آراء و مقالاتصحفي

العربية لا تمشي وحدها على أرصفة الوثائق الموريتانية ولا تدخل دور الفساد / سيد احمد ولد مولود

1-  الرصيف
العربية لا تمشي وحدها على أرصفة الوثائق الموريتانية، والخط العربي فی موريتانيا أمره عجيب؛ لا بد لكل سطر عربي فی أي لافتة أو وثيقة رسمية لسطر فرنسي يرافقه، يحمي له أكتافه.

فمرة يكون السطر الفرنسي على جهة اليسار، فى المقابل، وبنفس الحجم، حرصا على المساواة  بين الاثنين فى مجال الهوية البصرية فى الشارع العام.

العربية لا تمشي وحدها فی شوارع نواكشوط، ولا تدخل المباني الإدارية وحدها؛ لأنها لا تأتي إلا متخفية مسروقة، وإذا رآها أحد يقول لها : “أين الفرنسية ؟ النصارى لن يقبلوا هذه الوثيقة من غير لغة فرنسية يفهمونها، والمدير ثقافته فرنسية، والمحاسب لديه برنامج “لوجيسيل” و”تابلت” لا يفهم العربية، والعربية ليست لغة عمل، ونحن ليس لدينا الوقت لكل هذا التعقيد.”

2 – السلاح
لا تدخل العربية إلا فی أماكن خاصة؛ كانت قد دخلتها فی السابق تحت حماية السلاح، بعد معارك طاحنة، خلفت خسائر جسيمة.

دخلت بالفعل فى قصر العدالة، وفی الثكنات العسكرية، وقيادات الأركان، ومدرسة الصحة،  تحت حماية محاربين أشداء أمثال : ملاي ولد بوخريص، ومحمد محمود ولد الديه.

 أدخلها محمد خونه ولد هيداله – جهارا نهارا – فی أقسام الدراسة، رغم أنف جميع الأطياف السياسية المعارضة لحكمه فی الداخل، وذهب أبعد من ذلك، حين طبق الحدود، رغم ضغوط غربية هائلة أدت – فی نهاية المطاف – إلى الإطاحة بحكمة، ثم إلى عودة الفرنسية إلى الأقسام لتدريس العلوم، من خلال انتكاسة إصلاح 97.

وكان دخول العربية فی أقسام الدراسة قد تسبب – قبل ذلك – فى حرب أهلية 66، وأدى إلى إضرابات واحتجاجات ضد إصلاح 73 ، لكن الجفاف، وضرب العملة الوطنية، ومراجعة الاتفاقيات مع فرنسا، خففت من الضغط الداخلي، وشغلت الناس عن لغة التدريس.

3 – العفة
العربية فی موريتانيا هي هذه الفتاة الصغيرة، القادمة من البدو، تأتي من الصحراء إلى المدينة، لا تدخل الأماكن الخطيرة إلا برفقة محرم أو وكيل شرعي يوفر لها الحماية. والأماكن الخطيرة هي الأماكن التي فيها النقود، والمال، والنفوذ؛ فتلك قلاع حصينة محرمة على اللغة العربية؛ العربیة مرفوضة فى المجتمع المالي والصفقات، والعقود والمستندات۔

لا يسمح للفتيات العفيفات الصَّيِّنات فی بلاد الإسلام، دخول دور الفساد والانحلال الخلقي.

على الخط العربي فی موريتانيا أن يبقى فی المسجد، والكتاتيب، ولوحات الأضرحة فی المقابر والمزارات؛ كأنهم يريدونه لآخرتهم. أما الشأن الدنيوي والمال والأعمال، فتلك لغتها  فرنسية أعجمية، تزاحمها الإنجليزية، والإسبانية، والصينية.

 4 – الفساد
مجتمع البيظان وقادة رأيهم، يريدونها أن تبقى فى مكانها كي لا تزعجهم بالنهي عن الممنوعات أوقات غفلتهم عند تعاطي مخدر الفساد فی الأماكن الخطيرة؛ كالبنك المركزي، وتريزور، والبنوك، ووزارات النفط والغاز، والمعادن، والمالية، والجمارك، وكينروس، وأم سى أم، والفنادق الكبيرة.

يدافعون عنها علنا فی جميع المنابر الرسمية بقوة وشهامة، لكنهم لا يريدونها لأبنائهم لسبب بسيط ووجيه؛ هو أن من لا يعرف الفرنسية لا مستقبل له فی موريتانيا، ولو أتقن جميع لغات العالم الأخرى؛ حتى اللغة الانجليزية لا قيمة لها لمن لا يعرف الفرنسية.

النصوص القانونية ودفاتر الإجراءات، جميعها حررت في الأصل باللغة الفرنسية، والنسخ العربية المتداولة؛ نسخ مترجمة ترجمة رديئة.

5 – النفاق
أهل السياسة فی موريتانيا من البيظان يقولون – والعياذ بالله – فى مسألة اللغة العربية، بألسنتهم ما ليس فی قلوبهم.

ينادون بتطبيق الدستور، ويقولون إنها لغة القرءان، ولغة أهل الجنة.

یتغزلون علیها فی المحافل، یحلفون لها بالأيمان المغلظة على صدق مشاعر الحب، والتقدیر، والاحترام؛ وحین یتعلق الأمر بالمصلحة، یتزوجون غیرها من أجل المال والبنین۔

وجدناهم فى الأيام التشاورية حول إصلاح التعليم، يحلقون فی السماء السابعة للعلم والمعرفة والشعارات الجميلة، لكنهم عندما يصلون إلى المقترحات العملية فى نهاية خطاباتهم الرنانة بشأن التعريب، يسقطون فى الحضيض، ويلد جبلهم فأرا ميتا؛ يأتون بخلاصات هزيلة؛ وحلول عرجاء، غير قابلة للتنفيذ، بعيدة – كل البعد – عن الواقع الحالي للتعليم.

كأني بجبال خطاباتهم أمام جمهور الحوار السياسي المزمع، حين يأتيها المخاض فی قصر المؤتمرات، لا تلد فی نهاية المطاف – بشأن اللغة العربية – إلا مقترحا هزيلا، خجولا، سيبقى حبرا على ورق.  

6 – المعلم
الموريتانيون من الزنوج أصبحوا يكرهون لغاتهم الأصلية، ولا يريدون تدريسها لأبنائهم، ويظنون أن الفرنسية أسهل وأكثر نفعا على أبنائهم من هذه اللغة التي يجدون صعوبة فی نطق العديد من حروفها.

يكرهون العربية أيضا، وهم صريحون فی ذلك؛ يظنون أنها تمنع أبناءهم من التحلي بالأخلاق المدنية الغربية التي ظلت فى نظرهم هي مفتاح الرقي والازدهار.

يفضلون نموذج ليبول سيدار سيجور، وعبدو ديوف، على نموذج الحاج عمر تال.

فمعلم الفرنسية أعظم شأنا – فى عيون أقوام –  من مدرس القرءان.

إذ كان المستعمر الفرنسي يعمل على تحطيم المكانة الاجتماعية لمدرس القرءان وشيخ المحظرة؛ فآتت تلك السياسة أكلها فی المجتمعين الحساني والزنجي، وإن بشكل متفاوت، لكن النتيجة واحدة.

7 – الهروب
البيظان وقادة رأيهم يطرحون القضايا المتعلقة بالاكتظاظ فی الفصول، وراتب المعلم وظروفه المادية، والتحويلات، ومعايير الترقية الوظيفية؛ كأولويات. أما لغة التدريس، تدريس العلوم باللغة الأم، فتلك لا تدخل فی جدول الأولويات ولا سلم الاهتمامات.

 لكن، الفرنسية فی موريتانيا أمرها انتهى، لأن فرنسا لم تعد قادرة ولا مستعدة لتدريسها للشعوب الفقيرة؛ وهي الآن تستعد للانسحاب، تماما كما انسحب الأمريكيون من أفغانستان.

ها هي هاربة منسحبة، وفق اتفاق أو من غير اتفاق؛ وجميع الموريتانيين عربا وزنوجا يركضون وراءها الآن، يتزاحمون فی المطار، يلقون بأنفسهم أمام طائرتها، يجازفون بحياتهم لمنعها من الإقلاع.

لكن الرياح فى بلاد شنقيط، تأتي – غالبا – بما لا تشتهي السفينة.

نواكشوط، 03 نوفمبر 2021

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى