حركة 25 فبراير: الحلم الواقعي

لطالما سكت، أو تغاضيت، أو جاملت.. متمنيا أن تأتي اللحظة التي يتفهم فيها بعض من النخب الوطنية لما نخوضه في غمار تجربة حركة 25 فبراير (المجهرية، الفقاعة، الظاهرة الصوتية، الافتراضية، الزهرة الاصطناعية..إلخ من التوصيفات).

لكنني أجد نفسي اليوم في حالة ذهول و استغراب أمام سوء الفهم الكبير الذي نتعرض له من طرف من كانوا في اعتبارنا مظنة المؤازرة و المساندة.

لهذا علي أن أقوم بجملة من التوضيحات لهؤلاء و سواهم ممن لم “يفهموا” بعد!
لهم أقول: يا من لم تكلفوا أنفسكم عناء التثبت و البحث عن حقيقة هذه التجربة تمهلوا قليلا، فمن السهل إصدار الأحكام و التوصيفات الجزافية في حق الآخرين، والأصعب حقيقة هو إنصاف الناس و إعطاؤهم حقهم.

يا من قعدتم في الأبنية الرخامية الباردة تحللون، و تشيدون من الوهم دورا اصطنعتموها، وموازين تكيلون بها بغير القسط كفاكم تصنعا، كفاكم تخيلا، كفاكم جورا!

أين الجهة المنظمة في موريتانيا في عام 2012 المنصرم التي قامت بأزيد من عشرين نشاطا ما بين مظاهرات قمعت بأشد أنواع القمع، ولم تنثن و لم تسلم؟
ما بين سلاسل بشرية و مسيرات صمود و مظاهرات حشد لها النظام أقصى طاقاته القمعية!

ألم نعبئ الجماهير ضد التعديلات الدستورية ساعين إلى تأكيد مطلب شعبنا بنظام دستوري و مؤسسات شرعية؟

ألم تضج مسامعكم من شعار: يسقط .. يسقط حكم العسكر؟

أين التشكيل ـ رغم محدودية موارده، وقلة أفراده الذي خرج في ذكرى العاشر من يوليو رافضا هيمنة العسكر؟

ألم نبادر بتجسيد أسئلة الشعب الموريتاني الملحة عن حقيقة الرصاصات المشبوهة ميدانيا، و وزع نشطاؤنا آلاف المنشورات التحسيسية حول خطورة الفساد و استشرائه، وغلاء المعيشة و شدة وطأتها على المواطن، ألم نعبر عن رفضنا للوصاية الأجنبية، و أسهمنا في التعبئة ضد الحرب التي كنا سننجرف برعونة إليها؟

لماذا تنكرون، أو تتنكرون؟

ألأننا لا ننتمي لأي فصيل سياسي، ونجتهد لأن نكون مستقلين، ونحرص على أن تكون ثمار مجهوداتنا لكل الموريتانيين تستمرئون ظلمنا و غمطنا في كل وقت؟
ألا يعجبكم أننا أبقينا جذوة الاحتجاج السلمي مشتعلة، بتقديمنا لنموذجنا للتظاهر الوادع و السلمي؟

أكنتم تريدون لنا أن نترك سندنا الحقيقي: المواطن العادي الذي لا يفقه كثيرا في التجاذبات السياسية ونخسر تعاطفه لما نقوم به من تعبير عن مطالبه في عيش كريم، وحرية مصونة، وعدالة حقيقية؟

ألم نقف مع المظلومين في كل مكان، تارة نبلغ صوتهم، وأحيانا نقدم لهم خبراتنا المتواضعة في المجال الذي نذرنا أنفسنا له؟

هل تعتقدون أننا كنا نتفرج فقط مثل البعض على احتجاجات السكان في الداخل المطالبة بالماء والكهرباء والطرق المعبدة؟

أو كنا نراقب المسيرات الراجلة من نواذيبو و ازويرات المطالبة برد الظلم عن بعض من مواطنينا؟
هل تحسبون أننا تجاهلنا الحراك العمالي الساعي إلى التحرر من ربقة الاستغلال في المدن العمالية؟

لقد كنا الأقرب لاعتصام الجرنالية في ازويرات، وغير بعيدين حتما من إضرابات العمال في أكجوجت ومظاهرات البحارة في نواذيبو بما تقتضيه مصالحهم لا بما تمليه ضرورات السمعة و الرياء والانتهازية السياسية.

قد نكون شبابا، أعدادنا قليلة، مواردنا محدودة، تجاربنا حديثة.. لكننا نمتلك سلاحين هامين: الصدق والإرادة، و هما ما سيضمنان حتما الاستمرارية لتجربتنا التي لا تتوفق عند مطلب صغير آني أو فئوي،

إنها تجربة حالمة فعلا، الانها تنطلق من المتاح، الممكن، الواقع..
فبين أن نلقي السلاح و نغرق في السلبية و نترك أبناء شعبنا يدورون في حلقات مفرغة مائعة، أو نفتح صدورنا لمواجهة قمع النظام و استهزاء و سخرية المثبطين و حتى تشكيك النخب (الذي استوجبه هذا الكلام)..

الأصعب لأنه من السهل جدا القعود و الانتظار، ومضغ كثير من “قات” الأحلام الزائفة و انتظار (غودو مخلص) لن يتنزل من السماء أو تنشق عنه الأرض، لأن النظام لن يسلم السلطة أو يتخلى عن ممارساته إذا طلبنا منه ذلك، و لن يفعلها إذا نظمنا مئات المهرجانات، وقد لا يسلمها بالانتخابات لأنه غير مؤهل لذلك.

هناك طريق واحدة في اعتبارنا: أن ننتزعها.
ليس بالقعود و إطلاق التحليلات المملة!

بل بخلق مواطن قادر على التعبير عن نفسه في مواجهة الظلم، غير هياب لترهيب النظام، ولا مكترث بوعوده و إغراءاته.

و إلى ذلك الحين تسقط كل التحليلات المثبطة للشباب الموريتاني و لعزيمته و إصراره على فرض التغيير.