بيان حول نتائج الانتخابات الأخيرة

بعد مرور أقل من أربعة أشهر على الانتخابات الرئاسية، وفي أول استحقاق تشريعي، يشارك فيه حزب الإتحاد من أجل الجمهورية بعد تأسيسه، أظهرت نتائج انتخابات تجديد ثلث الشيوخ(ف أ) فوزا كاسحا مستحقا غير مسبوق للوائح الحزب في الدوائر التي جرت فيها انتخابات التجديد.. فكانت هذه النتائج مؤكدة أن الشعب الموريتاني خبر بما فيه الكفاية طبيعة بعض قوى المعارضة، ومدى عجزها عن تحقيق أي نجاح، أو التوفيق في التعامل مع أي فرصة تتاح لها مهما كانت الظروف والضمانات، نتيجة انعدام الرؤية الواضحة والتحليل السليم للمعطيات، والبصيرة النافذة ونكران الذات، ونتيجة استعجال النجاح قبل توفر شروطه، مما أوقعها في تناقضات يستغربها العامي ويستهجنها الغِرّ فضلا عن من له أدنى وعي بمفردات السياسة.

فرغم الظروف الجيدة التي جرت فيها هذه الانتخابات، وما صاحبها من ضمانات بالشفافية المطلقة، والتدابير والإجراءات التي اتخذت لأول مرة، مثل : عدم ترقيم بطاقات التصويت ومنع المستشارين من الدخول بهواتفهم النقالة ، فرغم كل ذلك عجزت هذه المعارضة عن نيل ثقة الهيئة الناخبة”ممثلي الشعب”، وبدل الاعتراف بالأخطاء وممارسة النقد الذاتي، نجد هذه المعارضة ترفع صوتها عند كل إخفاق محملة المسؤولية للأغلبية دون مبررات موضوعية ومسوغات مقنعة. فالجميع يتذكر التنازلات الكبيرة التي قدمها الرئيس محمد ولد عبد العزيز والأغلبية الداعمة له، قبل الانتخابات الرئاسية الماضية، مما اعتبره بعض انتحارا سياسيا ومغامرة غير محسوبة وتنازلا غير مسبوق، وعلى الرغم من كل هذه التنازلات التي قُصد بها توفير ضمانات تسمو فوق كل الشبهات، ومع تزكية الهيئات الدولية والأجهزة المحلية المعارضة لنتيجة الانتخابات، طلعت علينا المعارضة، بطلب للتحقيق في النتائج مع غياب أي مرتكز من المرتكزات التقليدية التي تبرر المطالبة بالتحقيق وتؤسس لها، فلا توجد أي ملاحظة سلبية لممثلي المعارضة في جميع المكاتب الانتخابية على امتداد التراب الوطني، ولا أي ملاحظة جوهرية سلبية من المجموعة الدولية، ولا أي مظهر من مظاهر عدم الشفافية فلا توجد المكاتب المتنقلة ولا طرد ممثلي المعارضة من المكاتب، ولا مضايقة الطوابير بإغلاق المكاتب في وجهها قبل أن تنهي تصويتها، فالمبرر الوحيد للمطالبة بهذا التحقيق هو أن المعارضة التي لم تذق قط طعم النجاح، قد أخفقت هذه المرة أيضا، مما يجعل المراقب يعتبر طلب التحقيق هذا، أمرا عبثيا هدفه إرباك المؤسسات وحبس الدولة في دوامة الانتخابات، وصرفها عن الاضطلاع بدورها في ميادين التنمية والإنتاج واستشراف المستقبل، ولو أن التحقيق أجري لبرهن على إخفاق المعارضة، ولطالبت بالتحقيق في التحقيق، ولما لم تجد هذه المعارضة صدى لمطالبتها بالتحقيق لقناعة جميع الجهات ذات الصلة بمن فيهم المعارضة ذاتها بنزاهة وشفافية الانتخابات. بدأت تتحدث عن انتقائية مزعومة في مسيري المال العام، ولو أن معارضتنا تنفعها الأدلة، لقدمنا لها قائمة طويلة من المقربين سياسيا ممّن هم في دائرة الموالاة، ومع ذلك تناولتهم إجراءات المساءلة والعقاب ولكن معارضتنا فيما يبدو لا يهمها إلا الإثارة، فلا ترى الإيجابيات ولا تشيد بالإنجازات ولا تؤازر العمل البناء، فالإصلاح الذي كانت تنادي به، أصبحت تنادي ضده باعتباره تجنيا على من أخل بمقتضى مسؤولياته، وبدأت تتدخل في صميم صلاحيات المفتشين وتسلبهم جوهر مسؤولياتهم وهو سلطتهم التقديرية لمن يقدمون أو يؤخرون في عملية تفتيش شاملة لن تستثني أحدا، فلا يمكن بناء الدول بواسطة حماية المفسدين وانتحال المبررات بغية إبعادهم عن المساءلة والعقاب، كلاّ، ولكن الرئيس الذي جعل من مكافحة الفساد جوهر برنامجه، وفيٌ لالتزاماته، وقد بدأ الخطوات الأولى في سبيل ذلك، ولن يثنيه عنه أي تشكيك ولن يصرفه عنه أي صارف ولن يشغله عنه أي شاغل، ولو كانت المعارضة تحترم نفسها وتحترم الشعب الموريتاني لما تحدثت عن عدم وفاء الرئيس بالتزاماته، التي أخذ على نفسه الوفاء بها على مدى مأموريته كلها، قبل انقضاء ثلاثة أشهر من انتخابه، وهو ما يزال يعالج مشكلات موروثة من الماضي، ويضع الأساس الضامن للانطلاقة المستقبلية نحو الإصلاح. ولو أن المعارضة هي التي كسبت الانتخابات فهل كانت ستحقق الإصلاح الذي تتحدث عنه في مدة كهذه إن صدقت تعهداتها، فهذه المغالطات المكشوفة لا تنطلي على أحد، وليست مطية صالحة لاختصار المسافات نحو الوصول للسلطة، فلتجرب وسيلة أنصع وأنجع لبلوغ ثقة الجماهير. أما اللَّغط المثار من طرف المعارضة حول انتخابات الشيوخ الأخيرة فهو الثابت الوحيد الذي عرف في مسيرة هذه المعارضة المتقلبة المواقف إلى حد التناقض، بحيث يصعب على أي مراقب أن يرصد لها سمات ثابتة لا تتغير، غير اللجوء إلى التعويض بإسقاط عوامل الفشل على الآخر كلما أخفقت في كسب رهان انتخابي وطني أو محلي.

• ونحن في الإتحاد من أجل الجمهورية يسعدنا أن نعلن في هذا المقام مايلي:

– نشكر المستشارين الذين تساموا على الضغوط والمغريات وصوتوا بقناعة لخيار الإصلاح والتغيير، كما نثمن عاليا مجهودات إدارة الحملة على المستويين الوطني والجهوي، وننوه بتضحيات المرشحين والمناضلين الذين واصلوا الليل بالنهار من أجل تبليغ برامج الحزب وسياساته للهيئة الناخبة؛

– نؤكد أن النتائج المحققة تمثل استمرار تعلق الشعب الموريتاني بخيار التغيير البناء، بعد أن لمس بوادره تتجلى في تفاصيل حياته يوما بعد يوم؛

– نشيد بالجهود المبذولة لمحاربة الفساد وإرساء قواعد الشفافية وترسيخ ثقافة احترام المال العام، واستعادة الأخلاق والقيم السليمة، وإقامة العدل،كما نسجل بارتياح بالغ الزيارات الميدانية والمثمرة التي يقوم بها رئيس الجمهورية للاطلاع بشكل مباشر ودون وسيط على واقع المواطن الموريتاني؛

– نسدي جزيل شكرنا لكل من ساهم في تحقيق هذا الفوز التاريخي وخاصة شركائنا في الساحة السياسية من أحزاب وهيئات ومبادرات.

– نثمن عاليا المواقف المتزنة التي اتخذتها الحكومة، والسياسات المتبعة التي مكنت بلادنا من استعادة مواقعها الطبيعية على المستويين الإقليمي والدولي على أساس قوي من الاحترام المتبادل والمصالح المشتركة؛

– نجدد تمسكنا بالحوار والانفتاح على كل الموريتانيين دون استثناء، فلن يكون لدينا موقف مسبق من أي كان..

وفي الختام نؤكد أن التغاضي عن الرد بالمثل لا يعني عدم القدرة عليه، وأن المنشغل بالبناء ليس لديه وقت للهدم، وأن من يتصرف ويتحدث من موقع المسؤولية ليس كمن يمارس هواية أو يشغل فراغا، أو يريد فقط أن يسمع صوته للإعلام بأنه ما يزال موجودا، وأن من يستثمر نصرا ليس كمن يعوض خسارة، فمسيرة الإصلاح متواصلة، والانجازات العملية وخدمة الأمة والشعب هي معيار التفاضل بين المشاريع السياسية على اختلافها، والشعب هو الحكم، والفعل هو الواقع والقول لا يبقى منه إلا ما فيه من حق موضوعي، وما عدا ذلك فهو تنفيس عن الذات وحديث مع النفس. «والله يعلم المفسد من المصلح»، «وأما الزبد فيذهب جفاء، وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض».