آراء و مقالات

قمة عربية غير عادية في بكين / المصطفى ولد البو

تتم دعوتي غالبا إلى الصين كصحفي ناطق بالإنجليزية للمشاركة في فعاليات إعلامية، لكني تفاجأت في المرة الأخيرة برسالة تحمل عنوان “تعزيز التبادل الإعلامي بين الصحفيين العرب والصينيين” فتحمستُ جدا لأنها تعني أني سألتقي صحفيين عرب وسأتحدث بلغتي الأم دون تكلف هذه المرة.

وصلت المطار واستقبلتني مجموعة من لجنة تنظيم هذا النشاط الإعلامي، قال لي أحدهم: وصل بعض الصحفيين العرب المشاركين معك ويمكنك الانضمام إليهم ريثما تصل البقية، قلتُ طبعا والتقيت بهم مباشرة، تبادلنا السلام بشكل سريع ورحب كل منا بالآخر لتصل بقية المجموعة وننطلق إلى الفندق.

كان الجميع متعبا في اليوم الأول بسبب ساعات السفر الطويلة، لكننا اجتمعنا في اليوم الموالي في حفل الافتتاح وجلسنا على طاولات مختلفة لكنها متقاربة، كان كل منا يختلس النظر إلى الآخرين مع تعابير وجه تصرخ من أنتم؟ وما أنتم؟

لم يمض وقت طويل حتى حانت الفرصة وبدأ ذوبان الجليد بين أفراد المجموعة..

صحفيون معروفون من مصر

صحفيون معروفون من تونس

صحفيون معروفون من الإمارات

صحفيون معروفون من سلطنة عُمان

صحفية كبيرة من السودان

صحفي مهم من لبنان

صحفي مهم من جزر القمر

عندما اطلعت على جنسياتهم تأكدتُ أنني أمام قمة استثنائية جدا ولا تتكرر كثيرا ونجحت الصين مع صدفة كبيرة في تحقيقها، والسبب في وصفها بالاستثنائية ليس عائدا إلى طبيعة الجنسيات المشاركة فقط وإنما في التوجه السياسي والإيديولوجي والطائفي الذي يحمله كل صحفي في هذه المجموعة المتميزة، فالصحفيون المصريون من داعمي السيسي الرحماء بينهم الأشداء على خصومهم، و التونسيون من القيادات الإعلامية لحركة النهضة و حركة نداء تونس، و الإماراتيون إماراتيون يعملون في وسائل إعلامهم الرسمية و متشبعون بمناهضة إيديولوجيات معينة و العُمانيون ملتزمون بخطهم الدبلوماسي المعروف و اللبناني شيعي داعم لحزب الله و السودانية مؤمنة ببلدها و متحفظة فيما يخص سياسته الخارجية و القُمري مثل الموريتاني يعتبرهما كل من سبق حياديان بناء على جنسيتهما و الانطباع السائد عنهما أنهما بعيدان غائبان نظيفان من أي تخندق و مسالمان, و لا أخفيكم سرا أن هذا الانطباع أعطاني حرية في فهم كل طرف و يرجع له الفضل في كتابة هذا المقال فما دمتُ لست طرفا فلي الحق أن أكون حكما…

أثناء أول فطور نتناوله، نزلت إلى الطابق حيث يوجد المقهى، نعم أنا آخر الواصلين، نظرت إلى الجميع فإذا بالطريقة التي توزعوا بها على الطاولات تشبه تماما الخريطة السياسية لعالمنا العربي في هذه الأيام، المصريون مع الإماراتيين ومعهم حركة نداء تونس، وحركة النهضة على طاولة بمقعدين ربما منعا لأن يشاركهم أحد أو استعدادا لترتيب أوراقهم قبل الاندماج حتى وإن كان صوريا، اللبناني جلس وحيدا والعمانيون وحدهم أيضا والسودانية جلست مع القُمري.

حملتُ فطوري ووقفت غير بعيد من الجميع أتظاهر بأني أبحث عن مكان لأني لا أريد الجلوس وحدي بطبيعة الحال ولأني أريد أن تتم دعوتي بدل اقتحام أية جلسة، بصوت جهور ومخارج حروف مميزة صاح الصحفي التونسي النهضوي.. أيها الموريتاني تعال يا مرحبا، ونظر إلى زميله قائلا.. هؤلاء الموريتانيون رائعون يا رجل أنا معجب بهم جدا، أذكياء ومثقفون لكنهم مظلومون إعلاميا، شكرته على انطباعه الجميل حولنا وعن الظلم الإعلامي أحلته إلى مقال لي يسمى التغريبة الموريتانية ليفهم أننا تخصلنا من تلك المظلومية، هذا الصحفي يتمتع بأخلاق عالية وحس فكاهة مميز كما أنه بشوش ويمازح البعض بانفتاح والبعض «الآخر ” بحذر شديد، وفي إطار التعارف بينا سألته عن خط رحلته، قال لي ضاحكا.. الصينيون لا يفهمون طبيعة الأمور، لقد حجزوا لي على الإماراتية فراسلتهم فورا أن اجعلوا الحجز تركيا مالكم كيف تحكمون!

ومع مرور الوقت أصبح التقارب هو سيد الموقف، مسؤول نداء تونس يتسوق مع صحفيي النهضة ويتحدثان بسعة صدر وسعادة عن كل شيء ماعدا السياسة وهذا ما أبقى الود بينهم، كنتُ التقيهم في جلسات على العشاء وأحيانا يدعونني للتنزه معهم وكنا نحاول أن نبتكر لغة خاصة تساعدنا في التواصل فيما بيننا، كنتُ قادرا على فهم الكثير من لهجتهم لكني لم أفهم عُملتهم فكلها بالملايين، يشترون ويبيعون ويتقاضون الرواتب بصيغ كلها ملايين.

الصحفيون المصريون لا يقلون أدبا وأخلاقا عن التونسيين لكن لهم موقفا معينا منهم، ومع ذلك يحاولون تبادل الحديث قدر الإمكان معهم وإن شابه بعض الفتور في أيام كثيرة، المصريون وطنيون يحتفظون لأنفسهم بمكانة يرونها مستحقة، ويعتبرون بلدهم مستهدفا وكذا جيشهم وشرطتهم مما يسمونهم أبواقا مأجورة، والتونسيون النهضويون يرون أنهم ضحايا حكومات استبدادية وكان أحدهم يحكي دائما كيف كان الأمن يعاملهم في حقبة ماضية وما عانوه من تضييق وحتى تعذيب، كانت نظرات كل طرف للآخر تحمله مسؤولية ما عن أمر ما و مع ذلك حافظوا على تعاط مسؤول  وحذر.

بالنسبة للإماراتيين، فقد كانوا قليلي الكلام ويمكن فهم الموضوع بالإسقاط على طرف معين لكنه غير مفهوم بالنسبة للبقية، كانوا محترمين جدا لكنهم يفضلون عدم الاندماج مع المجموعة، وكان كل طرف يفهمه بصيغة معينة، فمنهم من اعتبره تكبرا ومنهم من اعتبره نفورا وتحفظا تمليه طبيعة العمل والجهة ومنهم من رأى أنه يعود لطبيعتهم كأشخاص فقط ولا علاقة له بما سبق، ومع هذا كانوا يتشاركون طاولتهم بشكل متقطع مع المصريين ومسؤول نداء تونس وهو أمر مفهوم سياسيا على الأقل.

أما العمانيون فقد نفذوا تماما دبلوماسيتهم المشهورة، كان من الصعب تصنيفهم كأقرب لهذا الطرف أو ذاك لأنهم إما يغيبون بشكل كامل أو يحضرون، ويحرصون على التواصل مع الجميع في لحظة واحدة أو الانقطاع عنهم في لحظة واحدة أيضا، لم يحتاجوا للعب دور الوسيط الذي يتقنونه جيدا ربما لأن التعامل الحذر وحتى الجفاء بين بعض الأطراف كان سيد الموقف، طبعا من المحتمل جدا أن يطلق البعض الشتائم لكن ذلك كان إما خلف أبواب غرفهم المغلقة أو بجانب من يثقون فيهم من حلفائهم.

الصحفي اللبناني كان خلوقا جدا ويحب النقاش جدا، خاصة المتعلق منه بالشأن اللبناني الداخلي وكنا مجبرين على استدعاء بعض المعلومات حول السياسية اللبنانية لكي نشاركه نقاشه حولها والذي ينتهي دائما بالدفاع عن طائفته واتهام-ولو ضمنيا- جهات أخرى بالتحريض عليها وتشويهها وهذا حقه وما يجب أن يكون عليه كل شخص محب لقومه و مع ذلك كان قريبا من استفزاز أطراف ترى في الحزب الذي يمثله شيطانا يخطط لتخريب بلدانهم.

السودانية كانت هادئة ومثقفة بشكل كبير كما هي عادة السودانيين، والجميل أنها في تعاطيها مع المصريين لم يحدث أن ناقشوا السياسة أو الاقتصاد ولم يتطرقوا إلى حلايب وشلاتين ولا إلى حصص مياه النيل و لا إلى أقدمية أهرامات السودان أو مصر أو أيها أكثر عددا،  وهذا ما جعل حديثهم يطبعه الكثير من التفاهم والود طيلة أيام المنتدى.

في اليوم الذي يسبق حفل الختام، جلستُ مع صديقي القُمري فالرجل يشبهني في هدوئي ولأنه من النادر أن ينتبهوا لغيابنا فقد وجدت فرصة في قراءة الحدث رأسيا، كانوا يمرون من أمامي ويتبادلون ابتسامات سرعان ما تختفي بشكل غريب، يختارون أماكن جلوسهم بعناية ويتحدثون بحذر شديد جدا، صحيح أن دعوتهم بكلما ما يمثلونه من تنوع فكري و سياسي و طائفي في مكان واحد يُعد إنجازا غذته صدفة بحتة إلا أن الخنادق الفكرية التي حفرها كل طرف أمام مضاربه كانت عائقا أمام تجاوز كل تلك الحساسيات المفرطة التي حملها الجميع مع أمتعتهم إلى الصين فعطلت انعقاد قمة كانت لتكون استثنائية فعلا لو كنا كعرب قادرين على التحرر من رِبقة الإيديولوجيا و برقع السياسة ولو مؤقتا حتى نرى بعضنا بعضا كإخوة -بعيدا عن القومية السياسية- ما يجمعهم أكثر مما يفرقهم و بدل النفخ فيما يفرقنا يوميا إمعانا في توسيع الهوة أكثر، نجلس بتجرد و نتحاور بكل مسؤولية و تحضر.

من موقع موريتانيا الآن

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى