غير مصنف

لماذا لا ينبغي التعويل على فرنسا في منطقة الساحل؟ (*)

الرئيسية

لا أشاطر بالضرورة ما يصفه البعض ب”المشاعر المعادية لفرنسا” التي يُلاحظ  نموها منذ سنوات في إفريقيا، بل إنني أميل إلى “محبة الفرنسية”، حسب قول بعض أصدقائي عندما يحاولون إغاظتي أو إطرائي، تبعًا للمعنى الذي يمنحونه لحب الفرنسية[i]. ومع ذلك، فإنني أعتقد أن أبناء “القارة السمراء” ليسوا على خطا اليوم عندما يصرون على أن يكف قادة بلادهم عن الاعتماد بشكل رئيسي على فرنسا.

 “قمة إفريقيا -فرنسا” صرخة كبيرة في وجه ماكرون.

 إنني مسرور بكون ما يسمى “قمة إفريقيا – فرنسا” التي نُظمت في مونبلييه في 8 أكتوبر الماضي، شكلت منبرا جيدا لتلك الحركة التي يطمح روادها وأنصارها إلى تغيير عميق في العلاقة بين فرنسا وأفريقيا نحو المزيد من المساوات والمصالح المشتركة  بين الطرفين.

فخلال تلك القمة، حادَ تماما الشتات والمجتمعات المدنية الأفريقية عن الخط الذي أراد الرئيس الفرنسي أن يسير عليه اللقاء، والذي يخفي بين طياته مناحي من سياسة الاستعمار الجديد المعروفة تحت اسم “افراسافريك” (Françafrique)[ii] الموروثة عن عهد الجنرال ديغول.

 المدعوون الأفارقة، على الرغم من اختيارهم بعناية- بغية منع أي أصوات مغايرة معروفة بمعارضة اصحابها، غالبًا ما أقحموا شاغل قصر الإليزيه وجعلوه في موقف دفاعي لدرجة السخرية منه أحياناً! فلنتذكر كيف بدا الخطيب اللامع، إيمانويل ماكرون، منزعجًا من الصور والاستعارات الكاريكاتورية التي استخدمها بعض المتدخلين على سبيل المثال: الأسلوب التهكمي الذي خاطبته به الشابة البوركينابية فاسو راجنيمويندي إلدا كوما سيبقى في سجلات تلك القمة لدرجة أن الرئيس الفرنسي ربما لن يدعو مستقبلا إلى لقاء مماثل.

 أما في منطقة الساحل، فقد كانت الانتقادات التي تتعرض لها الاستراتيجية العسكرية الفرنسية أشد حدة بكثير، فجزء كبير من النخب في المنطقة يتهمون فرنسا بأنها لا تريد مكافحة الإرهاب بجدية أو حتى ب”التآمر مع الإرهابيين”. صحيح أن نتائج مكافحة الإرهاب من طرف القوات الفرنسية وحلفائها الأجانب والمحليين على حد سواء، دون المستوى المطلوب إلى حد بعيد. لكن هل يعود السبب إلى سوء الإرادة من جانب السلطات في باريس؟ أم إلى الضعف الجوهري لقوة استعمارية سابقة لم تعد لديها الوسائل لتحقيق طموحاتها الجيوسياسية؟

دق ناقوسيْ خطر على أمواج إذاعة دولية

يتبنى السياسيون الفرنسيون ضمنيًا التعليل الثاني، لكنهم يرفضون الاعتراف به صراحة. بينما يبدي مثقفو البلد مرونة أكثر، لكنهم حريصون بدورهم على تفادي النطق بكلمة “تُحزن”، حتى لو كانت الكلمة واردة تماما.

 يقول السفير الأسبق ميشال دوكلوس، مؤلف كتاب “فرنسا في اضطرابات العالم“: “هذا ليس انحطاط”.

 ومع ذلك، فإن الأرقام الصادرة عنه، تتحدث عن نفسها، فيما يتعلق بالتراجع المتزايد لوزن بلاده في مجال العلاقات الدولية والتوازنات الجيوسياسية العالمية.

 وقد أوردتها الصحافية ماري-فرانس شاتين، كمقدمة لبرنامجها “الجغرافيا السياسية“، في إذاعة فرنسا الدولية (RFI)[iii]، حيث قالت إن الاقتصاد الفرنسي يشكل 1٪ من الناتج المحلي الإجمالي العالمي.  وناتجها المحلي الإجمالي يجعلها في المرتبة السادسة أو السابعة في العالم اعتمادًا على السنة الماضية، مع وجود ثقل في الموازين العالمية يتضاءل من سنة إلى أخرى: ارتفع الناتج المحلي الإجمالي الصيني من 1.6 ٪ من الناتج المحلي الإجمالي العالمي في التسعينيات إلى 16 ٪ اليوم، بينما انخفض الناتج المحلي الإجمالي الفرنسي من 5.6٪ إلى 3٪ لنفس الفترة.

 ووفقًا للمصدر نفسه، “فإن تقدير الناتج المحلي الإجمالي على أساس تكافئه مع القوة الشرائية، يجعل فرنسا في المرتبة العاشرة بعد الصين والولايات المتحدة والهند واليابان وألمانيا وروسيا وإندونيسيا والبرازيل والمملكة المتحدة، وإن بقيت الأمور على نفس المسار، فإن موقع فرنسا سيهبط (…) في ظرف ثماني سنوات إلى ما بين المركز السادس عشر والمركز العشرين”.

ومع ذلك، وعلى الرغم من بلاغة الأرقام السابقة الذكر، والصادرة عنه، فإن السفير السابق لا يرى فيها تراجعًا ولا انحطاطا لبلاده، بل يحاول تأويلها   بطريقة مختلفة: “لا تدل على تراجعنا، بل على تقدم الآخرين“، حسب تعبيره.

 بمعنى آخر، وهذا طرح غريب: لا يقاس تراجع أو تقهقر بلد أو تقدمه مقارنة بمستويات منافسيه!

 ضيف البرنامج الثاني، ميشيل ويوركا، عالم اجتماعي وباحث ومؤلف كتاب آخر حول نفس الموضوع: “التحول أو السقوط، إلى أين تتجه فرنسا؟”، يتساءل الكاتب من خلال عنوان كتابه.

 وردا على سؤاله، فإنه أعلن خلال المناظرة الإذاعية أن الأمر لا يتعلق بتقهقر فرنسا، بل “بـالصعوبات الحالية“، على حد تعبيره.

 وقد استدل بالأرقام السابقة الذكر، وأضاف أخرى تتعلق بميادين تخصصه الثقافي والاجتماعي وتسير في نفس الاتجاه، ودعمها بحجج أكثر جراءة من موقف رفيقه في النقاش، لكن خطاب الرجلين يصب في نفس النتيجة: تقويض حكمهما المشترك القائل بعدم تدهور بلدهما، وهذا ما حاولا عبثًا أن يثبتا عكسه أو على الأقل تفاديه.

 وعلى ضوء ما جاء على لسانيهما وما كتبا، فإن صحافية إذاعة فرنسا الدولية محقة في قلقها بشأن مستقبل بلدها، فهي تعتبر أعمال ضيفيها بمثابة دق نواقيس خطر حول “حالة الدولة الفرنسية والخطورة المتمثلة في أن تشاهد (بلادها)ا تفقد موطئ قدمها في التغيرات االسريعة الدالة على التوازنات الدولية“.

 ما هي الدروس المستخلصة بالنسبة لمجموعة دول الساحل الخمس؟

 في السياق الجيوسياسي العالمي وتوجهاته الحالية، بما فيها تقهقر فرنسا الذي أصبح من المستحيل إخفاؤه، فإن الاعتماد عليها اليوم، كقوة عظمى، يشكل خطأ استراتيجيا عواقبه قد تكون وخيمة. وعلى بلدان الساحل، بشكل جماعي وفردي، أن تستخلص النتائج من هذه التطورات لا سيما فيما يعني مكافحة الإرهاب والجريمة العابرة للحدود. وبما أن السلطات الفرنسية بصدد تغيير مقاربتها في هذا المجال، بصورة تؤدي إلى تقليص الوسائل والموارد العسكرية التي تنشرها في منطقة الساحل، فينبغي على المؤسسات والبلدان في المنطقة، ولا سيما مجموعة دول الساحل الخمس، وأعضائها أن يراجعوا بدورهم سياساتهم في هذا المجال.

وفي هذا الصدد، تبدو لنا أربعة محاور أساسية، ذات أولوية قصوى، وهي تتركز على الأدوات الوطنية للدفاع والأمن، وعلى التعاون العسكري وعلى الديمقراطية ودولة القانون وعلى الظروف المعيشية للسكان.

  • تعزيز وتقوية وسائل الدفاع الوطنية الخاصة بكل بلد.
  • تنويع التحالفات وقنوات التعاون العسكري الأجنبي، مع التركيز بشكل خاص على التعاون الأمني ​​بين دول الساحل؛
  • تعزيز عوامل الاستقرار السياسي الداخلي، بصورة تعطي دفعا للجهود الهادفة إلى تعزيز دولة القانون، فضلاً عن ترسيخ وتوطيد منظومات وآليات التناوب الديمقراطي على السلطة.
  • اتباع سياسات طوعية وجريئة في مجالات الحكامة الرشيدة من أجل التحسين بشكل مستمر وملحوظ للمؤشرات الرئيسية المرتبطة مباشرة بحياة المواطن، مثل: مؤشر التنمية البشرية، ومؤشر التنمية النوعية، ومؤشر الفقر متعدد الأبعاد…

تشكل هذه المحاور ورشات استراتيجية عظمى ومتكاملة تتطلب التزامًا سياسيًا قويًا واستراتيجية متسقة للموارد.

 وفيما يعني المحورين الأخيرين، تشكل قمة مجموعة دول الساحل الخمس الاستثنائية حول التعليم، التي عقدت في نواكشوط يوم الأحد الماضي، بمبادرة من موريتانيا والبنك الدولي، خطوة هامة في سبيل تحقيق الأهداف المنشودة.  ويبقى الآن أن يتم تطبيق قراراتها وكذلك تطبيق توصيات “الكتاب الأبيض” الذي أعده خبراء من البنك الدولي لهذا الغرض.

 أما بالنسبة للمحورين الأول والثاني المتعلقين بمجالي الدفاع والأمن فإنهما يستحقان أيضًا أن يكونا موضوع قمة ساحلية، تعالج وتواكب المتغيرات الجيوستراتيجية والسياسية الجديدة في المنطقة.

 ومع ذلك، فإن تمكُّن الدول من زمام أدوات دفاعها وامنها يظل هو التحدي الرئيسي الذي ينبغي رفعه؛ مما يستدعي العمل بعزم وحزم في هذا السبيل، من أجل بناء وتطوير إدارة جيدة للموارد المحلية وتنويع طرق ووسائل التعاون العسكري الخارجي.

عقيد (متقاعد) البخاري محمد مؤمل (اليعقوبي

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى