‘البعثيون الموريتانيون’ يشتكون من تراجع العربية ويدعون لمواجهة فرنسة التعليم الموريتاني

في وثيقة مثيرة للجدل نوقشت في ندوة حضرها مختصون في التربية


نواكشوط ـ ‘القدس العربي’ ـ من عبد الله بن مولود: انتقد حزب الصواب الموريتاني (بعثي) في وثيقة عممت أمس الخميس بعد مناقشتها في ندوة حضرها مختصون، هيمنة اللغة الفرنسية على التعليم الموريتاني.
كما انتقدت الوثيقة التي لاقت اهتماما كبيرا في الأوساط المهتمة بالعروبة والتعريب، إهمال اللغة العربية وإهمال اللهجات التي تتكلمها الأقليات الزنجية الافريقية في موريتانيا في جميع إصلاحات التعليم التي شهدتها موريتانيا منذ استقلالها عن فرنسا عام 1960.

وجاء تحرير وعرض هذه الوثيقة بمناسبة اكتمال سنوات إصلاح التعليم الذي بدأ عام 1999 وهو الإصلاح الذي اعتبرته الوثيقة ‘إجراء سياسيا، الهدف الأساسي منه ـ وإن كان غير معلن – تكريس هيمنة اللغة والثقافة الفرنسية على جميع مرافق الحياة الوطنية، والقضاء نهائيا على ما تبقى ـ ولو شكليا ـ من امتيازات اللغة العربية والثقافة الإسلامية واللغات الوطنية’.

كما جاء عرض الوثيقة بمناسبة انطلاقة نشرة إخبارية باللهجة الحسانية (مزيج من العربية المكسرة والأمازيغية متكلم محليا)، في إذاعة موريتانيا وهو ما يعتبره أنصار العروبة تراجعا عن التعريب في وسيلة إعلامية عمومية.

ضمانات تعليم موحد

واقترحت الوثيقة مجموعة من الضمانات للانتقال من نظام تربوي منقسم تهيمن عليه لغة أجنبية إلى نظام تربوي مندمج وموحد حول اللغة الرسمية للدولة التي هي اللغة العربية.

وأوضحت الوثيقة أن تنفيذ الضمانات المقترحة ‘يتطلب إرادة قوية وتخطيطا متماسكا ومتابعة دائمة، لأنه لا مفر من هذا الخيار بالنسبة لبلد يتطلع إلى اكتساب استقلال حقيقي ـ ليس مغشوشا كما نعيشه في حاضرنا ـ في عالم تتماهى فيه العولمة بالنسبة للدول الصغيرة مع الاستلاب الثقافي’.

مواجهة تبخيس الذات

وليكون النظام التربوي الموريتاني، تضيف الوثيقة، قادرا على الوقوف بوجه السياسات الثقافية التي تعمل على تبخيس الذات وتكريس عملية الاستلاب، فلا بد أن يتأسس على رؤية واضحة للذات من حيث هي في مواجهة الآخر من جهة، ولاحتياجاتها الروحية والمادية من جهة ثانية، ولكيفية تفاعلها مع الآخر من جهة ثالثة.

أهداف وأسئلة محورية

وحددت الوثيقة مجموعة أهداف يجب أن يسخر التعليم الموريتاني لتحقيقها ومن أبرز هذه الأهداف ‘التحديد الدقيق للذات في إدراك تام للمستهدف من هذا النظام أي من هو المستهدف به؟ ما طبيعته؟ وما خصائصه وفي مقدمة هذه الخصائص ـ دون شك ـ تأتي اللغة التي هي أهم ما يتميز به الإنسان بين الآخرين’.

وطرحت الوثيقة أسئلة محورية مبرزة أن التعليم الموريتاني لم يتمكن أبدا من الإجابة عليها ومن هذه التساؤلات: من هو الموريتاني ؟ كيف نبنيه ونصنعه ، أو كيف نصوغه؟ ما الذي نريد منه ما الذي نريده أن يكون؟ وعلى أية طريقة تكون تفاعلاته مع الآخر؟

وأشارت الوثيقة إلى أنه لتحقيق الأهداف الكبرى للتعليم الموريتاني فلا بد من الاهتمام بجملة أمور منها اتباع سياسة لغوية واضحة ،’ولن يتاح ذلك اليوم إلا باعتماد اللغة العربية (اللغة الرسمية) لغة المدرسة الموحدة باعتبار ذلك الأساس الوحيد لتعليم موحد ومنسجم الأهداف والمرجعيات’.

خياران أمام الأقليات

ونبهت الوثيقة إلى أن النمط السائد في البلدان التي تتكلم أقلياتها لغات محلية غير اللغة الرسمية يتراوح بين خيارين؛ الأول هو أن يبدأ التعليم في الصف الأول والثاني باللغة المحلية الأم في الوقت نفسه الذي يتم فيه تدريس اللغة الرسمية للجميع لتكون لغة التعليم ابتداء من الصف الثالث ابتدائي، والخيار الثاني هو أن يبدأ التدريس باللغة الرسمية من الصف الأول’.
أما في ما يتعلق بلغات الانفتاح،تضيف الوثيقة، فيتم تدريس اللغات الأكثر انتشارا في العالم كالإنكليزية والفرنسية في درجة ثانية؛ باعتبارها أدوات التواصل للاطلاع المباشر على إنتاج الفكر العالمي من تقنيات ونظريات علمية’.

النخبة الكولنيالية

وأشارت الوثيقة إلى أنه رغم حصول موريتانيا على ‘ الاستقلال’ في مطلع ستينيات القرن الماضي لم يستطع أبناؤها رسم معالم واضحة لسياسة تعليمية وطنية تراعي تحقيق الأهداف الكبرى للمجتمع والدولة؛ بل إن إكراهات تكوين النواة الأولى للدولة فرضت نخبة تعلمت بالكامل في المدرسة الكولونيالية واستسهلت لأسباب مختلفة، اتباع النهج الاستعماري، وترسيخ الثقافة الفرنسية ولغتها وخلق مجتمع متعدد الثقافات، مهترئ الأوصال’.

إصلاح يتهم لغة الضاد

وتتبعت الوثيقة بالنقد والتبخيس جميع الإصلاحات التي شهدتها موريتانيا عبر تاريخها بدءا بإصلاح 1959 وانتهاء بإصلاح 1999 المطبق حاليا.

وأكدت الوثيقة أن ‘الإصلاح الحالي خطير لكونه تأسس على اتهام اللغة العربية بأنها وراء تدني مستويات التعليم وفق ما جاء في التشخيصات الممهدة والمصاحبة له’.

واتضح أن الهدف من هذه الفرية والتهمة الخطيرة وغير العلمية، تضيف الوثيقة،’هو تبرير تهميش اللغة العربية وإقصاء العاملين بها وصولا إلى العودة بالبلاد إلى سابق عهدها، أي إلى ما قبل منتصف الستينات من القرن الماضي’.

يذكر أن إصلاح 1999 يوحد النظام التربوي الموريتاني على أساس إعطاء الأولوية للغة الفرنسية واعتماد تدريس المواد العلمية بها.

ومن ضمن المآخذ الكبيرة على إصلاحات التعليم التي تطرقت لها الوثيقة

كونها ‘أبقت على الأسس والقواعد المنهجية والتربوية التي بنى عليها المستعمر سياسته التعليمية في موريتانيا منذ مطلع القرن الماضي ولم تحد عنها قيد أنملة، رغم بعض الاختلافات الشكلية المعروفة’.

ومن هذه المآخذ أن الإصلاحات ‘كرست جميعها إبعاد اللغة العربية والعلوم الشرعية، وقضت على دور المحظرة (المدرسة الأهلية)،وغيرها من البنى التربوية الأهلية، فساهمت بالنتيجة في الازدياد المفزع لنسبة الأمية بين أفراد المجتمع، وقدمت بذلك خدمة مجانية لا تعوض للمستعمر الذي كان هدفه الأول هو القضاء على اللغة العربية والثقافة الإسلامية في موريتانيا’.

إصلاحات غير جادة

وأشارت الوثيقة إلى أن الإصلاحات ‘جاءت تلبية لإرادة سياسية معينة، بغية كبح مطالب شعبية ملحة، أو للتخفيف من حدة أزمة قائمة.. ولم تكن في جميع الأحوال مبنية على أسس تربوية علمية ثابتة، ولم يكتب لأي منها أن يأخذ مداه الزمني في دورة تربوية تامة، فكلما وصلت ترتيبات أحدها إلى ثلث أو منتصف الطريق؛ جاءت السلطات القائمة ـ حسب هواها – بإجراءات أخرى وسمتها بإصلاحات’.

وشددت الوثيقة على أن جميع ‘الإصلاحات’ التعليمية المتعاقبة كانت باهظة التكاليف؛ ضعيفة المردود، ويكفي للبرهان على ذلك أن نعرف أنه حتى سنة 1986 كانت نسبة 10 في المئة فقط من التلاميذ الداخلين إلى السنة الأولى من الابتدائي هي التي تصل إلى التعليم العالي وطبقا لوزير التعليم في خطابه لدى افتتاح لجنة الإصلاح بهذا التاريخ فإن 15 في المئة منهم تلتحق بالتعليم الإعدادي، ولا يتمكن إلا أقل من 10 في المئة من الوصول إلى الثانوية العامة بينما لم تتجاوز نسبة التمدرس 35.6 في المئة وهي أضعف النسب في إفريقيا’.

وقدمت الوثيقة مثالا على الانعسات السيئة للإصلاح الجاري فأوضحت ‘أنه خلال السنوات العشر الأخيرة ـ وحسب الإحصاءات الرسمية ـ التي غالبا ما تطبعها عدم الدقة والمبالغة ظل متوسط معدل التسرب المدرسي لا يقل عن 55 في المئة، ونسبة النجاح في الشهادة الإعدادية لم تتجاوز 57 في المئة،كما أن نسبة النجاح في الباكلوريا لا تتجاوز 15 في المئة ونسب النجاح في الدورة الأولى تدور دائما بين 3 إلى 6 في المئة حسب شهادات الأساتذة المصححين وفي الدورة الثانية يجري تبسيط المواضيع وتضخيم النتائج بشكل مخالف للحقيقة والأدلة على ذلك أكثر من أن تحصى’.

وضعية تنذر بالخطر

وخلصت الوثيقة إلى التأكيد بأن ‘الوضعية التي يمر بها قطاع التعليم الموريتاني باتت محسوسة ومرئية من قبل الجميع على حد سواء، وهي وضعية تنذر بخطر داهم يهدد حاضر البلاد ومستقبل أجيالها’.

وحددت الوثيقة ملامح الإصلاح التربوي المنشود مؤكدة أن عليه أن يواكب ‘مطالب الإصلاح الملحة اليوم على مختلف المستويات: الاقتصادية والاجتماعية والسياسية وهو ما سيظل متعذرا طالما لم نوفر كل الظروف لتربية الناشئة في مدارس وجامعات يسودها جو من الاحترام المتبادل الملائم للأفكار الديمقراطية، ويمكن من اكتساب الشعور بالحرية والاستقلالية والوعي بالمسؤولية، و يتبنى داخل المجتمع رؤية للعالم متشبثة بالتسامح والإخاء’.

وطالبت الوثيقة الحكومة بالتوجه لإرساء إصلاح جديد يضمن ‘الحفاظ على الشخصية الثقافية والحضارية ويكرس الوحدة الوطنية ويعتبر أن الإسلام هو الركيزة الأولى لهويتنا الحضارية واللغة العربية هي الركيزة الثانية لحضارة الشعب الموريتاني ولغة البلاد الرسمية’.