آراء و مقالاتثقافة وفن

تطورات اقتصادية وصحية جديدة وخطيرة: هل تخرج الموالاة من سباتها؟


من نافلة القول أن الأوضاع الدولية لا تسكن على حال، غير أن عدم الاستقرار العالمي خلال السنوات الأخيرة سار بوتيرة متسارعة طالت تداعياتها جميع البلدان؛ ثم جاءت جائحة كورونا لتعطي دفعا غير مسبوق لتغيرات خطيرة متعددة الأشكال والأنواع. منها طبعا ما هو صحي، غير أن النواحي الاقتصادية والاجتماعية تداخلت معها بقوة حتى نالت القسط الأوفر من الأثر على حياتنا. وهي تشهد طفرات متتالية تضفي كثيرا بظلالها على الساحة السياسية والإعلامية.

ارتفاع جديد في أسعار المواد الغذائية.. وموجة رابعة من كوفيد 19.   

لا تستغربوا إن لاحظتم ارتفاعا جديدا في الزيوت النباتية أو السكر أو الحبوب (القمح، الأرز، الذرة…)، أو في بعض المواد الغذائية الأخرى التي تستهلكون. عندها، ستشعرون لا محالة بالمرارة والغضب تجاه التاجرالذي قابلتم وربما تجاه الدولة. لكن الأمر لا يعود في الأساس إلى أي منهما، بل إلي السوق العالمية.

لقد اعلنت أمس منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة -الفاو- (FAO) أن أسعار المواد الغذائية بلغت في شهر أكتوبر الماضي اعلى مستوى لها منذ عشر سنوات. وبينت المنظمة أن متوسط ​​مؤشر الفاو لأسعار الغذاء بلغ 133.2 نقطة في أكتوبر 2021، أي ما يعادل ارتفاعا للأسعار بنسبة 33%تقريبا مقارنة بشهر أكتوبر 2020، أي زيادة سنوية بمعدل 2.75% شهريا.

ومن جهة أخرى، تأتي آخر هذه الموجات المتتالية في ارتفاع أسعار المواد الغذائية في وقت تحذر فيه منظمة الصحة العالمية من موجة رابعة من كورونا بدأت تنتشر في أوروبا، وستكون اضرارها البشرية بالغة: منظمة الصحة العالمية تتوقع أكثر من 500000 قتيل خلال الأسابيع والأشهر القليلة المقبلة. أضف إلى الخسائر البشرية ما لانتشار الوباء ومقاومته من عواقب ضغط تؤثر سلبا على الثروة والنشاطات الاقتصادية.

وموريتانيا ليست في منأى منها. بل على العكس: سلوكنا الجمعي والفردي ينذر بأننا معرضون بدورنا للخطر. وإن ظلت الأمور تسير عندنا على ما هي عليه الآن، من اهمال، ولا مبالاة، وبث الأوهام الكاذبة القائلة بنهاية كوفيد 19 -بينما الإصابات اليومية تعد بالعشرات عندنا… فإنه يُخشى على البلد من انتشار غير مسبوق للمرض ومضاعفاته الفتاكة.

الدولة تتصرف، وتواجه المشوشين، وأنصارها صمٌ بكمٌ…

كما هو معلوم تتأثر جميع الدول بحركة الأسعار العالمية للمواد الغذائية، لكن بنسب متفاوتة حسب الخصائص والمقدرات الزراعية لكل بلد. وموريتانيا تعتمد كثيرا على السوق الخارجية لتأمين حاجياتها من المواد الغذائية: لنا اكتفاء ذاتي نسبي في اللحوم الحمراء وحدها وفي السمك. اكتفاء يحد منه كون أدوات الصيد والتخزين والتبريد والنقل مستوردة، كما أن علف الحيوان وادويته مستوردة هي الأخرى. وهذه الاكراهات تعوق التحكم في أسعار منتوجاتنا من السمك والتنمية الريفية. هذا بالإضافة إلى أن القوة الشرائية للمنمين والصيادين البحريين منوطة بمنحنى الأسعار بصورة عامة، فهم يبيعون منتوجهم بثمن يمكنهم بمواكبة حركة أسعار المواد والخدمات التي يستهلكون.     

ومنذ بداية جائحة كورونا عملت السلطات الوطنية على التخفيف من التداعيات الاقتصادية للجائحة وآثارها على المستهلك، خاصة فيما يعني مجالين حيويين: الغذاء والدواء. فتم على العموم ضمان تزويد السوق الوطني بالمواد الغذائية وبالأدوية والمستلزمات الطبية، كما اتخذت إجراءات للحد من آثار ارتفاع الأسعار في هذين الميدانين. غير أن موجة ارتفاع الأسعار الجديدة للمواد الغذائية التي أعلنت عنها الفاو تبين أن حجم المشكلة وتطوراتها المتلاحقة تشكل ضغطا شديدا، مقارنة بالإمكانيات المتوفرة المحدودة. ونظرا لشح المصادر سيكون من الصعب علينا مواكبتها إن لم نعيد النظر في نمط استهلاكنا وعلاقاتنا: التضحيات لا مفر منها، وكذلك التآزر والتعاون على ضوء ادراك حقائق واكراهات السوق العالمية للمواد الغذائية والتطورات في منحنياتها الصاعدة باستمرار وبوتيرة عالية في الآونة الأخيرة.

وهذا سلوك ينبغي أن يتحلى به الجميع ويعيه. والسلطات العمومية تبذل جهودا لبثه وترسيخه، غير أن الرسالة لا تبلغ المدى المطلوب. فهي تتعرض للتشويش من طرف “معارضة” تائهة: يمتزج فيها المتذبذبون والمناورون والسياسيون المتشددون الصيادون في المياه العكرة. بينما يتحلى أنصار النظام بصمت مريب. 

فهكذا لا نرى “لأحزاب الموالاة” وجودا على هذه الساحة، ولا نرى أثرا “للمبادرات الداعمة لغزواني” التي انتشرت آنذاك – فتبار ك الله- بصوؤة مذهلة على نطاق واسع خلال الحملة الرئاسية. ولولا أن بعض هذه التنظيمات الحزبية و “المبادراتية” يطفو اليوم بصورة خجولة على السطح من حين لآخر، لحاجة في نفس يعقوب، لحسبناها زالت كلها من الوجود.  

وفي وجه الموجتين السابقتي الذكر-ارتفاع أسعار المواد الغذائية وكورونا-فكيف سيتصرف هؤلاء وغيرهم من الموالاة: أحزابا، أو افرادا، أو تجمعات…؟ هل سيبادرون –ويتسابقون كما فعلوا خلال الحملة الرئاسية-إلى توفير المعلومة السليمة وشرح الموقف للمواطنين، مواكبة ً ودعما للجهود التي تقوم ب الدولة في سبيل رفع التحديات الصحية والاقتصادية؟ أم أنهم سيبقون “صمٌ بكمٌ” لا يشعرون، تاركين الساحة الإعلامية والسياسية فاضية لخصوم الدولة والمشككين في عملها؟

البخاري محمد مؤمل (اليعقوبي)

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى