آراء و مقالات

نظريات التربية والتعليم القديمة والحديثة في أفق مشروع الإصلاح


 

عبد الله بن أهنية

 

في عالم تزدحم فيه الأفكار ووجهات النظر والمقاربات والنظريات والأشكال والألوان فيما يخص العملية التربوية والتعليمية، عالم تتلاطم فيه أمواج التيارات والحركات الاقتصادية والسياسية والاجتماعية، يصعب على المرء انتقاء ما هو مجدي وفعّال نظرياً وتطبيقاً، لكن هنالك أعمالاً ونظريات قد تبقى خالدة وصامدة في وجه تلك التيارات والتغيرات المضطردة في هذا العالم المزدحم. غير أن الجميل في الأمر أنه في خضم تلك التيارات ومن رحم تلك الأمواج العاتية ولدت ونشأت أفكار ونظريات غيرت معالم ومفاهيم ميدان التربية والتعليم برمته قديماً وحديثاً أيضاً. لن نجد مقدمة أو توطئة للموضوع الذي سنتطرق له اليوم أحسن من أن نطلب من القارء العزيز أن يعرج على بعض من تلك النظريات التي رسمت أفكار علماء التربية ومعالم وأصول عالم التربية والتعليم الا منتهي، لكن قبل الخوض في موضوعنا، لابد من الاشارة إلى ما يرمز إليه مصطلح “النظرية التربوية”:

كيف تطور مفهوم النظرية التربوية؟:

يمكن تعريف مفهوم “النظرية التربوية” على أنه النموذج الذي يرغب ويطمح المجتمع القائم لأطفاله وناشئته وأجياله أن يكونوا عليه، والمؤسسات التي تعدُّ هذا النشء، والمقررات الدراسية والمناهج التي تستعمل في إعدادهم وتطوير مهاراتهم، ومجتمع المستقبل أيضاَ الذي سيعيشون فيه ويربون فيه بدورهم أجيالاَ أخرى. والنظرية التربوية، كما ورد عن الباحث ماجد عرسان الكيلاني (2009م)، ترتكز وتشمل أيضاَ شبكة العلاقات الاجتماعية التي يُرَغّب بها المجتمع لتنظيم سلوك البالغين فيه، والمؤسسات التي يعملون بها؛ بحيث يؤدي هذا التنظيم إلى تأهيلهم وتنسيق جهودهم ليقوموا متعاونين متكاملين بتلبية الحاجات ومواجهة التحديات بغية تحقيق الأهداف المنشودة؛ لذلك يختلف مفهوم النظرية التربوية من مجتمع إلى مجتمع، ومن حضارة إلى حضارة، ومن عصر إلى عصر، (نفس المرجع بتصرف).

والمتتبع لمراحل تطور هذا المفهوم، سوف يلاحظ بأنه في مطلع عصر النهضة الغربية الحديثة – التي حملت مفاهيمها إلى مختلف أرجاء العالم بتوسعها وانتشارها واستطاعت أن تقنع جماهير غفيرة بتقفي أثرها والسير على دربها – بدأ مفهوم النظرية التربوية بالتركيز وبشكل غير ذي قبل على إعداد الفرد وتأهيله من ناحية البنية العقلية والفكرية ومن الناحية الجسدية أيضاً كي يكون فرداً نافعاً، فبدأ هذا النهج يطبّق على أرض الواقع بطريقة تتيح له فرص “الاستمتاع بالحياة” (على حد قل الباحث ماجد الكيلاني)، واستغلال البيئة المحيطة به والاهتمام بالتربية الجمالية والبدنية والسلوك.

وبالنظر إلى العصر الحديث فيمكن القول بأن النظرية التربوية قد تطورت إلى حد كبير، بل نحت منحى آخر يركز على رغبات الفرد وميوله فيما يخص الوظيفة أو التخصص، بل استمدَّت محتواها ومعناها من مفهوم “السعي لرفع مستوى المعيشة” مما أدى إلى توسع رقعة أو شريحة الطبقة المتوسطة من المجتمعات المدنية. وتبعاً لذلك، أصبح من الضروري إعادة النظر في مفهوم “التربية” وأبعادها والنظر بعمق وبجدية إلى تطبيقاتها – السياسية، والإدارية، والاجتماعية، والثقافية، والعسكرية – والنظر بعمق أيضاً إلى مخرجات المؤسسات التربوية والتعليمية كونها استثمار اقتصادي حقيقي ودعامة من دعائم التطور التكنولوجي الذي أصبح يفرض نفسه أكثر من ذي قبل. ولذلك أصبح جليا تهافت الأمم والشعوب على تدارس نظريات التربية والتعليم وأصبحت منكبة ومنهمكة في التنقيب عن مكونات وتطبيقات مفهومها، ولأجل ذلك أصبحت تعقد المؤتمرات في جميع الأمصار بما في ذلك الدول المتقدمة وحتى الفقيرة أيضاَ، ومن أجل ذلك أيضاَ أصبحت تُعِدُّ الدراسات والبحوث، وتُجْرَى التجارب والأبحاث الدقيقة لإخراج الفرد أو الإنسان بصفة عامة الذي يعيش على سطح هذه الكرة الأرضية والتي أصبحت أكثر من ذي قبل تبدو قرية صغيرة، غيرت التكنولوجيا الحديثة جل معالمها فنقلتها في وقت وجيز من البداوة إلى التمدن، ومن ركوب الدواب كالحمير والبغال والخيول والجمال إلى الدراجة ثم السيارة والقطار والبواخر والطائرات، ومن السكن في الخيام إلى الشقق والعمارات والفنادق والشاليهات الفاخرة؛ قرية فرضت على معظم قاطنيها أن يستخدموا التكنولوجيا في جل أعمالهم وحتى حياتهم الاعتيادية اليومية، فأصبحوا يديرون الشركات المتنقِّلة عبر القارات، ويخاطبون سكَّان المعمورة عبر هواتف ذكية نقالة من خلال محطات فضائية متقدمة، ويتكلمون مختلف اللغات، ويتفاعلون مع مختلف البيئات والثقافات والأديان، ويلهثون وراء الربح والثراء.

وإذا ما رجعنا إلى المجتمعات الإسلامية فسنلاحظ بأن تلك المجتمعات (في معظم الأحيان) اكتفت بما يحتويه تراثها الاسلامي العريق كمرجعية وأصل ثابت تُبنى عليه كل النظريات، ولذلك لم يرَ المربُّون ضرورة لبَلْوَرة نظرية تربوية طالما لديهم أصولها في القرآن الكريم. وبناءً عليه، فإن بعض العلماء والباحثين تعمقوا في قضية “التعلّم” وتطوير العقل البشري فاجتهدوا في توضيح ذلك دون الخروج عن معالم الدين الاسلامي الحنيف. لكن وفي حقيقة الأمر فإن استخراج نظرية صرفة تعالج قضية التعلم لم تُعطى الجهد الكافي أو ذلك الاهتمام البالغ أو الجهد اللازم، مما جعل التقليد يحل محل الاجتهاد ليتجزأ ذلك المفهوم للنظرية التربوية المستنبط من القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة ويأخذ مناحي متشعبة عند أهل المذاهب، وحسب ما يراه الباحث ماجد عرسان الكيلاني فإنه “لم يعد هنالك مفهوم “نظرية” بالمعنى الشامل الراسخ المحيط، واستمر هذا الفراغ حتى العصور الحديثة، حيث برزت أهميتها والإحاطة بمحتوياتها وتطبيقاتها؛ لأن الناس – أفرادًا وجماعات – يتعرَّضون في كل لحظة إلى كميات هائلة من الخبرات والمعلومات التي يمطرهم بها التلفزيون والراديو والصور المتحركة، والكمبيوتر والإنترنت، ودور النشر والصحف والمجلات، والخطب والأحاديث والمناقشات، والملصقات والإعلانات، وغير ذلك” (المرجع السابق بتصرف) .

دور النظريات الحديثة في الرفع من مردودية المؤسسات التربوية:

لا شك أن مؤسسات التربية والتعليم تسعى حثيثاً لتطوير برامجها ومقرراتها الدراسية كي تتماشى مع النظريات العصرية الحديثة، ولذلك نلاحظ بأنه ومند مطلع هذا القرن والمفكرون والسياسيون والإداريون في العالم العربي والإسلامي يحاولون إيجاد حلولا وسطية تجمع بين الحداثة من جهة، وبين تقليد الموروث القديم الضارب في عمق التاريخ من جهة أخرى. ويمكن أن نلاحظ أيضاً بأن الهوة بين الطرفين أو التيارين (أي المقلدين للموروث، والحداثيين) تزداد تبايناً ثم تضيق أحياناً أخرى في ظل توسع مفهوم حقوق الانسان من جهة، والاعتزاز بالموروث الفكري والثقافي والاجتماعي من جهة أخرى كونه دعامة لتعزيز الهوية والمواطنة.

إن المشكلة بوجه عام، كما يقول أحد الباحثين، هي ليست في الأفكار الموروثة وتطبيقاتها أو الأفكار المستوردة وتطبيقاتها، ولكنها “مشكلة الأسلوب الذي نتعامل به مع الأفكار وتطبيقاتها العملية”، فنحن نحقن ونغذي عقولنا وعقول تلاميذنا وطلابنا بالأفكار التي قد نجهل أحياناً النظريات التي بُنيت عليها، بل لا نصل إلى مستوى هضمها ولا ندربهم التدريب اللازم والصحيح على هضمها، مما يُفضي إلى قتل ملَكة التفكير والابتكار (Creative Thinking Skills). ولذلك يجب التمحيص والنظر بعمق إلى ما يُنقل إلى التلاميذ من أفكار ومعلومات، مع مراعاة الفرق بين “هضم الأفكار والحقن بها”؛

ما المقصود بـ”هضم الأفكار” في العملية التربوية والتعليمية؟:

لابد من أن نتوقف هنا قليلاً عند مسألة “هضم الأفكار”، إذ العملية ليست بالسهلة، بل هي عملية معقدة يرى الباحثون والتربويون أنها مزيج من العناصر تهم المناهج والمتعلم والمعلم والفضاء المدرسي والعائلة أو الوسط الاجتماعي وكل ما له علاقة بالعملية التربوية والتعليمية. وهذه الأخيرة لا يمكن أن تتم بمعزل عن إرادة التلاميذ والطلاب، بل يجب إشراكهم في كل ما يخص تلك المسيرة من قوانين وقرارات واجراءات ومستجدات وفي المسار الفعلي للعملية التربوية والتعليمية داخل وخارج حجرة الدرس، بحيث تمرر الأفكار أولاً على عقول الباحثين والعلماء المختصين، ويشارك فيها التلاميذ والطلاب من حيث الاختيار أو الفرز؛ لتقوم الجهة المختصة بتحليلها وغربلتها وتمحيصها وإعادة تركيبها وفرزها وتصنيفها بما يلائم حاجات التلاميذ والطلاب تماشياً مع متطلبات الزمان والمكان، ثم يحوِّلها إلى تطبيقات عملية من أجل تحقيق الأهداف المرسومة، وبعد ذلك تأتي مرحلة توزيعها على مؤسسات المجتمع التنفيذية بمختلف ميادينها ومسؤولياتها، مع الحرص على متابعة نتائجها وذلك من خلال القياس والتغذية المرتدة (Feedback Analysis)، وكمرحلة أخيرة، لابد من استخدام حصيلة التقويم لبدء دورة فكرية جديدة تكون نواة وحلقة من سلسلة الاجراءات تولد أفكاراً أخرى جديدة.

ما المقصود بـ”حقن الأفكار” في العملية التربوية والتعليمية؟:

إن ظاهرة “حقن الأفكار” هي ظاهرة سلبية يرام بها تشويه صورة المجتمع ومسخه وطمس معالم تاريخه. وهي ظاهرة يتوجس منها آباء وأولياء أمور التلاميذ نظراً لما لها من مخاطر على سلامة الأبناء عقلياً وبدنياً ناهيك عن الأخلاق والسلوك. أما معنى حقن الأفكار، فهو ترك الفرصة للمؤسسات التنفيذية كي تتناول الأفكار كبضاعة معلبة وجاهزة يتم تحضيرها في خفاء أو وراء الكواليس، ثم تمررها أو تصبُّها في عقول الأفراد وتشيع تطبيقاتها في شبكة العلاقات أو وسائل التواصل الاجتماعي؛ لتكون النتيجة إفساد أساليب التفكير لدى النشء من أبنائنا وبناتنا، لتتفكك حلقات السلوك القويم، ويعم الانحراف والفساد ويتم تشويه الكيانات ومقومات الموروث الثقافي لدى المجتمع، ويتم بذلك تشتيت الاتجاهات، وعقم الممارسات. (نفس المرجع بتصرف).

أي نظريات نحن في حاجة إليها؟:

واقع الحال يقول بأننا في حقيقة الأمر لسنا في حاجة إلى نظرية واحدة منفردة ومنعزلة بقدر ما نحن في حاجة إلى مزيج من النظريات؛ مزيج يجمع بين تقليد الموروث من جهة والحداثة من جهة أخرى. مزيج من النظريات التي تحصن الفرد وتصون ثقافته وتقاليده ولغته ودينه وسلوكه السوي، وتحافظ على مكارم الأخلاق وحب الوطن والاعتزاز بالهوية، وتفتح له آفاق الابتكار والمشاركة الفعالة في المدرسة قبل أن ينخرط في مجال العمل. نحن في حاجة ماسة إلى مناهج ومقررات ونظريات تربوية وتعليمية تفجر طاقات التلميذ الابداعية وتتيح له فرصة استخدام خياله الفياض وتصقل مهاراته من خلال النقد الفكري (Critical Thinking). نحن فعلاً في حاجة ماسة إلى تطوير نظريات التربية والتعليم التي ورثناها عن الأجيال السابقة وتعودنا عليها ولا نجرأ على تغييرها أو المساس بها وكأنها تنزيل مقدس. نحن في حاجة ماسة إلى مزيج من النظريات الحديثة والقديمة أيضاً، نظريات تجمع بين الأصالة بكل أبعادها، والمعاصرة بكل آفاقها، نظريات متزنة تراعي جوانب النمو العقلي والجسدي لدى الطفل، نظريات تربوية حقة تتماشى مع تطلعات المعلم والآباء والمجتمع ككل، وتتجسد في تطبيقاتها العملية الأهداف التي يتم رسمها من طرف المختصين بالوزارة المعنية وتنظم المؤسسات التربوية والتعليمية لكي تتكامل في أعمالها وتكون في مستوى تحمل المسؤولية. نعم؛ كلنا نطمح إلى وجود ذلك المزيج من النظريات التي تقود التعليم في بلادنا إلى مقاربة تشاركية توسع من آفاق استخدام المرافق التعليمية وتشرك آباء وأولياء التلاميذ والسلطات المحلية وجمعيات المجتمع المدني لتكون بذلك العملية التربوية والتعليمية مسؤولية الجميع، وتتظافر فيها الجهود لتكون مخرجات المؤسسات التعليمية في مستوى متطلبات سوق العمل فيما يخص المهارات والكفاءات. نطمح إذاً إلى مزيج من النظريات يعزز وجود بنية تحتية وبنايات مدرسية سليمة، وفضاء مدرسي متكامل وجميل: بيئة مدرسية تفتح النفس ويتنافس فيها التلاميذ والطلاب بشكل شريف ومشرِف، بيئة تراعي سلامة الجميع وترفع من مكانة المعلم وتحترم قدره، بيئة تغرس مكارم الأخلاق والسلوك في أبنائنا وبناتنا وتجعلهم يفتخرون بهويتهم ويعبرون عن وطنيتهم وبموروثهم الديني والثقافي ويحافظون على بيئتهم ويحترمون من هو أكبر منهم سناً وقدْراً، ويحافظون على البيئة والملك العام، ويتسابقون في الإحسان وفعل الخيرات. “أكعاون ربي”

والله ولي التوفيق،،،

عبد الله بن أهنية

 

*خبير دولي في مجال التربية والتعليم

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى