ثقافة وفن

السفیر (السفارة الأولى)

السفیر هو سفیر الجن؛ نصبوه راعیا لشٶٛونهم لدی الإنس. وهو شخص یختارونه من جنس البشر، ویکون – فی الغالب – شخص ثرثار، وخدوم، ویتحلی بکثیر من الخصال الحمیدة؛ لکنه فی النهایة، لا یعدو کونه سفیرا معتمدا کامل الصلاحیة لقبیلة “أهل لخلة”.

السفير یتدخل فی کل شیء، ویعرف کل شیء .

السفراء كثیرون فی بلادنا، یأمرون بالمعروف، وینهون عن المنکر، لدیکم قدرة خارقة علی الإقناع.

دخل السفیر على ميمونة، فوجدها ترضع ابنها وقدرها يغلي في المطبج؛  فسألها هل شربت قبل أن ترضعي الطفل قالت : “لا” فقال السقير :  “هذا لا یفعل .. کیف ترضعین هذا الطفل المسکین، وأنت لم تشربی الحليب، هذا مضر بالأطفال؛ لبن المرضعة العطشانة مضر بصحة الرضیع. هذا لا یفعل. قالت ميمونة : “نعم هذا صحيح، لکني نسیت أن اشرب، ولم أجد من أرسله إلی الدکان.”

انتزع السفیر الطفل من حضن أمه، وانطلق به مسرعا الی الدکان والطفل یصرخ، والسفیر یضربه علی کتفیه، ویقول لصاحب الدکان : “هيا اعطینی کیسا من لخریف بسرعة لتشرب میمونة، کی ترضع الطفل”،  فاخذ السفیر الکیس، وانطلق بسرعة البرق عاٸدا إلی المنزل.

اخذت میمونة الحلیب وشربت والطفل یصرخ، قالت للسفیر : “اعطني الطفل کی أرضه، قال لها : “انتظری حتی أقیس لک درجة الحرارة، وأخرج من جیبه مسدسا أبیض وصوبه نحو ناصیتها، فصرخت صراخ الخوف، فضمها السفیر إلیه لیهدئ من روعتها، فهو ابن خالتها وأخوها من الرضاع، فرءاه صاحب الدکان الذی سمع الصراخ في المنزل، وجاء لنجدة میمونة، فعاد أدراجه إلی الدکان وهو یردد اللعنات علی میمونة وعلی السفیر،  وزاد غضبه لما وجد المعزی تأکل الخبز، وتعبث بالبسکویت، والشکواطة، داخل الدکان.

هدأ السفیر من روعة میمونة، ثم قاس درجة حرارتها بالجهاز الذی یشبه المسدس، فاذا بها 38 درجة فاصل واحد، قال السفیر : “هذا خطیر ! هیا معی إلی المستشفی أجری لک فحص کورونا وتاکخذین اللقاح، هیا بسرعة، هیا ارکبي بسرعة.”

 انطلق السفیر إلی المستوصف، والطفل یصرخ، وميونة تحاول إسکاته؛ لم یعد الطفل راغبا فی ثدی أمه، ولا فی أی شیء.

سکت الفل قلیلا، وما إن مص مصتین أو ثلاث حتی ضغط السفیر علی مکباح السیارة لیوقفها فجأة أمام المستشفی، وأشهر بطاقة مهنیة فی وجه الحارس قاٸلا : “افتح الباب، هذه امرأة قد تکون مصابة بکورونا !”،  لم یسمعه الحارس، لکنه فتح الباب، ودخلت السیارة، وعاد الطفل إلی الصراخ مجددا، فحملنه میمونة علی منکبها، ونزلت مسرعة تلهث وراء السفیر الذی أمرها بالوقوف فی طابور من سبعة أشخاص من بينهم امرأة، أمام باب مغلق. حاول السفیر فتح الباب، لکنه کان موصدا بالمفتاح. انتظر السفير قليلا،  ثم أخرج من جیبه المسدس الأبیض، وبدأ یقیس درجة حرارة الحضور؛ فتجمهروا حوله، وفسد الطابور. فتح الباب ودخلت میمونة وتبعها السفیر،  فاستقبله الطبیب بالترحیب الحار.

کان الطبیب یعرف السفیر حین کان یتردد علی کلیة الطب، یمثل شرکة تبیع الأجهزة الطبیة فربط علاقة متمیزة مع الأساتذة والطلاب.

طلب السفیر من الطبیب إجراء الفحص السریع لمیمونة، مضيفا : “إذا کانت النتیجة سالبة؛ اعطها الجرعة الأولی من اللقاح.

نفذ الطبیب أوامر السفیر، وكلف أحد أعوانه بملف میمونة وابنها الرضیع، وأخذت إجراءات الفحوص واللقاح وقتا طویلا، عاد خلاله الزوج إلی المنزل فوجده مفتوحا، واستقبله صاحب الدکان یطلب سعر الحلیب، ويطالب بالتعويض عن خسارة الخبز، والشكولاطة، والبسكويت، التی أفسدتها المعزى من دکانه بسبب السفیر، فدفع الزوج المبلغ المطلوب، وفاوض على التعويض وهو یصب جام غضبه علی میمونة، وعلی السفیر، وزاد من غضبه تحریض صاحب الدکان، وکاد ینفجر من الغیظ حین دخل المطبخ ووجد الغداء يكاد یحترق فوق النار التی کانت نارا هادٸة مثل هدوء میمونة، حین کانت ترضع ابنها قبل قدوم السفیر.

سيد احمد ولد مولود

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى