آراء و مقالاتثقافة وفن

البداية الخجولة لدمقرطة الموسيقى: أستاذة موسيقى من أصول الزوايا الموريتانيين تنشر كتابا حول الجاز

من البديهي والمعلوم في العالم، أن الموسيقى فن ونشاط بشري يحترفه من شاء؛ أما في موريتانيا، وفي الكثير من دول “القارة السمراء”، فممارستها يتوارثها الأبناء عن آبائهم: من جد لجد منذ قديم الزمان، وما زالت حركتها من جيل إلى جيل تجري بهذه الطريقة إلى يومنا هذا.

الفن للجميع: استمتاعا، لا مزاولة!

 من الصعب فهم ظاهرة حصر الموسيقى على شريحة معينة بينما هي خدمة جماهيرية، ترفيهية وتثقيفية، يستفيد منها الناس جميعا: “الفن للجميع”، كما يقول برنامج إذاعي ناجح كانت الإذاعة الوطنية تقدمه منذ عقود. حينها، كان المستمعون يستمتعون به كثيرا أيًا كانت أصولهم أو انتماءاتهم الاجتماعية أو القبلية أو الجهوية. وقبل ذلك، ولما كانت أجهزة الراديو قليلة جدا في البوادي والأرياف، والتلفزيون معدومة، كان سكان المخيم (لفريگ) يهرعون إلى الخيام القليلة التي يتوفر فيها جهاز راديو للاستماع إلى المطربين الكبار، مثل سيداتي ولد آبه رحمه الله. وحتى النساء كن في تلك الظروف يسترقن السمع.

ورغم الإقبال الشعبي على الاستمتاع بالموسيقى عبر أجهزة الراديو أو بالاستماع مباشرة للمطربين، فقد قل من يتساءلون: لماذا لا ينطبق هذا الشعور العام- بأن “الفن للجميع”- على ممارسة الموسيقى؟ لماذا تبقى مزاولتها محصورة على شريحة أو فئة بعينها ؟

الموسيقى هي أجمل الفنون، تطمئن لها النفس وترتاح لها القلوب، تمس الشعور وتغذيه مباشرة بصورة لذيذة لا مثيل لها: طراوتها تسير في الوجدان بانسيابية لا يضاهيها أي نوع من الفنون الجميلة الأخرى أو اشكال التعبير. وكلنا يغنيها ويتغنى بها تلذذا. لكن احترافها “له اهله”. وهم معروفون: إيگاونْ.

ورغم ما جلبته لنا الحداثة والتطورات التكنلوجية من تحولات كثيرة ومتنوعة، ثقافية وفكرية ومجتمعية، فإن تعاملنا التمييزي القديم مع ممارسة الموسيقى ما زال راسخا بشدة في المجتمع.

“دمقرطة” ناشئة وبطيئة: تبدأ بالرابْ واسلامْ، ومع امرأة مختلطة العرق…

يلاحظ اليوم أن بوادر تغيير ضعيفة بدأت تلوح في الأفق، خاصة مع ظهور الأنواع الموسيقية الجديدة، التي بدأ يمارسها شبان لا ينحدرون بالضرورة من فئة إيگاونْ. وعلى قلتهم، فإن لهؤلاء بروزا ملحوظا في مجالي “الرابْ” و”اسْلامْ” الذين تنبني السمفونية فيهما على إيقاع الكلمات ورنينها الجميل، كما هو الحال نوعا ما في شعر المدح الحساني الذي نسميه “اتْهيدينْ”.

ويوظف محترفو “الرابْ” و”اسلامْ” هذين النوعين لنشر وبث رسائل سياسية وثقافية كما شاهدنا في السنوات الأخيرة مع مجموعة “بلادي” على سبيل المثال خلال معارضتها لنظام الرئيس السابق محمد ولد عبد العزيز. إلا أن الموسيقيين الذين لا ينحدرون من شريحة إيگاون يكادوا يعدون على أصابع اليد. مما يعني أن حركة “دمقرطة ” الموسيقى تسير بخطى بطيئة جدا.

حتى أن فتاة فرنسية موسيقارة من أصول موريتانية اختارت أن تنشر اعمالها تحت اسم أسرتها من الأم “أوليفيزي” (Olivézi)، حتى لا تتسبب في حرج لذويها من جهة الأب. فهي ابنة المثقف والكاتب الشهير احمد باب مسكه تغمده الله برحمته الواسعة، المنتمي لقبيلة من الزوايا من الشائع فيها أن “الاستماع للمزمار حرام”، والمزمار يرمز للآلات الموسيقية بشكل عام. وبدون الألات والأدوات الفنية، فإن أداء اللحن الموسيقى سيبقى ناقصا جدا إن لم يكن معدوما. غير أن هذا القول، المحرم للآلات- ومن ثَم للحن الموسيقيى- لا يعمل به الجميع: محمد عبد الله ولد البخاري ولد الفلالي، أحد الأعيان والأدباء التاريخيين لنفس القبيلة التي تنتمي لها الموسيقارة المذكورة سابقا، يحث على أهمية الموسيقى وتعلمها. وله في هذا المجال تأليف شعري  باللغة الحسانية. وعلى عكس المتشددين الداعين إلى نبذ الموسيقى، فإنه يرى أن عدم الاهتمام بهذا الفن مدعاة لعدم الاحترام إن لم يكن فضيحة، حيث يقول :

” يَسْوَ گاع إلَ گالْ گولْ        شَرِي العَرضْ اللَّ خالگْ

الرَّاصْ إلَ مرْگُو الهولْ[i]    امْعَ السَّترَ مطَّالگْْ.”

ثم يضيف محثا على الإيقاع الجيد (لَعْبارْ)، خلال العزف على القيثارة التقليدية (التيدنيت)، مستخدما المسميات المحلية لأوتارها: “لَمْهارْ” و”التيشبط”:

    ” يحدْ اتْنگرِ لَمهارْ                التيشبط زادْ اتْوگظْهَ

    ايدك لا ترگب عن لَعبارْ        أُو لا عن لعبار اتگظَّظهَ.”

وتوافقا مع هذا الطرح الداعي لتعلم الموسيقى بحزم وعزم، تصرفت ليلى أوليفيزي، ولو أنه من غير المستبعد ألا تعرف شيئا كثيرا عن قائله؛ فأمها فرنسية وهي تعيش منذ نشأتها في فرنسا، وتحمل الجنسية الفرنسية. لكنها لا تتنكر اطلاقا لموريتانيا، وطن والدها، بل تحبها ولها بها روابط طيبة، أسرية وثقافية، رغم العراقيل أو الإكراهات التي قد تشعر بها تجاه بعض أقاربها من الموريتانيين فيما يخص ممارستها لحرفتها وهوايتها الموسيقية.

وقد بلغت مستوى عال في ميدان عملها وتخصصها، حيث برعت حتى جعلت لنفسها مكانة مرموقة: نشرت البومات عديدة ناجحة، ونالت جوائز دولية في التأليف في مجال موسيقى الجاز، وهي تُدرِّس أيضا نفس المادة في الأوليمبيا بباريس.  وفي إطار عملها التربوي، فإنها ألفت حديثا كتابا كبيرا حول تدريس الجاز صدر في جزأين. وقد تلقاه  النقاد والمتخصصون في الميدان بقبول حسن.

البخاري محمد مؤمل (اليعقوبي)

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى