كفانا من وكالات محاربة الرق!!

تعكس البيانات الصادرة أخيرا عن اجتماعات مجلس الوزراء مدى الارتباك والارتجال الذي صاحب الإعلان عن تأسيس وكالة لمحاربة مخلفات الرق حسب بيانين صادرين عن مجلس الوزراء، أو لمحاربة الرق بشكل مباشر حسب بيان ثالث صادر عن المجلس نفسه.

وتقول القراءة الفطنة لتلك البيانات الثلاثة بأن الحكومة لم تؤسس هذه الوكالة من أجل محاربة الرق ومخلفاته، وإنما أسستها من أجل تحقيق مكاسب سياسية آنية في ظل أزمة سياسية بالغة التعقيد. وتؤكد تلك القراءة بأن الإعلان عن تأسيس هذه الوكالة قد تم بقرار مرتجل يدخل في إطار حملة انتخابية سابقة لأوانها، وهولا يختلف في شكله ولا في مضمونه عن قرار آخر تزامن معه تم بموجبه تعيين بعض قيادي حزب الاتحاد من أجل الجمهورية في وظائف حكومية سامية.

فالوكالة التي تمت تسميتها عند الإعلان عن ميلادها يوم الخميس الموافق 21 ـ 03 ـ 2012 بالوكالة الوطنية لمحاربة مخلفات الرق وللدمج ولمكافحة الفقر لم تحتفظ بذلك الاسم إلا لأسبوعين فقط. فبعد الإعلان عن ميلاد الوكالة ارتفعت بعض الأصوات ـ خاصة من أبناء الشريحة المستهدفة ـ لتطالب بضرورة أن تعترف الوكالة بوجود الرق، وربما يكون ذلك هو الذي أدى بالحكومة إلى أن تغير اسم الوكالة على عجل، فجاء اسمها في بيان الخميس الموافق 04 ـ 04 ـ 2013 بالصيغة التالية: ” وكالة التضامن الوطنية لمكافحة الرق والدمج ومحاربة الفقر”. ومن الواضح أن هذا الاسم لا يستقيم لغويا، وذلك ما كنت قد أشرت إليه في مقال سابق، فهذه التسمية كانت ستجعل من الوكالة الوليدة وكالة لمحاربة الدمج، ولمحاربة محاربة الفقر.

المهم أن الحكومة اعترفت رسميا ـ ولأسبوع كامل ـ بوجود الرق في موريتانيا، وذلك من خلال الاسم الثاني للوكالة، وربما يكون ذلك الاعتراف قد أزعج البعض، خاصة من القانونيين، ولا يستبعد أن يكون على رأس أولئك القانونيين مدير الوكالة، والذي ربما يكون هو من نصح بضرورة تعديل اسم الوكالة من جديد.

تغير اسم الوكالة للمرة الثالثة، رغم أنها لم تكمل شهرها الأول، فجاء الاسم الثالث بالصيغة التالية: الوكالة الوطنية “التضامن” لمحاربة مخلفات الرق وللدمج ولمكافحة الفقر. جاءت التسمية الثالثة لتصحح الخطأ اللغوي الذي ظهر في التسمية الثانية، ولتعود إلى مصطلح محاربة مخلفات الرق، بدلا من محاربة الرق التي جاءت في التسمية الثانية.

هكذا وُلدت الوكالة بأسماء متغيرة قد لا يتوقف تغيرها عند الاسم الثالث، فمن يدري، فربما يُطل علينا بيان قادم لمجلس الوزراء باسم رابع أو خامس لهذه الوكالة؟

وإن مظاهر الارتباك الذي صاحب ميلاد هذه الوكالة، إضافة إلى تغير أسمائها، هو أن الحكومة سارعت بتعيين أمين عام للوكالة من أبناء الشريحة، وذلك بعد أن تظاهر البعض في الأسبوع الماضي منددا بتعيين “حمدي ولد محجوب” مديرا للوكالة.

اختارت الحكومة واحدا من أبناء الشريحة، ولكنها اختارت موظفا مفسدا حسب شهادة الحكومة نفسها، والتي كانت قد أعفته في وقت سابق من مهامه لأسباب قيل حينها بأنها كانت مرتبطة بسوء التسيير، وبالاستيلاء على قطع أرضية ومنحها بطرق بعيدة عن الشفافية.

ولم يكن تعيين هذا الموظف المعفي سابقا من مهامه هي أول حالة من نوعها، فقد سبقه لذلك وزير الإسكان الذي كان قد أعفي من قبل ذلك من مهامه.

وتبقى عملية تعيين المجردين والمعفيين من مهامهم من “إبداعات” النظام الحالي، والذي يدعي بأنه يحارب الفساد. ففي الأنظمة السابقة كان يتم حرمان من جُردوا من مهامهم من أي تعيين لمدة سنوات. أما في ظل هذا العهد فالأمر يختلف تماما، ذلك أن المجرد من مهامه قد يستدعى لوظيفة أفضل وأهم من تلك التي كان يشغلها لحظة إعفائه أو تجريده من مهامه.

إن تنامي مثل هذه الحالات في الفترة الأخيرة يستدعي من أصدقاء المستشار المكلف بالمحروقات المكررة الذي تم تجريده من مهامه في مجلس الوزراء الأخير بأن يهنئوه بمناسبة التجريد من المهام، فمن يدري، فربما يتم تعيينه في وقت قريب في وظيفة أهم بكثير من وظيفة مستشار مكلف بالمحروقات.

حفظ الله موريتانيا.

محمد الأمين ولد الفاضل

elvadel@gmail.com