البعوض .. “لحويط لكصير”

كانت لحظة مؤلمة بحق، تسلل فيها الأسى إلى قلبي لتفعل مخالبه بالمضغة مالا تطيق، أسفت كثيرا على حال أبناء مدينة روصو، الذين وقعوا فريسة مصاصي “الدماء” من البشر قبل البعوض.

لم يترك الدهر مصاصا إلا ورماهم به، مصاصون يحملون أفتك الأوبئة، نشروا وباء الجهل والفقر والمرض بين جميع المطحونين، في المدينة المطحونة، يجوسون خلال الديار في عزة ومنعة، أكلوا الأخضر، وطحنوا اليابس لم يسلم قطمير ولا فتيل، لم يرحموا آهات المرضى، ولا صرخات الجوعى، إن يدعوهم لا يسمعوا دعائهم ولو سمعوا ما استجابوا لهم.

تساءلت وأنا أتابع الحملة التي تقوم بها السلطات في مدينة روصو على البعوض، عن جدوائية هذه الحملة والمفسدون يمتصون خيرات هذه المدينة؟؟. عن الحملة للقضاء على المصاص الصغير قبل الكبير؟؟. عن التصرف المناسب تجاه من فشل في القضاء على الفساد والمفسدين؟؟، ففي العام الماضي نشر أحد المواقع العالمية أن السلطات السيرلنكية اعتقلت 53 شخصا بسبب فشلهم في القضاء على البعوض. لقد كشفت تلك الحملة أن البعوض هو “لحويط لكصير”، وعن غياب حقيقي للإحساس بالمسؤولية لدى الجهات الرسمية ــ إلا من رحم ربي ــ تجاه التصرف بممتلكات المحرومين، فقد كان من اللازم للحفاظ على عدم ضياع الأموال والجهود التي ستصرف في المبيدات أن تنظف المدينة، وأن يتم القضاء على المستنقعات، وأكوام القمامات التي تملأ أعين الناظرين وتزكم الأنوف.

إن معركة السكان الحقيقية هي مع المصاصين الكبار الذين وفروا للبعوض ملاذا يفرخ فيه ويبيض، مع من ترك المدينة تحت رحمة القمامة والمستنقعات، مع من نهب الخيرات واتخذ الملاهي والفنادق في العالم وطنا.