منطقة نواذيبو الحرة ، التطور المنشود والتحدي المفقود

نشأت فكرة المناطق الحرة منذ زمن بعيد ويرجع ذلك إلى عصر الإمبراطورية الرومانية حيث أقيمت هذه المناطق من اجل جذب التجارة الدولية العابرة وأقيمت في المراكز الرئيسية لخطوط التجارة الدولية ، واهتمت في الغالب بتموين السفن وإقامة المخازن وتفريغ وإعادة شحن السلع العابرة ومن أهم الأمثلة للمناطق الحرة ( منطقة جبل طارق التي أنشئت عام 1704م ومنطقة سنغافورة والتي أنشئت عام 1819م ) ومن اشهر المناطق الحرة في الوطن العربي منطقة جبل علي في إمارة دبي ، وتطورت فكرة المناطق الحرة من حيث الأهداف والمساحة وأماكن الإقامة و الامتيازات الممنوحة لها، فمن الأهداف تطورت الفكرة من مجرد أماكن للتخزين وإعادة التصدير إلى مناطق تقدم العديد من الخدمات في مجال الصادرات او الصناعة ومن حيث إقامتها ومساحتها فبعد أن كانت تقام في مراكز خطوط التجارة الدولية وبمساحات صغيرة أصبحت تقام في أي مكان وحتى في أماكن نائية من الدولة بغرض إعمار هذه ألاماكن وتسكين الأفراد بها لتنميتها ، كما أصبحت تقام على مساحات واسعة ومن حيث الامتيازات الممنوحة لها فقد زادت لجذب مزيد من رؤوس الأموال.

وتعرف المناطق الحرة على أنها : عقارات ( مناطق صناعية ) تقع داخل سياج جمركي على مساحة تتراوح بين10و 500هكتار مخصصة للمنتجات التصديرية، وتتمتع الصناعات القائمة فيها بمزايا التجارة الحرة فيما يتعلق بالأنظمة والقوانين، وتتمتع الشركات العاملة فيها والتي تكون في معظمها أجنبية بمعاملات تفضيلية فيما يتعلق باستيراد المواد الوسيطة وما يترتب عليها من الضرائب وتوفير البنية الأساسية، كما تعفى الشركات من الأنظمة واللوائح المطبقة على الصناعات القائمة في أماكن أخرى من الدولة.

ورغم التاريخ الطويل للمناطق الحرة فى الاقتصاد العالمي، فإنه ما زال كثيرون يخلطون بين هذه المناطق وبين غيرها من المفاهيم الأخرى قريبة الشبه بها مثل الأسواق الحرة أو مناطق التجارة الحرة، ولذلك يجب التأكيد على أن هناك فرقًا بين هذه المفاهيم الثلاثة؛ حيث إن الأسواق الحرة هي الأماكن التي تباع فيها السلع الاستهلاكية تامة الصنع للأفراد العابرين للمطارات والمواني في الدول المختلفة، سواء كانت سلعًا محلية أو أجنبية، دون إجراء أي عمليات صناعية على هذه السلع في تلك الأسواق الحرة، ويتم البيع فيها في حدود الاستهلاك الشخصي للأفراد المسافرين؛ بهدف امتصاص العملات الأجنبية من هؤلاء الأفراد ولتنشيط السياحة.. أما مناطق التجارة الحرة؛ فهي نمط دولي مختلف عن المناطق الحرة؛ حيث تنشأ منطقة التجارة الحرة بين دولتين أو أكثر لتحرير جميع السلع المتبادلة بينها أو بعضها، وذلك لتنشيط التجارة البينية للدول الأعضاء في هذه المنطقة.

القواعد التي تحكم عمل المناطق الحرة

تنظم عمل المناطق الحرة مجموعة من القواعد، تنشأ أساسًا من التعريف السابق لمناطق التجارة الحرة تتمثل في الآتي:

– تحديد المساحة الجغرافية للمنطقة الحرة صراحة.

– عزلها عن باقي أقاليم الدولة من خلال إقامة الأسوار العازلة حولها، وقد تقام في منطقة تكون بطبيعتها الجغرافية معزولة عن بقية الدولة عن طريق المياه أو الجبال.

– الخضوع لسيادة الدولة، رغم عزلها التام عن بقية الأقاليم، ولذلك تطبق عليها قوانين الدولة نفسها إلا إذا كان هناك قانون خاص ينظم العمل بها.

– تحديد الأنشطة المسموح بممارستها داخل المنطقة؛ فقد يكون النشاط هو التخزين أو إعادة التصدير أو القيام بالتصنيع من أجل التصدير فقط، أو أن يكون النشاط قاصرًا على الأنشطة الإنتاجية والخدمية.

– تعامل المشروعات التي تقام داخلها كما لو كانت مقامة خارج الحدود السياسية للدولة من الناحية الجمركية.

– تعامل البضائع التي تدخل إليها على أنها صادرات، والعكس: تعامل البضائع التي تدخل الدولة من هذه المنطقة على أنها ورادات، ولذلك تخضع هذه السلع لكافة الإجراءات الجمركية والنقدية للتعامل مع البضائع الأجنبية.
ونظرًا لأهمية هذه المناطق فى بعض الدول؛ فإن العديد من الدول تقوم بإصدار قانون خاص بالاستثمار فى هذه المناطق الحرة.

وظائف المناطق الحرة

الوظائف الأساسية للمناطق الحرة تكمن في تحميل البضائع التي يعاد تصديرها ، تقديم خدمات التخزين للبضائع العابرة ، تجميع الآلات والمعدات وانشاء بعض الصناعات الخفيفة والمتوسطة والثقيلة نتيجة لتوافر المواد الخام والخدمات الصناعية، ومن الصناعات التي يمكن أن تقوم في المناطق الحرة :- الصناعات الخفيفة: مثل ( الملابس الجاهزة والمصنوعات البلاستيكية والصناعات الجلدية وصناعة الصوف )، الصناعات المتوسطة: مثل ( صناعة الآلات الحاسبة والأدوات والأجهزة الكهربائية ومواد البناء وصناعة الزجاج وغيرها )، الصناعات الثقيلة: مثل ( صناعة الأنابيب والآلات بالإضافة إلى الصناعات التجميعية ) وتقدم المناطق الحرة أنواعاً من الخدمات كالخدمات المصرفية ، التأمين، السفر، التوزيع، الشحن، تأجير السيارات، إعادة الشحن، الخدمات المحاسبية، التنسيق التجاري … الخ .

فوائد المناطق الحرة

الفوائد الأساسية للمناطق الحرة تكمن في التنمية الاقتصادية عن طريق تقديم الخدمات وإجراء العمليات التجارية، بالإضافة إلى هذه الفوائد الرئيسية يمكن للمناطق الحرة تقديم فوائد متعددة تشمل ولا تقتصر على الآتي:

– المساعدة في تحسين موقف ميزان المدفوعات.

– تقديم أليه جيده للتكامل الاقتصادي بين الدول.

– المساعدة في تحسين تنمية الموارد البشرية.

– خلق تنمية اقتصادية متكاملة.

– خفض تكلفة الإنتاج والاستفادة من المناطق الجغرافية التي تربط بين الدول ببعضها في مجال التسويق.

– خلق الوسائل لتشجيع التعاون الداخلي والتوسع الاقتصادي.

– تشجيع الحركة التجارية والاستثمارية وخلق فرص ووظائف جديدة عن طريق تشجيع

– النشاطات التجارية الصناعية التي كان من الممكن أن تتم خارج البلاد.

– تقديم خدمات مجتمعية مثل دعم المشروعات بأنواعها وتشغيل المعوقين.
نقل التقنية.

– تقديم خدمات المنتجات بأسعار متدنية.

– تقديم خدمات إعادة التصدير.

فوائد المناطق الحرة على المستثمرين والمشروعات

تحقق رؤوس الأموال والمشروعات العاملة فوائد كبيرة من الإعفاءات والمزايا خاصة الإعفاءات الجمركية والضرائب.

– تسويق إنتاج المشروعات في أسواق الدول المجاورة.

– الاستفادة من الأيدي العاملة ومستلزمات الإنتاج الرخيصة ،بما يحقق خفضاً لتكليف وأسعار المنتجات ويرفع من القدرة التنافسية لهذه المشروعات .

– الاستفادة من البنية الأساسية التي تقوم الدولة بتوفيرها لهذه المشروعات بما يساعد على تقليل تكاليف الإنتاج وزيادة الأرباح.

– زيادة الأرباح الإجمالية للمشروعات من خلال توسيع نشاطها في الصناعات المغذية والمتكاملة مع نشاطها الأساسي في تلك المناطق.

الإكراهات والعقبات التي ستواجه مشروع منطقة نواذيبو المستقلة

لا تعني المزايا السابقة أن المناطق الحرة كلها خير؛ حيث يصاحب عمل هذه المناطق بعض السلبيات، تتفاوت حدتها من دولة إلى أخرى حسب مرونة أو صرامة نظم مراقبة العمل ودقة الإجراءات التي تحكم عزل هذه المناطق والسلع المنتجة بها عن الاقتصاد القومي، وتتلخص أهم هذه السلبيات فى الآتي:

– احتمال تحول بعض المناطق من التصدير إلى خارج الدولة إلى تهريب السلع إلى داخل الدولة؛ مما يضر بالإنتاج المحلي المماثل، ويضيع بعض الموارد الجمركية والضرائب على خزانة الدولة.

– وجود فرص لاستخدام هذه المناطق للتهريب دون مراعاة منشأ السلع، وهو ما يضر بالإنتاج والاقتصاد المحلي، وتحول بعض هذه المناطق إلى مناطق استهلاكية وليس إنتاجية.

– حرمان الصناعات الوطنية من الكوادر الفنية المدربة من خلال جذب هذه الكوادر للعمل بالمصانع داخل هذه المناطق لارتفاع الأجور بها.

– صعوبة معالجة وضع السلع المنتجة داخل هذه المناطق عند قيام الدولة بالدخول فى تكتل اقتصادي مع دول أخرى؛ حيث يتم استبعاد هذه السلع من الإعفاءات المتبادلة بين دول التكتل، كما في الحالة العربية.

– تركيز الاستثمارات الأجنبية داخل هذه المناطق بسبب المزايا التي تقدمها؛ مما يحرم الاقتصاد القومي من تدفق بعض هذه الاستثمارات إلى داخله.

– إمكانية سيطرة رؤوس الأموال من جنسية معينة على المشروعات داخلها، وقيامها بممارسة ضغوط على الحكومة الوطنية.

– إمكانية استخدام هذه المناطق كمعبر لتهريب رؤوس الأموال الوطنية إلى الخارج؛ بسبب وجود حرية تامة لخروج رؤوس الأموال وتحويلات الأرباح إلى الخارج في هذه المناطق

رغم أن جعل منطقة أنواذيبو منطقة حرة هي تجربة رائدة ومفيدة من أجل تنشيط الدورة الاقتصادية للبلد وتسريع وتيرة النمو ومما سبق يتضح أنه لا بد إصلاحات عميقة علي مستوي الترسانة القانونية والتنظيمية وعلي مستوي البني التحتية داخل منطقة نواذيبو و زيادة القدرة الاستيعابية لميناء أنواذيبو حتي يتمكن من القدرة علي استقبال وتفريغ الحاويات و إصلاح النظم القانونية و هيكلة الخدمات والمؤسسات الخدمية في المدينة كي تتماشى مع التطور العالمي في هذه المجالات والتي تساعد علي استقبال الاستثمارات و المحافظة عليها.

ومن الناحية الربحية البحتة فمن المعروف أيضا أن المناطق الحرة لها تأثير مباشر على ميزان المدفوعات وذلك انطلاقا من وضعيته قبل إعلان المنطقة و صادرات موريتانيا أقل من وارداتها و دالك ما يعطي انطباع سيئ عن المنحدر الذي سيأخذه ميزان المدفوعات هذا بالإضافة إلي الإعفاء من الضرائب الذي ستخسره الخزينة الموريتانية و كذلك الجمركة البحرية و ليس ذلك فقط لأن كل الإنتاج في هذه المنطقة سيدخل موريتانيا علي أنه منتوج أجنبي وبذلك سيكون المستثمرون و المصنعون هم في وضع يسمح لهم بالحرية في توجيه منتجاتهم لموريتانيا ولغيرها وذلك سيعزز مبدأ الاحتكار وغيره من السلوكيات، مع كامل الود.

اعل الشيخ ولد سيدي عالي

باحث في الاقتصاد الاجتماعي والتضامني

قبل إكمال الموضوع أسفله يمكنكم الإطلاع على موضوعات أخرى للنفس المحرر

زر الذهاب إلى الأعلى