تساؤلات مشروعة بخصوص”الحرب علي الفساد”

إذا كنا نحن الموريتانيين ادري بالمفسد من المصلح ، ونعرف كذلك من اثروا ثراء غير مشروع من مالنا العمومي، فان “الحرب علي الفساد والمفسدين”، والانحياز للفقراء والمظلومين .. ظلت شعارات من بين أخرى كثيرة أرهقت مسامعنا صباح مساء، منذ الانقلاب العسكري الذي أطاح بالرئيس المنتخب سيدي ولد الشيخ عبدا لله، لكن ماذا تحقق من هذه الشعارات علي ارض الواقع؟ والي أين وصلت نتائج “الحرب علي الفساد”..؟

صحيح أن ما يقرب من85% من المسؤولين الموريتانيين ، من وزراء وأمناء عامين، ومدراء.. وحتي رجال أعمال.. قد أعاثوا الفساد في ممتلكات الشعب الموريتاني، وحولوها إلي دولة بينهم، وكان نهب هؤلاء اللصوص المفترضين، قد بدء مع بداية التسعينات من القرن الماضي، عندما قرر العقيد ولد معاوية ولد الطايع البقاء لأطول فترة ممكنة في حكم البلاد، فسلم مفاتيح خزائن الأرض لما يسمي بالناخبين الكبار من نافذين حكوميين إلي مقاولين ومصاصي دماء الفقراء ودجالين من وجهاء القبائل ومشعوذيها..، حتي جاء المجلس العسكري للعدالة والديمقراطية سنة ،2005 وكان من قادته النافذين من يقال انه يمتلك عددا كبيرا من العمارات والشاحنات ويدير المؤسسات الضخمة..، وهم القادة الذين دخلوا الخدمة قبل أن يشغلوا وظائف خصوصية تمكنهم من جمع هذه الأموال، وبالتالي فالراجح أنهم اثروا خلال عملهم الرسمي بطرق مشبوهة علي حساب الفقراء الموريتانيين من عسكريين ومدنيين، ومع ذلك فقد حمل هذا المجلس شعارات براقة، وكان أكثر صدقا مع الجماهير، حينما استثني من شعاراته شعار الحرب علي الفساد، وأطلق رئيسه كلمته الشهيرة “عفا الله عما سلف” وتبريره أن السلطة لا تستطيع متابعة الجميع، لأن الجميع موضع شك حول اختلاس الممتلكات العمومية.

وفي مرحلة ولد الشيخ عبد الله الذي أتي به القادة الفعليون في الانقلاب علي ولد الطايع، مناقضين بذلك تعهداتهم بالنزاهة والحياد، فانه لم يرد أن يعلن الحرب علي الفساد، وشكك في وجود ملفات تتعلق بالفساد، بل إن الكثيرين ممن قلدهم بعض الوظائف يوصفون برموز للفساد، مثل ما فعل خلفه الحالي السيد محمد ولد عبد العزيز بعد انتخابه حيث قرب بعضا من رموز الحقبة الطائعية وقادتها الكبار، وهي الحقبة الأكثر فسادا في نظر الموريتانيين، وهؤلاء الرموز يشغلون حاليا حقائب دبلوماسية واستشارية، وحتي وزارية، ويمكن للقارئ الكريم القيام بعملية جرد للمناصب والمسؤوليات التي يتبوؤها رجال ولد الطايع في نظام ولد عبد العزيز في الوقت الراهن،ومع ذلك فإننا اليوم في خضم ما يسمونه “بحرب علي الفساد” ونري من حين لاخرعمليات استجواب لبعض رجال الأعمال الذين تحالفوا مع الحكومات المتتالية، كما نرى بعض المسئولين يجردون من مناصبهم دون أن يعرف الرأي العام حقيقة ما ارتكبوه، ومن حقه فعلا أن يعرف الأسباب وراء التجريد والمسائلة هذه، فإذا كان هؤلاء متورطون في فساد واحتيال، فلماذا لا يترك أمرهم للقضاء فيما يخص بالإدانة أو التبرئة؟ وكيف لم يستشار الشعب الموريتاني عموما في قضية المفسدين هذه، ومحاولة استرجاع ممتلكاته من أيديهم؟ أم انه من حقنا التصرف نيابة عن الشعب في هذه القضايا المصيرية؟ ثم انه إذا كانت الحرب جادة حقا علي الفساد، فلماذا لا تبدأ السلطة الحالية بنفسها بإعطاء المثل الحسن، ويقدم كل مسؤول، مهما علا شأنه، قائمة بممتلكاته ومعلومات مقنعة حول الطرق التي حصل من خلالها علي هذه الثروات إن كانت موجودة؟.

وقد لا تتوقف أسئلة المتتبعين لتطبيق شعارات محاربة الفساد علي هذا النحو، بل انه من واجب الموريتانيين أن يلمسوا أفعالا لا أقوالا في كل ما يخص هذه “الحرب المقدسة” التي ينبغي أن يشرك فيها الموريتانيون جميعهم، ويطلعوا بكل شفافية علي يومياتها المتواصلة، فقد مللنا الشعارات غير الصادقة، وبإمكان ولد عبد العزيز أن يكسب كل الفقراء والنخب المثقفة من خارج الحظيرة الإدارية الفاسدة إلى صفه، وان يصبغ شرعيته -التي لا يعترف بها كل الموريتانيين وترفضها المعارضة – بمناعة خاصة، إن قرر القطيعة النهائية مع الفساد والمفسدين وكل من سكتوا علي الفساد وعملوا في حكومات مفسدة في الماضي، و حتى تكون هذه الحرب مجرد شعارات ممجوجة، كالذي ألفناه في الأعوام والشهور الماضية، عندما كانت لا تمثل سوى نوع من اللعب علي العقول وتضليل المواطنين، فيسجن هذا أو ذاك علي انه أفلس الخطوط الجوية أو غيرها، ثم يطلق سراحه بعد حين ويحفظ الملف بعيدا عن الأضواء، فانه ينبغي متابعة جميع من تحوم الشكوك حولهم في هذه الجرائم، وبتجرد تام من العواطف السياسية أو تصفية الحسابات، وان تكون هذه الحرب شاملة للجميع بغض النظر عن مواقفهم الموالية أو المعارضة، وان كان المفسد في الغالب لا يمتلك شجاعة معارضة أي حاكم.

وأخيرا وعندما تصفي المواقع العمومية من المفسدين وتنتزع الثروات من مختلسيها وتعاد للفقراء والعاطلين وللمضطهدين والمظلومين حتي يحصلوا علي بعض حقوقهم المشروعة في هذا الوطن الذي لا وطن لهم سواه، عندها يمكن أن نسمي ما حصل ويحصل حربا حقيقية علي الفساد، لا شعارات ماكرة ومضللة لتضييع الوقت وإلهاء البسطاء من الناس.

سيدي محمد ولد محفوظ

Mahfod1@maktoob.com

نقلا عن صحيفة “البداية”