روح الإسلام

الحمد لله المنعم على من شاء بنعمة الإسلام، والصلاة على خير الأنام، سيدنا محمد بن عبد الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، من خصه الله بعظيم الأخلاق فأوضح معالمها، فقال: إنما بعثت لأتمم مكارمها. والسلام عليه وعلى آله فهو من نال المقام المحمود يوم عنت الوجوه للحي القيوم وقد خاب من حمل ظلما، والسلام عليه وعلى آله فهو وحده المعني بقوله تعلى: ﴿أَفَمَنْ يَّعْلَمُ أَنَّمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمَى﴾.

أما بعد فإنك أيها المسلم بعد استشعارك لعظيم منة الله عليك أن هداك لدينه القويم، وصراطه المستقيم، حيث حرم غيرك وهو كثير، من هذا الفوز الكبير، يتعين أن تعرف حقيقة الإسلام، وجوهره لتتحقق بهذا المقام، فإنه مما تزل فيه بعد الهداية إليه الأقلام، والألسنة والأقدام، فحقيقة الإسلام أركانه، وجوهره خلقه، ولا حقيقة بدون جوهر، والجوهر الفرد سلامة الصدر من الغل والحسد والبغضاء والشح والكبر، قال تعلى: ﴿يَوْمَ لا يَنْفَعُ مَالٌ وَلا بَنُونَ إِلاَّ مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾؛ وقد بين صلى الله عليه وسلم أنه من ضيع جوهر الإسلام لم تقبل منه حقيقته فقال صلى الله عليه وسلم: “أتدرون من المفلس؟ قالوا: المفلس فينا من لا درهم له ولا متاع، فقال صلى الله عليه وسلم: المفلس من ياتي يوم القيامة وقد أتى بصلاة وصدقة وحج وصيام وياتي وقد شتم هذا وضرب هذا وسفك دم هذا وأكل مال هذا فيعطى هذا من حسناته وهذا من حسناته حتى إذا فنيت حسناته أخذ من خطاياهم فطرحت عليه ثم طرح في النار”. فانظر وفقنا الله وإياك إلى هذا الإنسان الذي جاء بدعائم الإسلام وفرط في البنيان القائم على هذه الدعائم وهو خلق هذا الدين فكان جزاؤه أن حبط عمله. ففي الأثر: من لم تنهه صلاته عن الفحشاء والمنكر لم تزده من الله إلا بعدا. وهكذا الحال في جميع الدعائم والشعائر “رب قارئ للقرآن والقرآن يلعنه”.

ولا أدل على هذا المعنى من وصفه صلى الله عليه وسلم للمسلم والمؤمن بقوله: “المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده والمؤمن من أمنه الناس على دمائهم وأموالهم”.
بل لا أدل عليه من قوله صلى الله عليه وسلم لمعاذ رضي الله عنه: “ألا أخبرك بمِلاك ذلك كله؟ فقلت: بلى يا نبي الله، فأخذ بلسانه ثم قال: كف عليك هذا فقلت: يا رسول الله وإنا لمؤاخذون بما نتكلم به، فقال: ثكلتك أمك يا معاذ وهل يكب الناس في النار على وجوههم أو قال على مناخرهم إلا حصائد ألسنتهم” الحديث بطوله.

ثم إن الله شرع الأديان وجعل لكل دين خلقا فمن لم يتخلق بأخلاق دينه لم يعد من أهله، قال صلى الله عليه وسلم: “لكل دين خلق وخلق الإسلام الحياء”.

وقد حوت سورة الحجرات (سورة الأخلاق) أسس بناء المجتمع المسلم، فقال تعلى: ﴿يَأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾، ودعت إلى التثبت والتبَيّن قال تعلى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا﴾، ونهت عن السخرية من الناس والتجسس والغيبة قال تعلى: ﴿وَلا تَجَسَّسُوا وَلا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضاً﴾.

وقد أوجز صلى الله عليه وسلم أخلاق هذا الدين في إحدى جوامع كلمه حيث قال مرادفا للإنصاف مع الشهادتين: “من سره أن يزحزح عن النار وأن يدخل الجنة فلتاته منيته وهو يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله ويأتي إلى الناس الذي يحب أن يؤتى إليه”.

وقال صلى الله عليه وسلم: “أشد الأعمال ثلاثة إنصاف الرجل من نفسه…” الحديث. وقال عمار رضي الله عنه: ثلاث من جمعهن فقد جمع الإيمان: الإنصاف من نفسك وبذل السلام للعالم والإنفاق من الإقتار. والإنصاف من شأن الأشراف وهم آل النبي صلى الله عليه صلاة نطمع بها أن نحشر في زمرة آله وصحبه الطاهرين أجمعين والحمد لله رب العلمين.

الشيخ أحمد باب بن أحمد بزيد بن أحمد مسكه