آراء و مقالاتثقافة وفن

“أم ارگيبه” الشيخ محمد المامِ أم أرخميدس أم مَن يا ترى؟

نشرتُ منذ أشهر عديدة إعلاما استباقيا بخربشة لي على تراث العالم الرباني الموسوعي المشارك في سائر الفنون الشيخ محمد المامِ بن البخاري (ت. 1282 هـ/ 1865م) رضي الله تعالى عنه وأرضاه ونضّر وجهه وطيب ثراه….
عنوان الكتاب: (نادرات الغيب…تعابير الشيخ محمد المام عن الكون بين أرخميدس والعلم الحديث).
وقد أثار دهشتي مرور كل هذا الوقت، وعدد كبير من الناس مُكب على شخصية الشيخ وتراثه، دون أن أجد أيا منهم يباحثني: ما الذي حملك يا بشير على كتابة اسم أرخميدس على غلاف الكتاب؟ لمَ أرخميدس بالضبط دون غيره من فلاسفة اليونان؟

لا أخفيكم أني لم أجد من المثقفين: (باحثين، دكاترة، أساتذة، كُتاب….) من قارن طرح الشيخ محمد المام وعملَ أرخميدس (287 – 212 قبل الميلاد) في مسألة “عد الحصى” والحال أن الأخير ذو باع طولى فيها. ولا حتى الإشارة إلى ذلك مرورَ الكرام.

بالفعل،لقد كتب أرخميدس كتابه ذا العنوان الإغريقي:
(Αρχιμήδης Ψαµµίτης, Archimedes Psammites).

والذي تُرجم إلى اللاتينية منذ القرن السادس عشر بعنوان:
(Archimedis Syracusani Arenarius & Dimensio Circuli
arenarius).
وإلى الفرنسية لأول مرة سنة 1807م على يد François peyrard افرانسوا اپيرار بعنوان (L’Arénaire).
وإلى الإنچليزية بعنوا ن: (THE SAND RECKONER)
وقد أعدت عنه كتب ودراسات عدي دة طيلة القرن العشرين والحالي على يد GILLIAN BRADSHAW و Ilan Vardi وغيرهما..(صور بعض الأغلفة مرفقة).

هما اثنان فقط:

أما الأول فقد جالسته منذ أعوام في حضرة شيخي وأستاذي محمد بن أحمد مسكه، وكان بعض الحديث كالعادة عن الشيخ محمد المام فإذا به يعلم أن الحصى مسألة مطروقة عند اليونان. إنه المهندس المثقف العالم بن محمد الخضر بن حبيب.

وأما الثاني فهو البروڥيسور المرجعي العالمي رشدي راشد الذي راسلته في سياق التعريف بالشيخ محمد المام، وإن لمن الحشو واللغو القول إنه على دراية ب….

عدة عوامل تبرر دهشتي:

  • أولا: أصالة رسالة أرشميدس وتفردُها في بابها، إذ لم نطلع على عمل من نوعها عند الإغريق.
  • ثانيا: يصدق القول إن كتاب “عد الحصى” عند أرشميدس هو أقدم كتاب – بين أيدينا – ينحو منحى الأكاديمية رغم إمكان فهمه من قِبل غير المختصين. (على رأي Ilan Vardi).

ثالثا: مدى الطموح الإبداعي الثوري الذي اصطبغ به الطرح الإرخميدي: لقد “عدّ” الرجل حباتِ الرمل الكافيةَ لملء “الكون”!! لا الأرض فقط.
في هذا تفصيل بدَهي: أن الكون عنده محصور في دائرة البروج (أو كرة الثوابت أو العالم (α)..) يعرف المختصون في تاريخ العلوم مغزى ذلك ومردَّه.

  • كلنا نعلم بما لا يعلم به الغير، ونجهل أضعاف أضعاف ذلك..لكن الذي أود تسطيره هو أن الشيخ محمد المام شخصية ركز عليها كثير من الباحثين عربا وأجانب، وأُنجزوا مئات الكتب، والرسائل الجامعية، والمقالات..في دول عديدة، وبلغات مختلفة. وقَـلَّ مِن مؤلفيها مَن لم يورد في سرد آثاره “عدَّ الحصى”؛ لكن أيا منهم لم يذكر أرخميدس .

شخصيا، أراسل العديد من الباحثين الجادين، وباحثتهم وقرأت لهم ولغيرهم عن الشيخ…وتستمر الدهشة!

أم ليس Eurêka بعد؟

ليس من داعٍ لتلقف هذه المعلومة بالحكم أن الشيخ محمد المام ناقل عن كتاب الإغريقي، وأنه ليس بذلك المستوى الخارق (الأسطوري عند البعض) الذي عُرف عنه في بلاد شنقيط….لأنها، أعني المعلومة، – على أهميتها – لا ترقى بالضرورة لتناسب الصياح ب Eurêka (وجدتُها) التي يحكى أن أرخميدس ازدهى بها لدرجة خروجه من الحمام إلى الشارع عاريا وهو يرددها دون أن يُلقي بالا لذلك! (حسب Marcus Vitruvius ).
(كان ذلك إثر حل إحدى العويصات).

بل دعونا نكن أعمق وأكثر بذلا للوسع في تحقيق عِلل المسائل بغية فهم جوهري لغاياتها ومآلاتها…
لنتساءل إذًا:

1- هل “عد الحصى” مجرد تمرين ذهني في مستوى علمي ترفي أم هو فعلا أعمق من ذلك؟

2- هل وجد الشيخ كتاب أرخميدس منسوبا لإقليدس غلطًا؟!

3- هل سبق وأن تُرجم أصلا عمل أرخميدس إلى العربية؟؟ متى؟ أين الترجمة إذًا؟

4- أم أن الشيخ رحمه الله تعالى، يجيد الإغريقية القديمة وعثر على الكتاب؟ يفتح هذا السؤال تفريعات ملحة: لمَ لم يذكر أرخميدس إذًا؟ أم أنه، وبالنظر لبعض أشعاره الشعبية، يعرف الفرنسية أو الإنچليزية أو لغة أوروپية أخرى تُرجم إليها الكتاب قبل مولد الشيخ أو في ريعان شبابه على الأقل؟ (كما هي الحال بالنسبة للنسخة الفرنسية) أم أنه يعرف اللاتينية التي أتيح بها الكتاب منذ قرون قبل ذلك؟
يكفي افتراضنا حصول واحدٍ فقط من هذه الاحتمالات، لتستمر التساؤلات: كيف؟ أين؟ متى؟

5- من هو “إمام حي بقسطلان…” الذي يعزو له الشيخ. ولا يتبادر لنا ذكر واضح له. هل هو فعلا الحافظ صاحب إرشاد الساري على صحيح البخاري؟ أم أن في الأمر إغرابا من الشيخ كما عودنا؟!

6- هل لإقليدس فعلا، الذي يرجع له الشيخ في صدر قصيدته، عملٌ في “عد الحصى”؟ بالمناسبة: لا أجد لذلك ذكرا في أي مرجع.

لقد تأملت في الأسباب التي حدت بالشناقطة (المحدثين خاصة) إلى عدم الاهتمام الجاد بتراث الشيخ محمد المام وهو عالمهم الأوحد، أو يكاد، في العلوم الطبيعية.

لعل السبب الرئيس في ذلك – من زاوية التكوين المعرفي – كامنٌ في شيوع الاختصاص بالعلوم الإنسانية دون الصلبة والعكس كذلك… الأمر الذي أدى للأسف إلى عدم خدمة هذا الجانب من إنتاج الشيخ، والحق أنه حري بها.

بشائر:

ونظرا لما تقدم من عزوف كثير من النخب في موريتانيا والوطن العربي عن الإلمام بمختلف العلوم كُـلّما بعُدت عن تخصصها. فقد ارتأيت أن أطل على القراء الكرام بترجمة عربية لكتاب أرخميدس بغية تسهيل البحث واتساع الآفاق للمقتصرين على اللسان العربي.

وقد يسر الله لي منذ فترة تركيزا على شخصية الشيخ وآثاره، فحاولت عملا ينحو مسلك الجمع الاستقصائي لمادته المتنوعة في العلوم الصلبة. ثم كتبت عنه بالفرنسية والإنچليزية راجيا من الله تعالى أن تجد تلك المحاولات طريقها إلى النور قريبا بحول الله تعالى.
يؤثر عن “ابن خلدون موريتانيا” المختار بن حامدٌ قوله عن موسوعته الحافلة (حياة موريتانيا) التي كلفته عقودا إنها: “انتكلت اعل النار” مشبها لها بالوجبة التي تم تناولها قبل أن تنضج بل لا تزال في طور الإعداد!

لا أحبذ لخربشتي أن تؤكل على النار (مع أني إن لزم الأمر لا أمانع) لكني أعد القراء بقرب نشرها.

ومما خلصت إليه أن الشيخ محمد المامِ ظاهرة نادرة تستحق دراسة عميقة جدا ليُنزله الموريتانيون شعبا ودولة بل، والغرب الإسلامي عموما، منزلتَه المناسبة وليفهموا حينئذ أن عندهم ثروة أثمن من جميع الثروات.

الأشراف

قال الشيخ في مطلع قصيدته في “عد حصى الأرض”:
أستغفر الله من تقريب ما بعدت ⭐ عنه القرائح من أقوال الاَشرافِ
تؤشر طبعا كلمة ” الأشراف” إلى السادة الجيلانية (ارجع في طرف من ذلك إلى تلميذ الشيخ: المختار بن البرناوي، والشيخ سيدي أحمد بن اسمه الديماني رحمهما الله تعالى).
ولا تبعد أن تشمل غيرهم بمن فيهم أرخميدس الذي لم يصرح الشيخ باسمه بل أردف بالفاء في البيت الثالث قائلا:
فارددْ إلى كُتب اقليديس ما كرة ⭐ فاقت مربعة به في الاَطراف….إلخ.
إغراب في إغراب (أم ارگيبه في أم ارگيبه)!

فيحسن الختام بأن لسان حالنا جميعا مع الشيخ محمد المامِ قول صعلوك العرب الشهم الشنفرى الأزدي:

وتشرب أسآري القطا الكدرُ بعدما ⭐ سرَت قربا أحناؤها تتصلصلُ
هممت وهمّت وابتدرنا وأسدلت ⭐ وشمَّر مني فارط متمهل!!
فولّيتُ عنها وهي تكبو لعقره ⭐ يباشره منها ذقون وحوصل

بمعنى أن الشنفرى عندما يقرر مسابقة القطاة (وهي مضرب المثل في سرعة الورود: أهدى من القطا) يدعها تطير وتطير.. ويعدو هو على مهله لتجده أمامها عند البئر وقد ورد وصدر بعد أن نظف حوض الماء!

البشير بن أحمد مسكه بن حبيب.
ليلة فاتح المحرم 1443 هـ /2021/08/10م.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى