هنيئا سيدي الرئيس لأنك… منعت ذلك

في خضم السباق القبلي المحموم و الإثني و الطبقي المصاحب الذي يجري هذه الأيام و الهادف بنفحة “ماضوية”، إن جاز التعبير، إلى الإيهام بإثبات قوة و منعة و حضور هذا الكيان رغم رياح التغيير التي نفضت عن أديم الإنسانية في كل بقاع المعمورة غبار الفوقية و التسلط و تقسيم المجتمعات إلى فسطاطي النبلاء و الواطئة بعيدا عن روح الدين و إيجابية الاديولوجيات السياسية و أنفاس الفلسفات العقلانية؛ في خضم هذا السباق المحموم إذا و إلى تلك المآرب المتخلفة اجمع بعض أعيان ووجهاء و أطر و رجال أعمال تجمعهم و إياكم علاقات النسب على أن يمسهم جني التنافس القبلي و يأخذهم احتساء رحيقها إلى ميس نفوسها في عالم الفوقية و جوهرية الكيان وسط معمعان الذي يجري من حولهم انتشاء عام.

أرادوا أن تكون مبادرتهم باسم محايد – لن يعجزهم انتقاؤه في لغة المترادفات البديعة – على قدر معتبر من قوة المظهر و جمع الجموع ما لا تكون عين قد رأته و لا أذن سمعته، و أن يحشد لهذا الشأن القد و القديد و الناس و المال و الشعراء و الغاوون.

و بينما هم في أمرهم يتشاورون و في رسم المخططات لذلك و بناء التصورات و التبادل بشأن تهيئة الوسائل اللوجستية و البشرية للحدث في أهميته و بعد رسالته، كانت الأقدار تدير الأمر على نحو آخر يصب في صميم الرسالة الجمهورية و واقع العصر بملامسة مقارباته الجديدة، و يضع بذلك لبنة أخرى في صرح الديمقراطية.

و لما أن بلًغَتْ جهاتٌ الرئيس بما يدبر بهذا الشأن في خفاء العلن و بالخطوات المتقدمة التي حصلت و الترتيبات التي تلت، جاءت المفاجأة مخيبة آمال المتحمسين للسباحة في “اليم القبلي” عكس تيار الحداثة و الغائصين في أعماقه على نداء حورياته المنغمة الآسرة… لقد أنكر رئيس الجمهورية منطلق المبادرة و رفض لذاته قيامها على دراية و إدراك تامين بالموقع الذي هو فيه و ما يمثله مطلقا بالنسبة للشعب الموريتاني كله. فلا لا بد هنا في مثل هذه المحطة الجديدة من الإشادة به موقفا شجاعا و الوقوف بتأمل و حس معالجاتي عند دلالاته و استنطاق الرسائل التي يحملها بلغة الفعل و التغيير.

لا شك أن أي نظام يقوم على الخيارات العشائرية و الاثنية الضيقة يعيق بكل تأكيد نمو الوعي الوطني، ويقف حائلاً أمام نمو سوق البلد الموحدة. ثم إنه لا ريب مطلقا أنه إذا ظلّت الانتماءات العشائرية و الاثنية تؤثر بشكل فاعل على أبناء البلد في خياراتهم للقادة و الحكومات فإن النظام العشائري سيظل يشكل تحدّياً دائماً لأية سلطة مركزية تحاول أن تقوم و تثبت و تشل قدراتها على تسيير البلد و تقوية أركانه.

و ليس أقل ما يمكن أن تحمله تلك الرسائل التي بعث بها رئيس الجمهورية من خلال ذاك الموقف الثاقب أنه متى ما تبقى القبيلة أو العشيرة أو الاثنية، بمعنى أي منها الشامل، تمثل مصدرا لتحقيق الخيارات في البلد؛

· أفلا يدعو الأمر إلى القلق على استقامة عودها الذي ما زال طريا؟
· وهل أننـا في ظل الدعوة إلى بناء دولة القانون والمؤسسات والديمقراطية نرغب حقا في أن يحكم الأفراد الذين تفرزهم سنن العشائرية وأحكامها، أم وفقاً لقوانين دولة العدل و المساواة و المواطنة التي تفرض القيادات المجمع على استقامته و قدرتها في ظل الخيار الديمقراطي الأوحد؟

و هو لمن يقرأ جيدا في ثنايا التشفير الموقف الذي يحمل كل علامات الصد عن ركوب الموج في عرض بحر الماضي الحاضر بكل جبروته دون حسناته و الردع عن غيه الذي لا تخبو جمرته الحارقة بآليات منهجية الإرشاد إلى التخلي كذلك عن المعطيات التي تناقض روح المنطق و قد بدأ هو أيضا يتحرر من القيود التي صمدت طويلا في وجه الزمن و إن مس الصدأ حلقاتها و تحديدا في الشق منه الذي لم يعد يلائم الحاضر بميزاته الطافحة.

فشكرا سيدي الرئيس على مثل هذا الموقف الشجاع و الثوري الفريد و في خضم هذا الظرف الدقيق الذي كشر فيه الكل عن أنياب الانتماء الضيق و عن نوايا الطمع و التزلف و الوصولية بركوب خيول شاخت و بلغة هجينة تجاوزتها شاعرية القواميس الحديثة بأحرفها الوضاءة و معانيها الجليلة.

و إنك لو كنت في هذا الأمر الذي أراده أفراد على نسق من فعلوا قبلهم و يفعلون من محيي و مستغلي الطائفية بلون القبلية و العشيرة و الاثنية، ساكتا و قابلا لما أوقفت الأمر حين استفسرت فيه ثم رفضته قطعا لأنه لا يليق بمهمتك الجامعة، الشاملة و المانعة لمثل هذه الانزلاقات في وقت آثرت فيه لم شمل الأمة و تسوية قضياها الشائكة.

و إنها للمهمة التي لا بد، سيدي الرئيس، من أن يُعامل في خضمها المنظرون لهذه التوجهات المخالفة و المعرقلة لجهودكم النبيلة التي استراحت لها الضمائر المطهرة من أدران الشرك بالوطن في قدسيته الإلهية:

· بما يليق من صرامة الردع المستكمل كل حيثيات الأسباب،
· و بكامل الذي يجب من قوة الضرب على اليد و إبطال المساعي المكرسة لواقع الجمود بمتطلبات المرحلة الدقيقة التي أسستم لها و دفعتم عجلتها إلى التحرك باتجاه استكمال أركان دولة المواطنة و القانون…

مهمة ترفض بطبيعتها حضور مثل هؤلاء في هيكلة الدولة و كل الأطر حزبية أم مدنية المشاركة و المساندة للعمل الحكومي.. فإنهم كثر و حراكهم قبلي طائفي و إثني ضيق داخلها و على أطرافها و أهدافهم انتهازية و آنية و رخيصة مدمرة.