسمح ببقاء قواته لمدة أطول في حراسة النظام غير الشرعي في مالي ….

Back to top button