آراء و مقالاتثقافة وفن

الدكتور محمد المختار ولد أباه أول موريتاني يحصل علي دكتوراه دولة

قال الدكتور جمال ولد الحسن رحمه الله ، حين كان يحضر رسالة الدكتوراه:
الآن فهمت قولهم: (بابَ إحضّرْ الدكتوراه) ، وأنا أشاهد تلك (اللّمبَه) المضاءة طوال الليل في خيمة أهل محمد المختار بالبادية.

إيداع موضوع الدكتوراه
أودع الدكتور محمد المختار ولد اباه موضوع رسالة الدكتوراه في يونيو 1972.
وكان النقاش سنة 1975 في قاعة “Salle Durand” في باريس ، تلك القاعة المزينة بالجداريات الفنية و اللوحات العتيقة و المصابيح المذهبة والتي تحمل اللمسات الفنية للتراث المعماري الفرنسي الأصيل.

عنوان الأطروحة:
La littérature juridique et l’évolution du Malikisme en Mauritanie
وبترجمة غير حَرفية:
“تاريخ التشريع وتطور الفقه المالكي في موريتانيا”

قبل الدكتوراه أعد الدكتور رسالة (السلك الثالث)
عن (الشعر الموريتاني من 1650-1900)
ونوقشت الرسالة يوم 29 مايو 1969

وكانت لجنة نقاش رسالة التخرج للسلك الثالث تتكون من
المستشرق الفرنسي شارل بيلا مشرفا
وضمت لجنة النقاش:
المستشرق الفرنسي “جيرار لكونت – الأستاذ في مدرسة اللغات الشرقية/ باريس ، وهو أستاذ متخصص في ابن قتيبة ، وله كتاب “ابن قتيبة الدينوري أديب الفقهاء و فقيه الأدباء: حياته و آثاره و أفكاره” ، وشارك لكونت في تأسيس مجلة Arabica مع المستشرق الفرنسي لفي ابروفنسال ونشرت مجلة “ارابيكا” الفصل الأول من الأطروحة (الشعر الموريتاني من 1650-1900).

كما ضمت اللجنة المستشرق الفرنسي جيرار تروبو أستاذ فقه اللغة العربية في جامعة السوربون – باريس ، وهو مستشرق متخصص في سيبويه ، ومعروف بدراسته الشهيرة “نشأة النحو العربي في ضوء كتاب سيبويه”.

ولمعرفة مدى اطلاع (الآخر) على تراثنا –والشيء بالشيء يذكر- في حوار أجرته مؤسسة الفكر العربي مع كبير أدباء أميركا اللّاتينيّة، الأرجنتينيّ خورخي لويس بورخيس (1899 – 1986) ، سأله المحاور:
يُذكّرني استنتاجكَ الأخير بعبد القاهر الجرجاني، الناقد العربيّ القديم/ الجديد دائماً، والذي لطالما تحدَّث عن معنى المعنى في الكتابة التي تختلط فيها الحواس بالحواس وتتفاعل تفاعُلاً لا انقطاع له.. ماذا تقول؟
هنا انتفضَ بورخيس قائلاً: عبد القاهر الجرجاني، أوّاه إنّه أحد أعمدة النقد في الثقافة العالَميّة بأسرها، وليس في الثقافة العربيّة – الإسلاميّة فقط، ومعه بالطبع الجاحظ، وكذلك ابن رشيق القيرواني، فهؤلاء جميعاً هُم من روّاد النقد الأدبي في العالَم بأسره.
وتابعَ بورخيس يقول: حاضرتُ في بوينس آيرس ذات يوم عن عبد القاهر الجرجاني وكِتابه “دلائل الإعجاز” الذي أعتبره يُلخِّص نظريّته الرائدة في الشعر وقضايا المجاز، والاستعارة، والتشبيه، وضرورات الإيجاز ومسائل عِلم البلاغة وعِلم المعاني، الذي هو سيّد فيه.
وفي استطراد يقول المحاور لبورخيس :
تُذكّرني إجابتك هذه بالنفَّري، المتصوِّف العربيّ الكبير الذي يقول:
“كلّما اتّسعت الرؤية ضاقت العبارة”؟
يقول بورخيس:
من أماكن مُختلفة تُسحرني هذه العبارة للنفَّري. وأنا مفتون بها حتّى الثمالة.. مفتون بنداءات هذا المُتصوِّف الإعجازيّ العربيّ، وهي تطفر من سِفْرِه العظيم: “المَواقِف والمُخاطبات”.
يقول المحاور: ثمّة مُبالَغة في القول إنّكَ تعمَّقتَ مَعرفيّاً بالتراث العربي – الإسلامي ورموزه، وبالقرآن والإسلام والفلاسفة المُسلمين، حتّى أنّكَ كَتبْتَ قصّةً بعنوان: “بحث ابن رشد” أو انتزعْتَ، مثلاً، آيةً من آيات القرآن الكريم (من سورة البقرة) وصدّرت بها واحدة من قِصصك.. أَليس كذلك يا سيّد بورخيس؟.. أطرق بعض الشيء ثمّ قال:
عَبَبتُ من التراث العربي والإسلامي ما يفيد تجربتي في ما كتبتُ ونشرتُ؛
سُحرت بالتراثات الفارسيّة والهنديّة والصينيّة، غير أنّ التراث العربي – الإسلامي كان وقْعُهُ عليّ أقوى وأشدّ.

لقد اعتنى الغربيون بتراثنا ودرسوه أكثر مما درسناه.


رسالة دكتوراه الدولة للدكتور محمد المختار ولد اباه
La littérature juridique et l’évolution du Malikisme en Mauritanie

تكونت لجنة نقاشها من الأساتذة:
الرئيس:
المستشرق الفرنسي الكبير روجيه أرنالديز

وعضوية
البروفيسور شارل بيلا
الدكتور محمد أركون
الدكتور مصطفى الشويمي

وحضر النقاش الأستاذان محمد ولد مولود ولد داداه وأحمد ولد سيدي بابَ.

المستشرق الكبير روجيه أرنالديز (1911 – 2006)
أمضى حياته في دراسة التراث الإسلامي الديني والفلسفي.
وشُغل طيلة حياته بإقامة المقارنة بين الأديان الثلاثة: (اليهودية، فالمسيحية، فالإسلام).
كثيراً ما عبر عن إعجابه بروحانية الدين الإسلامي الحنيف وشخصياته الكبرى من أمثال الحلاج، وابن عربي، والغزالي، وابن رشد، وابن سينا، الخ،
له مؤلفات مهمة خص بها التراث الإسلامي وأدت إلى إلقاء أضواء ساطعة عليه.
منها أطروحته لدكتوراه الدولة عن ابن حزم والتي أهداها إلى الدكتور طه حسين ، أحد أساتذته المشرفين. وقد صدرت عام 1956.
أقام روجيه أرنالديز مطولاً في القاهرة في الأربعينيات من القرن الماضي وأصبح فيما بعد عضواً في مجمع اللغة العربية في القاهرة.
عاد إلى فرنسا وأصبح أستاذاً في السوربون وارتفع إلى أعلى المراتب العلمية عندما انتخبوه عضوا في أكاديمية العلوم الأخلاقية والسياسية. وهي الأكاديمية التي تضم كبريات الشخصيات الفرنسية والأجنبية والتي تقع في نفس مبنى الأكاديمية الفرنسية على نهر السين.
كتابه عن ابن حزم أصبح مرجعاً كلاسيكيا بالنسبة لطلبة الدراسات العربية والإسلامية في فرنسا وخارجها.
كتب عن جوانب من الفكر الإسلامي ، ودرس الفكر الديني لدى كبار فلاسفة المسلمين كابن عربي، والفارابي، وفخر الدين الرازي، وابن رشد، وابن مسكويه..
وله كتاب عن ابن رشد بعنوان: ابن رشد. عقلاني في أرض الإسلام.
كان أرنالديز صاحب مشروع ضخم. عكسه حجم مؤلفاته ودراساته المنجزة عن التراث الإسلامي.

شارل بيلا
مستشرق متخصص في الجاحظ ، وانصب إنتاجه العلمي عليه ، وأوسع وأفضل ما كتبه في هذا الباب هو رسالته للحصول على الدكتوراه، وعنوانها: «الوسط (العلمي) في البصرة وتنشئة الجاحظ».
تناول بيلا في كتابه حياة الجاحظ ، وتاريخ مدينة البصرة في القرنين الأول والثاني للهجرة: تأسيسها، سكانها، الوسط الديني السُّنّي، الوسط الأدبي؛ الشعر، الخمر، اللغة، الوسط السياسي الديني، الوسط الاجتماعي.
وكتب عن الجاحظ خلال حياته العلمية العديد من الدراسات، كما نشر بعض رسائله، من أهمها:
1 ـ «الجاحظ في بغداد وسرّ من رأى»
2 ـ «الإمامة في مذهب الجاحظ»
3 ـ «ردّ الجاحظ على النصارى»
4 ـ «الجاحظ ومذهب الخوارج»
5 ـ «الجاحظ: الأمم المتحضرة والعقائد الدينية»
6 ـ «الجاحظ والهند»
7- «تحقيق كتاب التربيع والتدوير» للجاحظ.

وجدت له آلاف الجذاذات التي جمعها لإعداد معجم مزدوج شامل، يضمّ الفصيح والدارج، ولكن المنية عاجلته، فلم يُتم مشروعه الضخم، وظلت الجذاذات في صناديق حديدية، بمقر معهد اللغات الشرقية في أنيار (الضاحية الشمالية لباريس) حتى سنة 2009، تاريخ الانتقال إلى المبنى الجديد بقلب باريس، فضاعت كنوز هذا العالم وألقيت مع النفايات.

محمد أركون (1928 – 2010)
درس الأدب العربي والفلسفة والقانون والجغرافيا بالموازاة بكلية الآداب بجامعة الجزائر.
التحق بجامعة السوربون في فرنسا، حيث حصل على شهادة دكتوراه في الفلسفة عام 1969.
زاول أركون التدريس سنوات مديدة، أستاذا جامعيا في مجموعة من الجامعات عبر العالم، منها جامعة السوربون وجامعة ليون وجامعة كاليفورنيا وجامعة نيويورك وعمل باحثا مرافقا في برلين.
شغل عضوية عدد من الهيئات المعرفية، كمجلس إدارة معاهد الدراسات الإسلامية في لندن، والمجلس العلمي للمعهد السويدي بالإسكندرية، كما اشتغل مديرا علميا لمجلة “أرابيكا”، ومستشارا علميا لمكتبة الكونغرس بواشنطن.
شغل منصب عضو في مجلس إدارة معهد الدراسات الإسلامية في لندن.
عمل الدكتور أركون مدة أربعين سنة على مشروع نقد العقل الإسلامي ، وهو مشروع تاريخي وأنثروبولوجي في آن معا، يثير أسئلة أنثروبولوجية.
رأى أركون أن الأصول الفقهية التي أوجدها علماء المسلمين بعد ظهور الإسلام، جسدت في القرون الأولى عنفوان العقل الإسلامي وقدراته. لكن هذه الأصول بعد ذلك ظلت مقدسة لا سبيل إلى تغييرها بفعل الظروف التاريخية والاجتماعية. هكذا حاول أركون البحث عن فهم جديد للنص الديني الإسلامي.
في مسعاه هذا، ألف أركون كتبا عديدة، وكتب محمد أركون كتبه باللغة الفرنسية أو بالإنجليزية وتُرجمت أعماله إلى العديد من اللغات من بينها العربية والهولندية والإنجليزية والإندونيسية ومن مؤلفاته المترجمة إلى العربية:
الفكر العربي؛
الإسلام: أصالة وممارسة؛
تاريخية الفكر العربي الإسلامي أو “نقد العقل الإسلامي”؛
الفكر الإسلامي: قراءة علمية؛
الإسلام: الأخلاق والسياسة؛
الفكر الإسلامي: نقد واجتهاد؛
العلمنة والدين: الإسلام، المسيحية، الغرب؛
من الاجتهاد إلى نقد العقل الإسلامي؛
من فيصل التفرقة إلى فصل المقال: أين هو الفكر الإسلامي المعاصر؟؛
الإسلام أوروبا الغرب، رهانات المعنى وإرادات الهيمنة؛
نزعة الأنسنة في الفكر العربي؛
قضايا في نقد العقل الديني. كيف نفهم الإسلام اليوم.
يدعو أركون إلى تفكيكك الخطابات التقليدية، وينتقد المنهج الاستشراقي الكلاسيكي متمثلاً في المؤرخ كلود كاهين، الذي يعتبر من رموز هذا المنهج.
يناقش موضوع الأصولية والصراع مع الغربي والعولمة


الدكتور مصطفى الشويمي
مفكر فرنسي مصري الأصل له عدة دراسات فكرية وأدبية ولغوية.
حقق كتاب “الموجز في النحو: لأبي بكر محمد بن السِّري بن سهل، المعرف بابن السراج، وهو من مشاهير النحاة وأئمة الأدب في بغداد ، و يعد كتابه الموجز هو أول كتاب جمع أصول العربية معتمدا على كتاب سيبويه ، مختصرا مسائله مرتبا أبوابه أحسن ترتيب ، معولا على مسائل الأخفش والكوفيين ، مخالفا أصول البصريين.
كما ألف مصطفى شويمي (المعجم الكامل – فرنسي عربي) مع المستشرق الفرنسي ريجيس بلاشير (1900-1973) المتخصّص في مجال الإسلاميات، ودرس النصوص التأسيسية بمنهج تاريخي-نقدي، بعد أن بدأ مسيرته برسالة دكتوراه عن أبي الطيب المتنبي، وأتبعها بتاريخ كامل للأدب العربي في ثلاثة أجزاء، بالإضافة إلى منهجَيْن، مختصر ومطوَّلٍ، لدراسة نَحْو الفُصْحى. لكنه صبّ كل ذلك لاحقاً في مجال الدراسات القرآنية بما اعترضه فيها من رهانات واجهها في مجالَيْ الترجمة والنقد.
كما حقق الدكتور مصطفى الشويمي كتاب ” الفهرست ” لابن النديم محمد بن إسحاق المعتزلي.
وله كتاب “الأفعال في القرآن الكريم أصولها وصيغها” نشر في باريس 1960 باللغة الفرنسية.
كما حقق وقدم لكتاب (الصاحبي) في فقه اللغة العربية ومسائلها وسنن العرب في كلامها لابن فارس أبي الحسين أحمد بن زكريا بن محمد بن حبيب الرازي.


بدأت المناقشة عند الساعة العاشرة صباحا و انتهت منتصف الليل تقريبا.
تحدث الدكتور محمد المختار ولد اباه مدة ٤٥ دقيقة حول الأطروحة والمواضيع التي يتحدث عنها عادة المترشح ، ثم فُتح النقاش..

تحدث شارل بيلا مدة ساعة كاملة عن الموضوع و عن الاطروحة و أشاد بها على جميع المستويات و خاصة ما يتعلق بترجمة النصوص الشرعية المعقدة ودقتها ربما كان ذلك “فراسة” منه لمشروع ترجمة القرآن الكريم الذي أنجزه الدكتور محمد المختار لاحقا.

وتحدث روجيه أرنالديز و قال إن الأطروحة هي في الحقيقة نواة لعمل موسوعي ضخم حول تاريخ التشريع في موريتانيا و في شبه المنطقة بصورة عامة.

الدكتور محمد أركون أشاد بالأطروحة و تحدث عن قضية منهجية تتعلق بالتأريخ و هل يجب ان يبدأ الباحث من الحاضر رجوعاً للمراحل السابقة أم من الماضي إلى الحاضر.

من طرائف المناقشة أن ارنالديز قال لأركون إنهما تبادلا الأدوار و أنه هو مشهور بلباقته خلال المناقشات و العكس بالنسبة لأركون إلا أنه تفاجأ أن اركون هو الذي أشاد و شكر و أنه هو تساءل و لاحظ بالتفصيل على غير عادته.
أجاب أركون أنهما كانا صادقين و عادلين في مواقفهما.

أفاد الأستاذ محمد ولد مولود ولد داداه بأن أركون حدثه بعد المناقشة بفترة عن العمل وضرورة نشره و التعريف به.

تقرير لجنة المناقشة يكون سريا حسب العادة إلا إذا طلبته الجهات الرسمية وقد طلبه الأستاذ أحمد ولد سيدي بابَه لما كان وزيرا و أرسلته الجامعة له.

لم يتم نشر الأطروحة كاملة و الكتاب المتداول المطبوع في تونس أقل من نصفها و تم اختيار الصيغة الحالية تسهيلاً للنشر و القراءة و التداول.

نشر الفصل الأول منها بعد نقاشها في مجلة (أرابيكا – Arabica) التي أسسها المستشرق الفرنسي إفاريست لافي بروفنسال وكان يشرف عليها جيرار لوكونت.

طيلة السنوات الخمس لتحضير الأطروحة لم تتوقف عملية الإعداد يوماً واحداً ، وتمت كتابة نصها و قراءة مراجعها ومناقشة مصادرها مع عدد من علماء البلد.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى