وانتهت “اللعبة”..!!

لم أصدق – ولو لدقيقة واحدة – أنه توجد أزمة بين رئيس الجمهورية السيد محمد ولد عبد العزيز، ورجل الأعمال البارز السيد محمد ولد بوعماتو، وحديثي لقناة “الساحل” حول الأزمة و تدويناتى العديدة على “الفيس” تنطق بتلك الحقيقة..!!

لا أريد أن أقول بطريقة تقليدية إن قرابة الرجلين تمنعهما من اختلاق المشاكل، والدخول في صراعات من أي نوع، وليس من اللازم أن أقول إن لكل من الرجلين مصلحة في الآخر هي يقينا فوق كل اعتبار، وإن شئتم فاجعلوها حتى فوق المصالح الوطنية العليا،وقد لا نكون بحاجة للتساؤل عن دوافع الخلاف بين رجلين دعم أحدهما الآخر بماله وجهده حتى وصل لكرسي الرئاسة، و”وشح” أحدهما الآخر ومكن له في الأرض لتوسيع مملكته الاقتصادية، ولكل منهما ارتباط “عضوي” بالآخر..؟!!..وأنا أعرف – كما تعرفون- أن عزيز يعرف بوعماتو، وبوعماتو يعرف عزيز..!!

لقد كان واضحا أن الخلاف عابر ومقصود ومدروس ومخطط له بعناية فائقة، وله أهداف بدأ بعضها يعبر عن نفسه بوضوح .

وكما أشرت في حديث لقناة “الساحل” فإنه كان هناك شحن واحتقان وصخب في النقطة الفاصلة بين “الخوف من عزيز”، الذي هو قمة هرم السلطة، والآمر الناهي في البلاد، و”الطمع في ولد بوعماتو” الذي هو قمة الهرم الاقتصادي والمالي في البلاد، والواقف في تلك النقطة (حتى لو كانت واطئة) يمكنه بوضوح رؤية العلامات “المضيئة” والفارقة، والتي تقول ببساطة إن هرم السلطة ليس بمقدوره التفريط في هرم المال والعكس، وهل حكمت موريتانيا منذ 1978 وحتى الآن إلا عبر تحالفات بغيضة ومشؤومة بين كبار الضباط، وأبرز وجال الأعمال، ومومياءات الزندقة والنفاق السياسي..؟!!..وموريتانيا لم تتغير..

لقد كان الضجيج كبيرا حول “الأزمة” المصطنعة بفعل اصطفاف السياسيين والإعلاميين والمرتزقة، الذين انقسموا إلى “فسطاطين”، أحدهما “يسبح” بحمد السلطة، والآخر “يقدس” المال، وبينهما ضاعت الحقيقة (المغيبة قسرا)، فالصراع الوهمي كان بين من يملك السياسة، ومن يملك المال، ولم يكن في “حلبته” سوى عربة “كسيحة” تسير على عجلتي الترغيب والترهيب..!!

صحيح أن هناك من وجد نفسه محتارا حد الارتباك..!! فهو يريد أن يربح مال ولد بوعماتو دون أن يخسر سياسة عزيز..!! فالكفتان نديتان بالامتيازات ولإغراءات، ومن الصعب ترجيح إحداهما على الأخرى، ولذلك كان دعم عزيز ودعم بوعماتو أمران (أمرهما”حلو”)، لأن المرارة هي في عدم الإصطفاف أصلا في أحد “الفسطاطين”..!!

لقد جرت “اللعبة” باحتراف وكفاءة، ولدرجة أن “لاعبيها” لم يخرجا لاعن نصها ولاعن سياقاتها، وإلا فهل يمكننا اليوم – بعد نهايتها – النظر في وجوه قادة المعارضة، الذين نجح طرفا “اللعبة” في جرهم إليها وبصفاقة غريبة، أظهرت أن المعارضة لا تبحث عن شيء، ولا يهمها أي شيء سوى التعلق بأي حبل – ولو كان ورقيا – للانقضاض على النظام، وكأنه لا دور لها ولا رسالة إلا معارضة عزيز كشخص..!!

لقد غاصت قدما “المنسقية” في وحل “اللعبة” لتتركنا غارقين في مآسينا وويلاتنا التي من المفترض أن تساعدنا على تحملها، بدل الانشغال بصراع وهمي القاتل والمقتول فيه في “السلطة”..!!

لقد بات واضحا أن المعارضة أمسكت أسنان “الحوت” المفترس، وليس ذيل “الدلفين” عندما طبلت للأزمة، وبكت على ولد بوعماتو، واعتبرته ضحية ظلم واستهداف سياسي..!!..ولم تجد متسعا من الوقت لتكتشف أن ما يجمع عزيز بقريبه الغني أكثر مما يفرقهما، وأنهما في النهاية حتى لو تصارعا بعنف وصدق ودموية، لا يمكن لأي منهما الاستنجاد بالمعارضة بكل مكوناتها، فلا حاجة لأي منهما بخدماتها حتى ولو كانت مجانية…فعزيز يقهرها سياسيا، وبوعماتو يملك رقاب معظم قياداتها و نافذيها بإكرامياته السخية..!!..وللرجلين دون المعارضة “أهلون سيد عملس وأرقط زهلول و عرفاء جيأل” في عواصم تحكم العالم بالسلاح والمال وأشياء أخرى..!!
إن المعارضة اليوم في وضع لا تحسد عليه، فالقوم سيشربون قريبا نخب سذاجتها واندفاعها الأرعن عبر حفل صاخب في القصر الرئاسي، سيكون مناسبة للإعلان عن فتح “القفص” ونهاية “اللعبة” ولأول مرة بتتويج خصمين بنفس اللقب، وحصولهما على نفس المرتبة..!!
لم يكن إرباك المعارضة – المرتبكة أصلا- هدفا رئيسيا للعبة القذرة، هناك أهداف و”هديفات” أخرى كثيرة

لقد كان على الموريتانيين الانشغال بالأزمة المفتعلة، ونسيان ما سواها من واقع سيئ، وجو سياسي مرتبك، وظروف إقليمية صعبة، والصراخ الذي بدأ الرئيس يسمعه جيدا من هنا في “أكرا” أوهناك فى “باريس”..!!

ومن المهم أن يقال للموريتانيين هذه نخبتكم السياسية والإعلامية، تتصارع فقط من أجل رجلين، أحدهما يملك المال، والآخر لديه السلطة، فهل يمكن التعويل على نخبة أذابت هموم البلاد والعباد في رجلين درجة تسخير التلفزيون المفترض أنه وطني لتأجيج الصراع بينهما..؟!!
هل يمكن لنخبة بهذه “الوساخة” أن تنقذ بلدا..؟!!…هل بمقدورها إرضاء صديق أو إغاظة عدو..؟!!

بالمناسبة أريد للإعلام الرسمي و”المستقل” – وخاصة التلفزيون – أن يكون جزء من اللعبة فكان له ذلك بامتياز..!!

لقد كان على رجال أعمال عزيز الناهضين التقاط أنفاسهم في الوقت الضائع في “اللعبة”، وكان من الواضح أن عدة أشهر تكفى لترتيب أوراقهم في غياب أهم “البطارين”، والتوقف المفاجئ لماكينة المال والأعمال والإعلام التي صنعها بكفاحه وطموحه وتحالفاته داخليا وخارجيا..!!

بمقدورهم الآن دخول الساحة بسلام آمنين، فقد اكتشفوا أشياء كثيرة، وعرفوا أسرار المملكة “البوعماتية” ونقاط قوتها وضعفها، وأرقامها وهيكلتها وتجربتها في التوسع…فتحت أمامهم “خزينة الأسرار” من بطون “الوثائق” إلى “أفواه” الرجال..!!ما لم يجدوه من معلومات ومعطيات أثناء “التفتيش” الميداني ل”عنابر” الملك، سمعوه من رجاله تحت “التحقيق”..!!

على المستوى الإقليمي كان على عزيز أن يثبت – بأية طريقة – بعده عن العرش العلوي في الرباط( وهو المتهم بأنه صديق شخصي للمغرب وملوكه وهو اتهام يربك علاقاته بالجزائر والبوليساريو) عبر “شنشنات” عديدة، لعل من أبرزها التسريبات بضلوع المغرب في حادثة الرصاصة “الصديقة”، ثم الحديث القوي عن إشكالات دبلوماسية بين الرباط ونواكشوط، غير أن احتضان المغرب لولد بوعماتو كان ضروريا لخلط مزيد من أوراق العلاقات الثنائية بين البلدين، ولذلك نجح عزيز في القول للناس بان مملكة تحتضن “العدو الأول” لا يمكن أن تكون صديقة أو حليفة له بأي حال من الأحوال، ولو لم يكن الخلاف بين عزيز وبوعماتو مجرد “لعبة” لقرأنا من جديد سطرا من التاريخ الموريتاني، يحدثنا عن رجل أعمال موريتاني لجا إلى المغرب ونجح في إنشاء قوة عسكرية خاصة، تحركت لإسقاط أحد أقوى الأنظمة الموريتانية وأشدها بطشا وسطوة، فما الذي يمنع ولد بوعماتو من غرس “تمرد موريتاني” ظلت أهداب العرش المغربي دائما تربة خصبة وندية لإنباته، ونقله إلى “المشتلة” بأمان وثقة؟!!

علينا أيضا أن نتذكر ملف المخدرات والتهريب والأصوات التي تحاول إقحام عزيز فيه بنفس الطريقة التي أقحم بها اسم بوعماتو في نفس الملف قبل سنوات، ولو لم تكن “اللعبة” محكمة لارتفع صوت الرجلين أكثر لنسمع منهما شيئا من تفاصيل ملف مثير للجدل، يعرفان عنه يقينا بعض المعلومات، إن لم تكن شخصية فعلى الأقل يستقيانها من مصادرهما الخاصة داخليا وخارجيا، وشبكاتهما الأخطبوطية التي تجمع السياسي بالصحفي، والواعظ بالجاسوس، وشيخ القبيلة ببائعة الهوى..!!

يمكن القول إن “اللعبة” انتهت الآن، وأنها حققت بعضا من أهم أهدافها..!!

قد يكون هذا مجرد تخريف وسوس به الإيمان الفطري ب”نظرية المؤامرة” لشخص يعترف للرجلين عزيز و بوعماتو بأنهما – ومهما قيل عنهما – مواطنان موريتانيان ربما “يجتهدان” لخدمة بلدهما، وليس عارا أن يبحثا أولا عن مصالحهما الشخصية، وإن كان من العار تغليبها على المصلحة العليا لموريتانيا وشعبها وقد يكون هذا التخريف قراءة جريئة (تحتمل الخطأ كما الصواب) لما عليه الأمر من شخص ليس مرتهنا بالخوف من السلطة، أو الطمع في المال..
لقد كانت “لعبة” مثيرة حقا، تابعها الصغير والكبير، وصفق البعض حيث كان ينبغي أن يصرخ
بحسرة…وصرخ البعض حيث كان ينبغي أن يصمت..!!

كانت “لعبة” ندية أيضا، منحت البعض مناصب هنا، وأموالا هناك..

لم يبق الآن إلا أن يرقص الجميع في الحفل (القادم)، ويحمل على الأعناق بطلي “اللعبة”…فأروع نهاية في أية لعبة هو أن تحمل السلطة والمال على الأعناق بنشوة، ففراقهما يعتبر “قيامة” على المنافقين والمرتزقة..!!

أنا وأنت وموريتانيا ومصالح شعبها علينا السلام، فقدتم تغييبنا عن “اللعبة” ( لأنها علينا وبنا وليست منا ولا لنا)، ومن الأكيد أنه لا مكان لنا في حفل “التتويج”..!ّ!