لا تفسدوا في الأرض بعد إصلاحها

في إطار تخليده للإعتداء السافر باسم الشرع والدين على قبور مسلمات في مسألة بينتُ – في معالجة سابقة ـ أساسَها وواقعَها ووسائلَها ومآلاتها ليظهرأنه تصرف عدائي مشين خاصة ممن يدعي العلم والورع والفتيا، نقلا عن الله مستبيحا حرمة الميٍتات مستحلا الاعتداء عليهن إرضاء لرغبات كافر يسعى لخراب بلاد المسلمين وتسميمها متفلسفا ليلبس على العوام بأنه سيتم التعويض لورثتهن.! فيظنون أن ذلك من الدين، وانه يخشى على أجسادهن البالية، ورأفة بهن لا يمكن أن يتركهن لرحمة ربهن دون تكسير لرميم عظامهن وتقطيع أوصالهن وحمل بعض ما كَسّر منها لينال رضا الكافر ويشتري بآيات الله ثمنا قليلا.


أطل من أفتى بجواز أكل ما ذبح قربانا للجن بوجه جديد ليلبس حلة كرم وجود قشيبة، بغير ما يملك ليثبت أنه سيد المدر والوبر متجاوزا حد حاتم في الجود، وعديا في السخاء، لأن كرمهما مقيد بما يملكان، أما هو فيعطي ما لا يملك متخذا “بلفور” إماما في الوعد، والتفريق بين المسلمين، فأحل بساحتنا أمرا جديدا، لم يُسبق إليه في التاريخ المعروف لهذه العشيرة: أن يأتي من أنفُسِهم حريص على هذم قيمهم وقيم أجدادهم، وتسفيه أحلامهم، وجر الفرقة لحاضرهم، في شأن بيع أرضهم، أو التنازل عنها مقابل ثمن معنوي متوهم.

“أريد هبة أرض ليس لكم الإطلاع عليها، ولا معرفة شأنها، ولا معرفة خطر الاستيلاء عليها، أما السائل فليس معروفا لديكم، لكنه من أحفاد فلان، ولا أقبل رأي المخالفين، مهما كانت منزلتهم، أو سمت رتبتهم، أوعلا صوتهم، أو تعددت مشاربهم، لأ نهم مجانين؛ تسول لهم أنفسهم رفض ما نملي في منهج ومكان لا يعجبنا، فهم كبقية المجانين في سائر العشائر؛ فابن فلان يريد أرضا هي من أرضكم؛ ليملكها وتكون له الخيرة في أمرها دونكم”.

إنه لمن الغريب أن يقوم فرد ينتسب إلى رهط الخرشي بن أحمد بن عبد الله، ومحمد عبد الله بن البخاري بن الفلالي، والشيخ محمد المام بن البخاري بن حبيب الله؛ تحت شعار الدين والمروءة؛ بإعطاء أرض مشاعة، من ملك السلالات – في ظلام دامس ـ دون أن يعرف أحد ما هو الثمن أو المثمون، وقد حكمت العادات والأعراف المستمدة من الشريعة؛ على أهلها بضرورة إعمارها؛ بسقاية الظمآن، وإرشاد الضال، وإغاثة الملهوف، وإطعام الجائع، ونصرة المظلوم، وإيواء الطريد، وتضميد جراح الجريح، وتعليم الجاهل، وكفالة الأيتام، منذ أيام العامري؛ واختيارها وطنا له، ولذريته من بعده.

ومن الأغرب أن لا ينتبه إلى أنه مجرد تلميذ بسيط في مدرسة عريقة لا يجوز له ــ إن كان له قلب ــ أن يخرج عن منهجها أو قانونها، ولو قرأ مواقف أجلتها من مال النزاع، وغيره واستشعر عظمتها ومنزلتها عند الرحمن الرحيم وعند الأقيال من أهل الأرض لعَلم أنها أحق بالإتباع، حتى يؤوب إلى رشد نهجها، ليلا يبوء بعاقبة ما اقترفت يداه.

إن مُلك أسلافنا الأرضَ دون سائر العشائر ملمح من ملامح تفوقهم في القدرة على الإلتزام بهذه المعايير و الضوابط أكثر من غيرهم؛ ولا عبرة بالنسبة الطينية؛ إذا لم يصحبها الإنتماء الروحي، والسعي الحثيث في إعمار الأرض، والجد في خدمتها؛ و الاستعداد لبذل الغالي والرخيص، والنفس والنفيس؛ في سبيل المحافظة عليها، ولا عار يلحقهم فيما عجزوا عنه؛ دون تقصير غير وانين ولا متخاذلين، إذ أنه مع التصميم والصبر، ينفض الظالمون والطغاة والمتغلبون، وتبقى الأرض لمن صبر على الحق واستمسك به.

إن مجرد التفكير في التنازل عن شبر من هذه الأرض لدخيل يعكس خللا نفسيا عميقا، لأن هذه الأرض لا يملكها شخص بعينه، وإنما يملك الإنتفاع لا المنفعة، وإذا ادعى كاذبا أنه يملك بيعها، بحجة أنها لعشيرته، وهو من أنُفْسهم فعليه، أن يعلم أنها أمام مسألتين :

ــ إما مشاعة بينهم جميعا ويملك كل منهم الانتفاع بما احتاج إليه من خيراتها، مع الحرص على الأخلاق العامة خدمة لمصلحتها، ومحافظة على إعمارها بالدين القويم والسعي إلى المجد الصميم قدر جهده، مع تقوى الله و الإجمال في الطلب قال : محمد عبد الله بن البخاري بن الفلالي: “سوء الاكتساب يمنع الانتساب” وهذه رسالتهم في الحياة الدنيا.

ــ وإما أن تكون ميراثا ماديا بحتا في نظر ضيق، فعليه أن يقوم بحصر ورثة هذا الميراث مبينا عند كل وارث بأي دلو أدلى وحشرهم في صعيد واحد أصحاء بالغين، وأن يُجمعوا على هذه الفعلة، دون تردد أو تحرج أمام حَكم عدل ويمضي عليها كل واحد أصالة عن نفسه فقط.

إن الذين يأخذون أموال غيرهم ويوزعونها على من لا يستحقها دون حياء، قد مروا من هذه الأرض وصالوا فيها وجالوا عصورا عديدة وقرونا مديدة يوم كان أسلافنا يقيمون فيها الدين تطبيقا لمنهج السلف الذي تعاهد على تجسيده الخمسة جاعلين ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِٰ﴾ [الفرقان: 63].
دستورا عمليا ويحافظون عليها ويعمرونها بالمعروف، ويصبرون على الخطوب والأهوال، إذا اشتدت، وابتُلوا بالخوف والجوع ونقص من الأموال والأنفس والثمرات، أما إذا أخصب الزمان وعم الخير وأمنوا على أنفسهم وأموالهم وجارهم.

فيستشعرون قول الله عز وجل: ﴿الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ﴾ [الحج: 41]. في إقامة الدين و إعمار الدنيا، لا يتنازلون عن أرضهم في الضراء ولا يبيعونها في السراء، لاستشعارهم العلاقة الأزلية بينهم وبينها: ﴿مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَىٰ﴾ [طه‏:55].

إن مخالفة هذا النهج والسعي إلى الفرقة وقطيعة الرحم التي تربط بهؤلاء الأئمة الأعلام وأرضهم التي أنعم الله عليهم بالاستخلاف فيها بعد صبرهم على نصرة دينه وخدمة عباده وإعمار أرضه في السراء والضراء ومكن لهم فيها جزاء دنيويا لعملهم : ﴿لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ﴾ [يونس: 64]. لهي الإنحراف بعينه وصاحبها حقيق بأن يرفع الله عنه قسطه من نعمة التمكين بعد استقالته ورده النعمة إلى واهبها (فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ) [محمد: 22].

وإنه لمن المثير للعجب أن تأتي هذه الجريرة متزامنة مع إطلالة، الذكرى الأولى للإعتداء السافر على مرقد السيدة الجليلة: مسعودة بنت مسكة بن باركل …! تغمدها الله برحمته واسكنها فسيح جناته، وإنا لله وإنا إليه راجعون.

محمد عبد الله ابن العتيق